حظي شهر رمضان المبارك بتفضيل من الله عز وجل على غيره من سائر الشهور، كما خص العشر الأواخر من أيامه ولياليه بمزيد من الفضل ترغيبًا في إحياء هذه الليالي المباركة، ومن خصائص العشر الأواخر وجود ليلة القدر فيها، فهي إحدى لياليها العظيمة، وأعظمها قدرًا، وهي من الليالي المباركة التي باركها الله تعالى وجعلها خيرًا من ألف شهر، أي أجر العبادة والقيام فيها يعادل 83 سنة و4 أشهر، كما جاءت الأحاديث النبوية في فضلها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن هذا الشهر قد حضركم، وفيه ليلة خير من ألف شهر، من حرمها فقد حرم الخير كله، ولا يحرم خيرها إلا محروم). أما عن وقتها فقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم: (التَمِسُوهَا في العَشْرِ الأوَاخِرِ مِن رمضانَ)، إذًا ليلة القدر في العشر الأواخر من شهر رمضان، وخاصة في ليالي الوتر منها وهي. وتقول السيدة عائشة رضي الله عنها: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر: شدّ مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله)، فكان –صلى الله عليه وسلم- يملأ وقته بالعبادة، ليسمو قلبه إلى معارج القبول، وتصفو نفسه من عوالق الدنيا، ويذكّر أهله، ويحفزهم ويوقظهم ليدركوا الفضائل. وتشهد المدينةالمنورة في العشر الأواخر كثافة سكانية هائلة من المواطنين والمقيمين والزوار الذين يتوافدون إليها من داخل المملكة وخارجها لقضاء العشر الأواخر فيها، طمعًا في الأجر والثواب، وتتجلى مظاهر الاهتمام بالمسجد النبوي في الشهر الفضيل؛ ليتهيأ لأهل المدينة والقادمين إليها كافة سبل الراحة في أداء كافة الفروض وصلاتي التراويح والتهجد، وذلك بمضاعفة العناية بالمسجد النبوي والإشراف على نظافته، وسطحه، وساحاته، ومرافقه. ويحرص أهل المدينة على الاهتمام بهذه الليالي المباركة فتضعف الحركة بالأسواق، ويتجه غالبية الناس إلى الصلوات في المساجد، وقراءة القرآن الكريم، والكثير منهم يعتكف في المسجد النبوي تأسيًا في رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان من هدي النبي صلوات الله عليه في العشر الأواخر من شهر رمضان الاعتكاف، فيأمر بخباء، فيضرب له في المسجد، ويمكث فيه، ويخلو فيه عن الناس، ويقبل على ربه جل جلاله. وتقول عنه السيدة عائشة -رضي الله عنها- "وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة، إذا كان معتكفًا". كما تكثر المبادرات الخيرية بغية الثواب، وطوال ليالي الشهر الفضيل خاصة في ليلة سبع وعشرين، يتم إعداد عشاء خاص عرف باسم "عشاء الوالدين" صدقة عن الوالدين، وأموات المسلمين، يوزع على فقراء المدينة. نوف عبدالعزيز المحمدي - باحثة في تاريخ المدينة المنورة