فليعذرني زملائي المؤرخين في طرح هذا السؤال: هل للتخصص في التاريخ والاشتغال به آثاره النفسية على المتخصصين؟ الجواب -وبكل تأكيد– نعم. ولكن قلة من الناس من يلتفت إلى هذه النقطة حتى من المؤرخين أنفسهم، فالمؤرخ ليس مجرد ناقل للتجربة الإنسانية الماضوية، فاشتغاله المستمر بالماضي، الذي قد يصل إلى حد الانغماس فيه، يقوده إلى الانفصال عن الحاضر مما يجعله يعيش في توتر دائم بين زمنين متباينين: الماضي بكل تفاصيله ووقائعه وغيريته، والحاضر بكل همومه وتحدياته. ومن المعروف في علم النفس أن تفكير الإنسان الدائم في الماضي يقود إلى العديد من المشكلات النفسية ومن أهمها الاكتئاب، فما بالك بالعيش في هذا الماضي المختلف تماماً. يعيش المؤرخ حالة اغتراب عن الحاضر (Alienation from the Present) بكل ما تحمله هذه الجملة من معنى، فالزمن مختلف، والثقافة مختلفة، واللغة مختلفة، وأحياناً كثيرة يكون الدين كذلك مختلفا، وفي بعض الأحيان قد ينظر المؤرخ إلى العصر الذي يدرسه نظرة تمجيد وإجلال تفوق ما ينظره لعصره الذي يعيش فيه (الإفراط في الحنين Excessive Nostalgia) مما يجعله يشعر بالعزلة عن المجتمع، والانفصال الوجداني عن "روح العصر" إن هذا التشبع بالماضي يفقد المؤرخ القدرة على الانخراط في الحاضر أو استشراف المستقبل، وبالمقابل قد يعاني المؤرخ نفسياً عند دراسته للأحداث المأساوية الماضية من مذابح أو مجاعات أو إبادات جماعية لا سيما حينما يتقمص المؤرخ شخصيات هؤلاء الضحايا ويغرق في الحزن والسوداوية فيولد ذلك عنده حالة الصدمة الثانوية (Secondary Trauma) المشابهة لما يعانيه المعالج النفسي عند سماع قصص مرضاه المؤلمة، أما حين يبحث المؤرخ بعمق في الميتافيزيقيا وسقوط الحضارات واندلاع الحروب وانتشار الأوبئة.. إلخ، فقد يشعر بهشاشة الإنسان والزمان مما قد يولد لديه ما يمكن أن نسميه القلق الوجودي (Existential Anxiety). ويعتبر قلق الموت (Death Anxiety) من بين الآثار السلبية لتخصص التاريخ على المشتغلين بظواهر كالموت والفناء البشري. وفي محاولاته تحقيق التوازن بين الموضوعية العلمية ورأيه الشخصي، وكذلك الصراع المستمر بين هل ينقل الماضي كما هو دون أي تأثر أم يقرأه بعيون عصره يتولد لدى المؤرخ انقسام نفسي (Cognitive Dissonance) لا يدركه إلا المؤرخ المحترف. فهل -بعد هذا كله- يستحق المؤرخون بدل طبيعة تخصص؟