• كان العرب يوصفون بأنهم كائنات من ذوات الدم الساخن، لكن بعض عرب اليوم بلا دم، فالذي يجري في حمص وحماة وإدلب وما حولها يكشف أننا كائنات محنطة، فالدماء المراقة وصراخ الأطفال واستغاثات الحرائر تحرك الجلامد، وتشعل النار في جبال الجليد. ونحن لدينا حصانة ضد الإحساس، وتبلّدًا أمام الفواجع. هبّ علينا الربيع ففرحنا به لكنه لم يلبث أن أصبح زمهريرا في غمضة عين، والله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. • مختلفون في كل شيء لنثبت أننا عرب، في زمن الفضاءات الاقتصادية والسياسية والثقافية، نعيش في جزر ودويلات، وعلى كل قارعة تقام خلافة فيها أمير المؤمنين ومنبر. جربنا التعاون فلم ننجح، ودعينا إلى الوحدة فلم نجتمع، وإلى الاتحاد فلم نتحد. دين واحد، ولغة واحدة، ونسب واحد، ومصير مشترك، ومع كل هذا مختلفون على مقاس الوحدة، ولونها، وأصبحنا مثل بني إسرائيل الذين جادلوا الله سنة كاملة في بقرة، تشددوا فشدد الله عليهم، واليوم نتبعهم حذو القذة بالقذة. لا تجارة بينية ناجحة، ولا حدود آمنة، ولا مصالح مشتركة. • مخلصون لثقافة الاستبداد، نقتلع المستبد، ونقاتل من أجل بقاء جذوره، نحارب المصلح ونثور في وجهه، ونقول دعوا الخلق للخالق، لدينا قابلية لصناعة المستبد، وتفريخ المستعبدين، وننادي في كل صباح: متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا، وحقيقة ما نفعل: لا تفكروا في الحرية فقد ولدتم لتكونوا عبيدا. • فلاسفة في كل شيء، وليس لدينا فلسفة، عائلون مستكبرون نعيش على إنجازات الآخرين ونذمهم صباح مساء. أمة أول ما نزل فيها اقرأ ولا تقرأ، نقول صنعة في اليد أمان من الفقر، ولم ننجح على مدى قرن ونصف في صناعة مكنسة كهربائية، نعيش خارج التاريخ، العالم يتحدث عن تقنية النانو، والخلايا الجذعية، والذكاء الاصطناعي، ونحن نتجادل حول كشف الوجه، ورضاعة الكبير، والاختلاط، وقيادة المرأة للسيارة، ومزدوجي الجنسية، وتكافؤ النسب. • مقولبون على أن نكون ضد نمو الأفكار ومنطق الأشياء وحركة الحياة، نسير دائما في الاتجاه المعاكس، ونقف في الاتجاه الخطأ، ونأتي في الوقت الضائع، ضحايا أسئلة الآخرين، ومعاركهم. أكثر الأمم اشتغالا بإدارة الوقت، وإطلاق القوى الكامنة، وتطوير الذات، والتخطيط الإستراتيجي، والشفافية، ونحن أكثرها هدرا للوقت، وتبديدا للطاقات، وتخطيطا للفشل، وغرقا في الفساد، واقرأوا تقارير المنظمات الدولية، ولا ينبئك مثل خبير. • ندرك عيوبنا، ونتعامى عنها، ونكتشف أخطاءنا ونبحث لها عن أعذار، صناع مشاجب، وضحايا مؤامرات، ومع كل هذا ندعي أننا الحق الذي لا يأتيه الباطل من بيديه ولا من خلفه، والحقيقة التي لا تخفى، والحجة الدامغة التي لا تنفى، مبدعون في ابتكار الحيل الثقافية التي نحمي بها تخلفنا الحضاري، ونرسخ سباتنا الثقافي، والاستمرار في تيهنا العلمي، باسم نشر الإحباط وجلد الذات. ديننا يأمرنا بأن نأكل مما أنهر الدم، وطعامنا من المنخنقة والمتردية والنطيحة وما أكل فوكو. [email protected]