إن العلاقة بين الوعي والحرية الذاتية والقلق المتأصل في ضمائرنا حيال المستقبل وحرية الفرد في الإفلات من قبضة تسلسل الأسباب والتحديات الطبيعية، هو المغزى الرئيسي القائم على جوهر الإنسان، فهو ليس مسؤولاً عن فردانيته الضيقة، وإنما هو مسؤول عن كل الناس، وهذا ما أشاد به الفيلسوف سارتر في مقولته الشهيرة «الوجود يسبق الجوهر.. نحن لا نعرفُ ما نريد ونحن مسؤولون عمّا نحن عليه، وهذا هو الواقع». وحينما نشعر بأن شيئاً ما فُقد داخلنا، وبعجزنا التام عن ملاحظة الأمور الغائبة أو تحديدها، وذاك الأفول التدريجي لحقيقة الباطن الخفي الذي استبد بمشاعرنا، يحوّل (هرمان هسّه) البدهيات إلى معركة ازدواجية ثنائية بين الخير والشر، والوعي واللاوعي، في تتابع متطور للأحداث. فيبدأ روايته بهذا السؤال الوجودي الفلسفي «لم أكن أريد إلا أن أعيش وَفْقَ الدوافع التي تنبُع من نفسي الحقيقيّة، فلمَ كان ذلك بهذه الصعوبة؟!» كتب هرمان هسه روايته (دميان) بعد الحرب العالمية الأولى «1914 – 1918» عن قصة الشاب (أميل سنكلير) وتطور مراحل حياته من الطفولة إلى النضج، وتزعزع عالمه بين الأمان الطفولي في منزله والخطر الخارجي المحدق بكونه الوجودي، إشارة إلى القلق من الحرية والفراغ العاطفي والحاجة الماسة إلى المعرفة الكونية. وتتمحور الرواية بشكل أساسي حول الصراعات الفكرية التي واجهها بطلنا (سنكلير) واصطناعه محورا وهميا خارج ذاته المعذبة. تبدأ رحلة البحث عن ذاته من خلال علاقته ب(دميان) الذي علمّه كيف يقدس فردانيته الطبيعية ويهرب من التبعّية المجحفة. وكأن دميان يمثل شخصيته المتخفية في داخله الفطري المبهم للغُز الإنسانية العتيق، ليؤكد هسّه يقينه المنداح في عزلة شرنقته قائلاً: «لم يسبق لإنسان أن كان نفسه تماماً وبشكل كامل» وينقلنا بأسلوبه الأدبي الفريد بين محطات الشك والذعر والوحدة بحبكة قصصية تمجد الكون في صراع الوعي الأزلي. انتهج الكاتب هسه في روايته فلسفة ذات أفكارا غير اعتيادية وجعلنا نقرأ بأعماقنا في تناقضات الوجود الإنساني، وفقده التميز بين الانفعال والانضباط، وبين النزاعات العقائدية ومنطقة النور بين عالمين متناقضين. بين فكر ثوري لسمو الروح ونداءاته الرمزية وإشاراته المصيرية، فرمزية (دميان) تكمن في كونه المرشد الروحي و(أيفا) والدة دميان ترمز للأم الكونية -أي حواء- بكل تجلياتها من حب وحنان وحدس يسبق الوقائع، ورمز طائر أُسطوري يشير إليه (دِميان) في سمة دينية كونية دينامكية. وفي ذروة معاناة سنكلير يتخبط بطلنا في أحاسيس تتعدى وجوده وتقوده إلى جوهر روحه، حيث كل شيء يدعو إلى التفكير والاختيار العميق، فيقرر أنّ أولئك القادرين على اتخاذ القرار بالخطيئة، هم فقط القادرون على تغيير العالم، فيصيح دميان قائلاً: «إن طريق الأغلبية ياسنكلير طريق سهل... أما طريقنا فصعب». ويقف سنكلير في وجه القلق الميتافيزيقي بين الشر والقوة، ويتخطى إحساس السقوط والانحلال بتجربته في الرسم والتأمل والموسيقى كطوق نجاة لروحه فيصف ذلك بقوله «التوق والانصهار الكلي في العالم، الموسيقى الجاهدة للتحررُ، والإصغاء المتحرّق لروح المرء المعتمة»، ويبدأ بالخروج من شرنقته نحو أسراب النور المنبثقة شاعراً بنشوة الحياة وتلونات الكون والوجود تتسلل إلى روحه، ليلقي به القدر وحيداً ومتروكاً ومرغماً على الاختيار عندما تندلع الحرب ويفترق الصديقان ويتركه دميان قائلاً له: «ستقع الحرب حتماً... ولكن سوف نرى أنها لن تكون سوى البداية».