الخميس المكمل للثلاثين من شهر رمضان.. والجمعة عيد الفطر المبارك    تكريم ميداني للفتية والشباب والقطاعات الكشفية المشاركة في خدمة المعتمرين    المملكة: نعمل على تعزيز أمن الملاحة البحرية في المنطقة    وزير خارجية البحرين يصل الرياض    اعتراض وتدمير 5 طائرات مسيّرة حاولت الاقتراب من أحد معامل الطاقة في الشرقية    أمير الرياض يعزي في وفاة حمد الجميح    بتوجيه القيادة... تسخير كافة التسهيلات للناقلات الجوية لدول الجوار    المسجد والمسرح: قراءة معمارية    المسجد الحرام.. إيمان وخشوع وسكينة    ختام حملة "الجود منّا وفينا" بتوفير أكثر من 8000 وحدة سكنية للأسر المستحقة    الدفاع المدني: إصابة 4 مقيمين نتيجة سقوط شظايا اعتراض صاروخ على موقع سكني بالرياض    البنك المركزي الأمريكي يبقي أسعار الفائدة الرئيسية دون تغيير    انطلاق مشروع يومي لمبادرة "خطوات الأجاويد" بمحافظة تثليث    «التجارة» تنفذ أكثر من 12،900 زيارة تفتيشية على منافذ بيع مستلزمات العيد وزكاة الفطر ومحال الحلويات    مصر ترفض الإساءة الإعلامية للدول العربية وتتعهد بتحرك قانوني    السنغال ستطعن ضد تجريدها من كأس الأمم الأفريقية أمام المحكمة الرياضية    أكثر من 20 ألف مستفيد من مبادرات جمعية كهاتين لرعاية الأيتام بمكة خلال رمضان    أدوار المسجد الحرام.. توسعة هندسية متقدمة تعزز انسيابية الحشود    تنسيق خليجي لوقف اعتداءات إيران    الرياض تستضيف مساء اليوم اجتماعا وزاريا تشاوريا لوزراء خارجية مجموعة من الدول العربية والإسلامية    في نصف نهائي كأس خادم الحرمين الشريفين.. قمة مرتقبة تجمع الأهلي والهلال.. ومهمة تاريخية للخلود أمام الاتحاد    استعرضوا انعكاسات مستجدات الأوضاع الراهنة على الأمن.. وزير الداخلية يبحث مع نظرائه الخليجيين تعزيز الاستقرار    في إياب دور ال 16 لدوري أبطال أوروبا.. برشلونة وليفربول يسعيان لتخطي نيوكاسل وغلطة سراي    طريق ممهد لبايرن وأتلتيكو.. وبرشلونة وليفربول في مهمة صعبة    تخسير ماليزيا مباراتين يرسل فيتنام إلى النهائيات    نائب أمير المدينة يزور المسجد النبوي ويشارك الأئمة إفطارهم    موجز    دعماً للتنمية وتحفيزاً للاستثمار.. 3177 ملياراً.. تمويلات مصرفية للقطاع الخاص    قائد ملهم وأيقونة لشباب الوطن    أكد تطوير المنظومة.. الصمعاني: العمل التطوعي العدلي يدعم مستهدفات رؤية 2030    المملكة تعزز الأمن الغذائي في الدول المحتاجة والمتضررة    أمانة مكة تشدد جولاتها الرقابية استعدادًا لعيد الفطر    يمزق جسد زوجته ب17 طعنة بمحطة الحافلات    واشنطن تدعو لتصنيف الحرس الثوري وحزب الله إرهابيين    3 ملايين زائر لفعاليات رمضان في جدة التاريخية    جامعة سطام تحقق ثلاث ميداليات في جنيف    القرآن إيجازٌ كلّه    أمر ملكي يرسي نقلة نوعية حضارية للفنون    «السلم والثعبان 2: لعب عيال» أول أيام العيد    400 فعالية ب«بينالي الدرعية» تعزز حضور الثقافة    تصعيد خطير على الجبهة الشمالية.. إسرائيل تستهدف جنوداً بالجيش اللبناني    فيصل بن خالد يطلع على أعمال "جوازات الشمالية"    مُحافظ الطائف يستعرض استعدادات إدارة المساجد لصلاة عيد الفطر    صلاة التهجد في المسجد الحرام ليلة 29 رمضان.. مشاهد إيمانية تفيض خشوعًا وسكينة    "مكافحة التدخين" في القصيم ينظم 50 معرضاً برمضان    ذكاء اصطناعي يفك النقوش    %58 يتأثرون بالذكاء الاصطناعي رغم ضعف الثقة به    التوت البري يعزز صحة القلب    المقلاة الهوائية تفسد سطح المطبخ    تحويل البلاستيك لعلاج عصبي    تشكيل الهلال المتوقع أمام الأهلي في الكلاسيكو    ختم القرآن الكريم بجامع الشيخ عبدالله أبوعامرية في بيش وتكريم الأئمة والمؤذن    تشكيل الأهلي المتوقع في الكلاسيكو أمام الهلال    «الحناء» في حياة المرأة السعودية.. رمز للجمال عبر الأجيال    هي أشياء لا تشترى    المملكة تعزي إثيوبيا في وفيات الفيضانات    محمد بن سلمان صمام الأمان    أمير نجران يلتقي رئيس محكمة التنفيذ بالمنطقة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



قراءة التاريخ ... مسارات تطوّر الفكر والمنهج
نشر في الحياة يوم 22 - 08 - 2009

ما بال المؤرخين عندنا الآن لا يؤثّرون في الحراك الفكري والعملي كما يحدث عند الآخرين؟! هل: لأننا ارتضينا الوقوف عند الماضي، ثم طال وقوفنا فتجمدنا، ثم أصبح انتاجنا اخباراً جامدة، لا تحس بها، ولا تؤثر في معاش الناس.
يمكن القول دون حذر شديد: لقد انقطع حاضرنا وغدنا عن أمسنا، وانقطع معه تواصلنا مع علوم أخرى لا يمكن أن يقوم التاريخ على ساقه من دونها. عندئذ أصبحنا ننتج وندرس تاريخاً لا يهتم به إلا الطالب ليعبر به بوابة الاختبار، أو ليردده البعض في المجالس من باب التسلية. وربما يتلطف آخرون ويصفون عمل بعض الإخباريين والرواة الذين يتقمصون دور المؤرخين بالخرافات والأساطير. والحق أن الراوي الإخباري يهتم بالأساطير والحكايات الشعبية، لأنها تحيط حديثه وكتاباته بهالة من المعجزات. وإن كانت الأساطير والحكايات الشعبية غير متسلسلة زمانياً. إلا ان اهتمام الإخباري بسياقها القصصي، يجعلها ذات قيمة اخبارية، دون أن يهتم برموزها ومضامينها الفكرية أو التمثيلية. التي أدت الى عجز المؤرخين المعاصرين عن تحصيل الكفاءة العلمية والمعرفة الواقعية بالمشكلات القائمة على الأرض لا الموروثة من غياهب التاريخ، الأمر الذي سبب لهم عجزاً في ابتكار الأفكار وبناء المنظومات المتماسكة فكرياً وواقعياً!!
تلك الأفكار والتساؤلات يستثيرها فينا المؤرخ العربي قاسم عبده قاسم عبر كتابه المتميز «قراءة التاريخ تطور الفكر والمنهج» الصادر أخيراً عن دار عين للدراسات، القاهرة 2009م. حيث يقودنا عبر الأقسام الأربعة للكتاب الى أن نتساءل: لماذا لا يكون المؤرخ المعاصر مثل المؤرخ القديم الذي عرفته الحضارة الإسلامية عندما كان الطبري مثلاً شيخاً للمؤرخين، وصاحب مدرسة فقهية، ومفسراً جليلاً، ومختصاً في علم القراءات. ورجلاً من رجال الحديث. لماذا أبعد كثيراً. لماذا لا يكون المؤرخ المعاصر مثل المؤرخ ابن بشر الذي كتب في التاريخ الحولي، وفي الأنساب، وفي الخيل، وفي البلدانيات، وله نظر في مجريات مجتمعه، وفي قضايا سياسية ودينية معاصرة له.
وأمر آخر له علاقة بهذه الإشكالية هو ما يسميه الجدران العالية التي بناها المؤرخ حول تخصصه الدقيق، فقد قطع كل علاقة له بتخصصات من جنس عمله أو قريبة منها. هذه الجدران جعلته حبيس تخصصه، وأحالته الى نوع من الغربة، لا نقول المعرفية، بل الغربة الفكرية، هذه الغربة ربما هي الدافع لأن يكون منغمساً في الماضي. أو الماضي الذي هو ميدان عمله. وربما ترك ما عداه من مواضيع أُخر.
الكتاب يعد قراءة معاصرة في فلسفة التاريخ وتعرية حقيقية لواقع الدراسات التاريخية المعاصرة ويؤكد أن الماضي ليس صندوقاً مغلقاً، ولا تحفة خاملة في زاوية متحف مهجور، الماضي كتاب مفتوح ووقود فاعل في حراك الحاضر وأهداف المستقبل. ولن يكون للمؤرخ دور في زمنه الذي يعيشه، إذا لم يتناول تخصصه بمنهج جديد، ورؤى جديدة، وعين فاحصة، ويد صانع، وعليه فوق هذا أن يردم الفجوة الكبيرة التي ارتضاها لنفسه بين الماضي والحاضر، كيف يقوم بردم الفجوة. الأمر بسيط يبدأ من استعمال اللغة التي هي لغة العلوم، ومصطلحات اليوم. ثم عليه أن ينظر في كل قضية حدثت في الماضي، بعد توثيقها وتحليلها وتفكيكها وربطها بأخريات من أمثالها، عليه أن يبين ما فائدة عمله هذا بمعاش اليوم. وهو ما نسميه بدروس التاريخ. فإن لم يفعل أصبح مثل الذي يشخص المرض ثم لا يصف الدواء. والناس اليوم تريد التشخيص وتريد العلاج.
على أن آخرين قد يرون في هذا الحديث قتلاً للتخصص الدقيق. أو كما قال بعضهم عولمة التخصصات. ولكن ما الضير في عولمة العلوم والتخصصات والمناهج. لقد ران علينا زمن لا نعرف إلا التخصص الدقيق، ثم أخذنا في تضييق الدقيق هذا، حتى أصبح مثل سم الخياط، فضاق علينا، وضاق على غيرنا. وزهد فينا الناس، وقالوا فينا وفي التاريخ الأقاويل.
بيد أن الحقيقة التي يكشفها المؤرخ قاسم عبده قاسم: هي أن علاقة الإنسان بالتاريخ في كل الثقافات وفي كل الحضارات، علاقة واحدة: فالإنسان يصنع تاريخه كما أنه صنيعة التاريخ الذي يمثل تراثه، ويشكل عاداته وتقاليده، كما أنه قاعدة وجوده الآني والمستقبلي يصدق هذا على الفكر الإغريقي والروماني، كما يصدق على الفكر العربي الإسلامي في عصور السيادة الإسلامية، ويصدق على العصور القديمة مثلما يصدق على الحال في العالم المعاصر أوائل القرن الحادي والعشرين.
ولأن ما يحمله مستقبل الإنسان يتوه في ضبابية الاحتمالات والتوقعات، لأن ما حدث في مجال التدخل في الخصائص البيولوجية، واكتشاف خريطة الجينات البشرية، واحتمالات تطبيق ما تم في مجال الاستنساخ على الإنسان، يجعل المستقبل حافلاً باحتمالات لا يمكن توقعها، ومن ناحية أخرى، فإن شكل العلاقات الدولية، وتطورات المفاهيم الاقتصادية والأنساق والعلاقات الاجتماعية، يمكن أن يشكل المستقبل على نحو غير متوقع وغير مسبوق في تاريخ البشرية. كذلك فإن علاقة الإنسان بالبيئة التي يعيش في رحابها قد تغير من شكلها، ومن أنشطة البشر حفاظاً على البيئة التي صارت هاجساً من هواجس الحاضر والمستقبل. من هنا يقول قاسم عبده قاسم: «إن لهذه الأسباب جميعاً لا يستطيع أحد أن يتكهن بمسار سفينة رحلة «تاريخ التاريخ» في المستقبل القريب أو المستقبل البعيد!!
السبب في ذلك انها رحلة لم تصل الى غايتها، بل انها لن تصل الى هذه الغاية سوى بعد أن تصل رحلة الإنسان - التي لم تتم عبر الزمان - الى غايتها. وعندها لن يكون هناك معنى لاستمرار رحلة «تاريخ التاريخ»... لأنه ليس هناك «تاريخ» من دون «إنسان».
ويختتم المؤرخ قاسم عبده قاسم كتابه بتوجيه الدعوة الى الباحثين والمؤرخين الذين يصرون على تقديم التاريخ في القوالب القديمة الجامدة بضرورة أن يدركوا أنهم يطرحون نوعاً من البضاعة في سوق لا تريدها، وعليهم أن يقدموا بضاعتهم في الشكل الذي يناسب العصر، وبالأسلوب الذي يفضله المستهلك مع الاحتفاظ بأصول البحث العلمي قاعدة لكل هذه المحاولات. لقد مرت مهنة المؤرخين بأزمات كثيرة في تاريخها بحسب ما يكشف هذا الكتاب، ولكنها كانت باستمرار تطور نفسها من خلال منهج البحث التاريخي وأنماط الكتابة التاريخية ويحسن بنا الآن أن نتحدث عن «أنماط المعرفة التاريخية» بدلاً من الحديث عن «أنماط الكتابة التاريخية»، لأن التاريخ لم يعد رهن الكتابة وحدها. عمل رغم تخصصه الدقيق يضمن المتعة حتى لغير المتخصصين.
* كاتب مصري


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.