مفرطة في تفاصيلها ومحصلاتها هي قصة النفط، مفرطة في قفزاتها الفجائية والتواءاتها الخطرة، في قممها ومهاويها ولكنها مع ذلك تبقى الفاعل الأكبر تأثيرا في كتابة فصول تاريخنا الحديث، وهي فاعل متمرد على سيطرتنا بعد أن خسرنا معركة الإرادات، ووضعنا ثروتنا رهينة الأسواق، خدرنا الوهم والبساطة ونهم الثراء السريع. قراءة الفصول المنصرمة لقصة النفط لابد أن تعاني من الارتباك والارتجاج وتغيب في المتاهة، فما هو مسكوت عنه في ثنايا هذه القصة لا يشكل جزءها الأهم فقط ولكنه ايضا يشكل قوامها ولبها المخفي والمطموس عمدا، لن ترتقي القراءة الى مستوى التحليل ما لم يجر تمزيق الأحجبة التي يغيب خلفها المشهد الكامل، حيث يطرد إلى الأركان القصية ممثلو أصحاب الحق الشرعي في الثروة، لكي يفرد المستهلكون الشرهون أجنحتهم وتصدح أصواتهم في جنبات المسرح بآمرية متحكمة. لم يحدث ذلك بضربة من ضربات البخت ولم تكن شبكة توزيع القوة على ساحة المعركة في صالح المستهلكين، الذين اختاروا أن ينبروا لمواجهة التحدي المهين في اطار العقل الصراعي للأقوياء المتحكمين في مصائر العالم، وتم تنحية المطالب المشروعة للمنتجين وإبطال حقانيتهم في السعي للحصول على السعر الأفضل، وتحول هذا الحق في البزار التبريري الذي أداره المشترون بكفاءة عالية الى مؤامرة للابتزاز والسيطرة على موارد العالم. ازيحت كل الدلالات وجرى خلق مدلولات جديدة للأسماء، اصبحت تبريراً لنقض قوانين المنفعة والأسواق والمصالح، ولم تكن قط ندا في حلبة الصراع الناشب، الذي اختاره المشترون بديلا للحوار والاعتراف المتبادل. لم يكن عسيرا اختراق دفاعاتها الهشة وعديمة العمق، بعد أن تنادت الدول الصناعية الكبرى لصياغة استراتيجيات المواجهة واخذت تضغط على محاور ثلاثة، الحد من التبديد الاستهتاري لمورد غير متجدد، بينما يتجه المحور الثاني الى بناء مخزونات هائلة، تجارية تحملها البواخر العملاقة والخزانات ومحطات التوليد ومحطات التوزيع يسانده مخزون استراتيجي للطوارئ، استخدمت لتخزينه كافة (الأواني) المتاحة بما في ذلك التجاويف الطبيعية كما هي قباب الملح في الولاياتالمتحدةالأمريكية ويأتي المحور الثالث وهو الاطار التضامني المؤسسي لمنظمة الطاقة الدولية التي أدارت الأزمة المضخمة إعلامياً وأثارت مشاعر المواجهة في وجه الابتزاز البترولي، العربي غالباً. يعود الفضل في تحقق أهداف المستهلكين الى الطواعية المذهلة التي انقادت بها دول الأوبك للفخاخ المعدة بدهاء، حيث تم شحنها باثقال الضمير ازاء بؤس العالم وتضخيم التزامها الانساني مع توريطها في مشاريع منهكة ذات طابع استعراضي لا نفع منه، وتبني سياسات مالية قصيرة النظر تهدف الى شراء الولاءات المحلية ودغدغة العواطف. هذه المحاور الثلاثة مثلت رأس الحربة لانتزاع المبادرة من المصدرين تمهيدا لازاحتهم وربما الاستغناء عن النفط نفسه، فلم يلبث المنتجون ان وجدوا انفسهم في قلب الأزمة التي اكتسحت رياحها مطامحهم، فلم يبق ثمة مغزى لمصطلحات مثل التنمية والنهضة في وسط العاصفة، واصبحت خشبة النجاة معلقة في ضخ بلايين البراميل التي تباع بأسعار لا تتجاوز تكاليف استخراجها الا بالكاد، تتجه الى دعم المخزون الاستراتيجي والتجاري الذي يسهم بدوره في تعقيد الأزمة واطالة امدها، ازمة المنتجين طبعا. لم يعد أمام القوى الصناعية ما تخشاه فلم يرتفع صوت واحد ليندد بالظلم الفادح الذي أنزل بشعوب لازالت تنتمي الى البشرية الفقيرة، المتخلفة معرفياً وتكنولوجياً واقتصادياً، انطفأ الضجيج الذي ملأ الدنيا وهمدت بورصات العالم الصناعي المحتفية ببرميل الدولارات العشرة، بعد أن طرد الوحش البترولي الى فيافي الصحاري المحرقة والغابات الموحشة. الدول الصناعية أصبحت طافية على بحيرات اصطناعية من النفط، الذي ما فتئ يتدفق على موانئها عبر صفقات المقايضة بالأسلحة أو تقديم المشورة والمعرفة، هذه السلعة التي ابتكرها المقتدرون لتعزيز اطباقهم على العالم، إذا فلتمض هذه الدول منتشية الى تطوير حملتها. المستوى الجديد لهذه الحملة كان يتناول مسألة الطاقة بمجملها ويطرح حلولا تقف على شرفة التمني، اليابسة والبحار ايضا تعوم على محيط متلاطم من النفط، بحر الشمال وخليج المكسيك وبحر قزوين واخيرا ساحل افريقيا الغربي، اختراقات تكنولوجية تشبه أحلام العصافير في بلوغ القمر، وتطوير مصادر جديدة لم تلبث أن انهارت على عتبة تشيرنوبل أو انصعقت أمام هول الحساب. البحث عن مصادر بديلة لم يكن بريئا، كان فما فاغرا ابتلع طاقة البشر ودماءهم، حروب نفسية وعسكرية ودسائس وقوى متأهبة للغزو وأموال وجهود وأفكار تؤججها روح الصراع ويحكمها منطق البقاء الذي يؤسس للبناء الفكري للحضارة الصناعية الرأسمالية المعاصرة. العقلانية الحديثة، هي عقلانية المنفعة والملموس، القفز فوق حقول الميتافيزيقيا، اعتبار الهدف لا الوسيلة، ثمن الوصول وليس السبيل، بيد انها وهي تجابه معضلة النفط وقعت في حبائل الموروث النفسي، ففي العالم الصناعي كله لم يشر اتجاه واحد الى الامكانيات البديلة خارج الحقل الصراعي، لمسألة مصيرية مشتركة، لم يقل احد دعونا نستمع الى هؤلاء الصحراويين الجفاة فربما كان التفاهم معهم ممكنا، على العكس استبيحت (قدسية) السوق وبترت احدى ساقيه، وأصبح الحق بعين واحدة تشع على جبين المشترين، اما البائعون فليضربوا في مفازات صحاريهم دون (زوادة). لم تكن معادلة القيمة والثمن مطروحة ولم يأبه بها أحد، مطالبات الأوبك ذات الاقتصاديات الرعوية والزراعية المتخلفة وقتها، مخاوفها المشروعة في أن تصبح مكشوفة للفقر وربما المجاعة والعطش بعد أن تبيع دثارها البترولي لم تحظ بالاهتمام، هذا الدثار كانت تنزعه او ينتزع منها قطعة قطعة، تحمله سفن اسطورية السعة الى بحيرات النفط الاصطناعية في العالم الصناعي لتبحر على صفحتها قواربه متهادية، بينما تواجه شعوب الدول المنتجة أعاصير احتياجاتها الساحقة دون دثار لم يرد الصناعيون المتقدمون أن يعترفوا للحظة واحدة أن (قيمة) هذا الدثار ليست سعرا ايا كان مستواه يعود أدراجه الى جيوبهم في تبادل غير عادل يغطي حقلا لا تبين حدوده من علب الأغذية وقناني العطور ومخلفات ترسانات الاسلحة ولكنه يقف عند حدود الاحتياجات الأساسية لبناء المستقبل، لم يفكروا ولو للحظة واحدة بحق هذه الشعوب في الحصول على (سعر) تعويضي يرتقي الى مستوى القيمة التي يمثلها الدثار البترولي المتطاير، هذه القيمة التي تطرد أشباح الفقر والتخلف الاقتصادي والتكنولوجي التي تتربص بمستقبلها. لم يفكروا بذلك ابدا، لأن حسابات الصراع كانت تنتهي الى حتمية الهزيمة الساحقة التي منيت بها الدول المصدرة وهي حتمية تقع في صميم العقلانية الحسابية، لم يحفلوا باحتمالات الخطأ لأن الموروث النفسي كان سيدا. عقلانية الغرب هنا ضلت طريقها سقطت ضحية الموروث وتشبيكات السايكلوجيا، تخبطت في طريق النتوءات الحادة، نزفت جهدا ومالا ونزفت الشعوب المنتجة معها مستقبلا عقلانيتها غرقت في مستنقع الموروث وجرفتها الامواج المتدافعة من مراكز السيطرة الصهيونية على الاعلام في عصر (الميديالوجيا)، كان الصراع سيدا مطلقا على الساحة البترولية سد افق التفاهم والحوار وأوصد ابواب البدائل، كان صراع الصفر اقصائيا خالصا خاضه مقتدرون ضد شعوب طرية العود وعديمة الخبرة ولكنه لم يكن عقلانيا، لم يتخل الطرف الأقوى قط عن أهدافه الاقصائية، ولم يفض الصراع الى التفاوض والحوار، اختفت مبادئ التسوية وتبادل الاعتراف وفكرة التعاقد، هذه الانتظامية التي تؤطر فاعليات المجتمعات الغربية وتفاعلاتها، توارت كل منتجات العقلانية وأدواتها عن الساحة دون أن يتذكرها أحد، انسحبت في وجه الاستجابة التشنجية المصحوبة بدوي ميديولوجي عديم البراءة، ذلك لأن الاقوياء يديرون صراعا محسوم النتيجة. نعم لم يكن الخيار عقلانيا، فها هو الوحش البترولي يستيقظ متمطيا بين فجوات الغابة وعلى اطراف الصحراء يشق سموات البورصات العالمية مثل شهاب في ليلة صيف، فتشع ابتسامات الحبور على ثغر أوبك، وتنتفخ أوداجها بينما يعلو الزعيق وتقرع طبول النفير على الجانب الآخر، من قال إن التاريخ لا يكرر نفسه؟ يعود الوحش من تيهه الطويل، ولكن مع اوبك مدجنة، مثقلة بأحمال التجربة وهواجس المستقبل، مجموعة من الدول تتناهبها هموم الديون، وتتآكل بناها ويتزايد سكانها، وإلى ذلك يستغرقها الإرهاب والاضطرابات السياسية وتحاصرها حرائق الحروب، ولأنها تفتقر الى التعمق في حقيقة واقعها فقد نفخت في ابواقها الاعلامية التي لا تتعدى اسماعها بنبرة الاعتزاز والفخار، لم تتخل ابدا عن عفويتها الساذجة، لم تقرأ الدرس جيدا، بل لم تنفض الغبار عن الكراريس! (للموضوع صلة)