الموارد البشرية تعلن عن تحديث قرار توطين المهن الإدارية المساندة بإضافة 69 مهنة    جولة منتظرة في دوري يلو.. 3 قمم بين أصحاب الصدارة    تفاصيل مفاوضات الاتفاق للحفاظ على سعد الشهري    الدفاع المدني: استمرار هطول الأمطار الرعدية على معظم مناطق المملكة حتى يوم الجمعة المقبل    مساعد وزير الداخلية لشؤون التقنية يزور قيادة القوات الخاصة للأمن البيئي    محافظة صوير تسدل الستار على مهرجان شتاء الجوف الثاني    استقرار أسعار النفط    جهاز اتصالات مشفر يسهم في إنقاذ طيار أمريكي سقطت طائرته جنوب غربي إيران    اكسيوس: مفاوضات دولية لبحث هدنة مؤقتة بين الولايات المتحدة وإيران    الاتفاق يتغلب على القادسية بثلاثية    الكم الكيفي ياجمعياتنا الأهلية    أفلام الأكشن تستهوي محبي السينما    أبو زهرة بالعناية المركزة    شروط جديدة تعيد تشكيل زواجات جدة    اللثة تؤثر على مرضى الكلى    أمير الرياض يرعى حفل خريجي جامعة الفيصل ويضع حجر الأساس لمشروعات المنشآت الرياضية بالجامعة    ثماني «أوبك بلس» تقر زيادة الإنتاج 206 آلاف برميل يومياً    أمير الباحة يطلق فريق «طوق التطوعي»    التقرير السنوي للتجارة على طاولة الشورى    بلدية الدمام تحقق نقلة نوعية في تنظيم الأسواق    تقرير «مدني الرياض» على طاولة فيصل بن بندر    بتبرع ولي العهد.. أمير الجوف يسلم وثائق تملك الوحدات السكنية للمستفيدين    الهلال يشعل الإعلام العالمي.. هدف برازيلي وتألق فرنسي وغضب برتغالي    الإعلام والأزمات المنسية في الحرب الأميركية - الإيرانية    حليب الإبل.. مشروب الربيع في «الشمالية»    غالتييه: نقاط الفيحاء تعزز ثقافة الانتصار    المملكة تدين محاولة تخريب سفارة الإمارات في دمشق    اعتماد الصحي للقيادة مركزاً متعاوناً مع «المنظمة العالمية»    ولادة أول وعل بمحمية الوعول في 2026    بالتعاون مع كبرى الشركات الوطنية.. إطلاق إستراتيجية مجلس تنسيق المحتوى المحلي المحدثة    حين يتحول الفراغ إلى إساءة    اختفت وهي طفلة وظهرت بعد 32 عاماً    بدء تسجيل الطلبة المستجدين للعام الدراسي المقبل    ميناء جازان للصناعات الأساسية.. تعزيز الاستثمارات والقدرات اللوجستية    طائرة تقتحم مطعماً في البرازيل وتخلف 4 قتلى    ولي العهد يهنئ رئيس وزراء تايلند بإعادة انتخابه    بقيادة فتحي الجبال.. الأخدود يحقق فوزاً ثميناً على الفتح    كندا تستثمر فشل منتخب إيطاليا بطريقة ذكية    التعليق الذي أزعجك…قد يكون أهم ما قيل لك    البرستيج القاتل    «موهبة» تطلق برنامجها الإثرائي المهاري في 3 مدن    عبر فصائل عراقية مسلحة موالية لإيران.. تحذير أمريكي من محاولات اغتيال دبلوماسيين بالعراق    راحة البال    توقيع 5 آلاف اتفاقية بمنتدى العمرة والزيارة    غارات على بيروت ونزوح واسع للسكان بالجنوب.. عون: رضا ليس سفيراً ويعمل دون مهمة رسمية    طيور تحمي أعشاشها بسموم السجائر    دراسة: لقاح الإنفلونزا يمنح مناعة تمتد لعقود    مستشفى الملك فهد الجامعي يقود مسيرة متقدمة في زراعة القوقعة ورعاية فاقدي السمع    زيلينسكي في دمشق.. حضور أوكراني وتراجع روسي    زلزال كابول يقتل 12 شخصا    اختتام فعاليات المؤتمر العشرون للجمعية السعودية لجراحة المخ والأعصاب    5 آلاف اتفاقية بمنتدى العمرة    نائب أمير نجران يطَّلِع على مشروعات شركة المياه الوطنية بالمنطقة    نائب أمير جازان يستقبل مدير فرع الهيئة العامة للنقل بالمنطقة    «إرشاد الحافلات» يستقطب الكفاءات لموسم الحج    استعرضا العلاقات الثنائية وناقشا تداعيات التصعيد العسكري.. ولي العهد ورئيسة وزراء إيطاليا يبحثان المستجدات الإقليمية    رئيسة وزراء جمهورية إيطاليا تغادر جدة    رئيسة وزراء جمهورية إيطاليا تصل إلى جدة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الوسائل الدعوية في القرية الكونية..!
الإنترنت والفضائيات والبث المباشر
نشر في الجزيرة يوم 31 - 03 - 2006

لكل زمن أدواته ووسائله، فما هو متاح الآن من وسائل اتصال قوية ومؤثرة، حولت العالم إلى قرية كونية صغيرة يعرف بعضها البعض، لم يكن موجوداً بالأمس، بل كانت وسائل الاتصال محدودة جداً، وبدائية وقليلة التأثير.فنحن نعيش في عصر البث المباشر، والفضائيات التي تنقل كل شيء أثناء حدوثه، وتبثه إلى مختلف أرجاء العالم، وزمن النقل الحي للأحداث والوقائع، وشبكة الإنترنت التي اتاحت مساحات هائلة للبث المقروء والمسموع والمرئي، كل هذا انعكس على الخطاب الدعوي الذي لا بد أن يواكب هذه الثورة في الاتصال وتدفق المعلومات.
والداعية أو الخطيب الذي كانت خطبته تقتصر على داخل المسجد صارت تسمع في أرجاء الحي بواسطة مكبرات الصوت، بل وتنقل عبر غرف البالتوك إلى أماكن شتى، وصار الإعلام يلهث وراء الخطاب القوي المؤثر الذي يجذب الجماهير، ويؤثر فيهم.
كل هذا يطرح عدة أسئلة حول تجديد وسائل الدعوة، وضرورة أن يأخذ الداعية بوسائل فاعلة بل وأدوات العصر الأكثر تأثيراً وانتشاراً.
الوسائل الفاعلة
يقول الشيخ عبدالعزيز بن صالح الحميد رئيس محاكم منطقة تبوك ورئيس الجمعية الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم بالمنطقة: قديماً كانت الدعوة مقتصرة على إلقاء الخطب وإقامة المحاضرات والدروس وعقد بعض الندوات ضمن نطاق ضيق، والذي يستفيد منها من يحضرها من أهل البلدة بالإضافة إلى ما يتم تأليفه من الكتب التي تُعنى بهذا الشأن، أما الآن وقد تعددت قنوات الاتصال وتطورت وسائل الإعلام تطوراً كبيراً وانتشرت انتشاراً واسعاً، حتى تميز هذا العصر الذي نعيشه بأنه عصر الإعلام، فينبغي للداعية أن يستغل هذه الوسائل ويوظفها في خدمة الدعوة، وهذه الوسائل كثيرة ومتنوعة، ولكل وسيلة طبيعة خاصة وسمات ومزايا خاصة تميزها عن غيرها، ويمكن تصنيفها على النحو التالي:
أولاً : الوسائل المطبوعة (المقرؤة) وتشمل:
- الصحف: تعد الصحيفة وسيلة من وسائل الاتصال الجماهيري المؤثر وبخاصة في المجتمعات التي يلمّ أفرادها بالقراءة والكتابة، وهي منتشرة بشكل واسع وسهلة المنال.
- المجلات: تصدر المجلات أسبوعياً أو شهرياً أو فصلياً أو غير ذلك وهي أكثر الوسائل الإعلامية تخصصاً، وهي تصل إلى شريحة كبيرة من الناس وخصوصاً المثقفين والمهتمين حسب الموضوعات التي تطرحها.
- الرسائل والنشرات والمطويات والكتيبات وهي وسائل تخدم الدعوة وخاصة في المناسبات.
- الكتب: وهي نتيجة لجهد كبير يقوم به المؤلف أو الباحث في موضوع الكتاب، ويستخدم المؤلف أسلوباً قوياً ومشوقاً لعرض فكرته وتأييدها بالأدلة القاطعة.
ثانياً : الوسائل السمعية: وذلك من خلال:
- الإذاعة: وهي وسيلة من وسائل الاتصال بالجماهير، وقد انتشرت في العالم انتشاراً كبيراً، ويمكن استغلالها في الدعوة إلى الله من خلال الأحاديث واللقاءات والندوات وغيرها.
- الشريط الإسلامي: وهي وسيلة سهلة ويمكن إيصاله إلى كثير من الناس.
ثالثاً: الوسائل البصرية:
وهذه الوسائل لها فاعلية فريدة لأنها تعتمد على حاستي السمع والبصر، وتعد من أقرب الوسائل للاتصال الشخصي، ومن أحسن الوسائل المقنعة، كما أن الصورة لغة عالمية تفهمها كل الشعوب، وهي أقوى تأثيراً من الكلمة المكتوبة أو المسموعة نظراً لاستخدام أكثر من حاسة في تلقيها، ومن هذه الوسائل:
- التلفزيون والقنوات الفضائية، وهي وسيلة سمعية بصرية جامعة، وخلاصة إمكانات الوسائل كافة، بل كل مميزاتها، وعن طريقها يمكن أن تقدم المعلومات التي يتعسر نقلها عن طريق الكتابة أو الصور أو الصوت إذا استعمل كل منها على حدة، والتلفاز يقوم بدور كبير في خدمة الدعوة والإسلام من خلال ما يعرض فيه من أحاديث وندوات ومسابقات وبرامج دينية.
- الفيديو: وهو امتداد لنظام التلفزيون، يمكن أن يتم تسجيل المحاضرات والندوات والدروس المفيدة والبرامج الدعوية على أشرطة فيديو وتوزع على شرائح المجتمع.
- الإنترنت: وذلك بإقامة مواقع خاصة لخدمة الدعوة إلى الله تعالى.
الوسائل المتعددة
ويضيف الحميد قائلاً: إن من نعما لله على الناس في هذا العصر سرعة الاتصال وتعدد الوسائل السريعة في الوصول إلى الناس والاتصال معهم عبر قنوات كثيرة ومتعددة تجعل العالم كله كقرية صغيرة يمكن اختراقها، وهذه القنوات سلاح ذو حدين فقد تكون سلبية إذا أسيئ استخدامها تأثراً بالغير واستجلاباً لما عندهم من الشر، ولكن في الجانب الآخر تكون إيجابية إذا حسن استخدامها وتم توظيفها لصالح الدعوة والنفع العام للعباد والبلاد، فلا بد للغيورين والخيرين والذين يحملون هم الإصلاح وهم هذه الدعوة من استغلال الفرص وتكاتف الجهود وتجييش الهمم والإرادة لإصلاح الأوضاع من خلال الوسائل المقرؤة والمسموعة والمرئية قدر الجهد والمستطاع، والإبداع في استحداث الأساليب وتوظيفها في الدعاية للإسلام وعرضه بصورته المشرقة، فمن خلال الكتاب والرسالة والمطوية نصل إلى الملايين من الناس، وعبر القنوات الفضائية نستطيع الدخول إلى قعر البيوت دون استئذان أو حجاب، ومن خلال الرسائل السريعة نستطيع أن نقدم رسالة عظيمة في التعريف بالإسلام وإرشاد الناس إلى دينهم وتحبيبهم في الهداية، ومن خلال الإنترنت نتحرك بمساحات واسعة وآفاق بعيدة في كافة الأصعدة العلمية والدعوية والتربوية لنساهم في خدمة ديننا.
ولا بد من التنويع ومعرفة أحوال الناس وظروفهم، حتى تكون الدعوة ملاقية تؤتي ثماراً طيبة، كما أنه لا بد من تحديد الأهداف في الدعوة، والتدرج في الوصول إليها مع العناية بالوسائل المؤدية إلى ذلك، والاهتمام بجميع شرائح المجتمع في كافة المؤسسات والأندية والأصعدة على اختلاف الأطياف.
مؤسسات عالمية
ويؤكد الحميد: فجميع الوسائل الدعوية والإعلامية مطلوبة بشرط أن تكون موافقة للمنهج الشرعي، مؤدية للغرض المراد، وفي سبيل الاستفادة منها لا بد من المكنة العلمية والفقه الواقعي والبصيرة في الطرق والوسائل، وقبل ذلك وبعده إخلاص النية لله تعالى، وهذا الاختصار للزمن والسهولة في العرض والسرعة في البلاغ نعمة تجعل المسؤولية مضاعفة مما يجعلنا أكثر إيجابية في استغلالها.
لذا نوصي بالعمل على إيجاد مؤسسات دعوية عالمية يرتبط بها المخلصون من الدعاة و العلماء العاملين والمفكرين الغيورين المشهود لهم بالاستقامة والاعتدال وفقه الواقع والأفق الواسع والسير على المنهج القويم، وتدعم هذه المؤسسات من أهل الفضل والإحسان من الخيرين ذوي الثراء والغنى.
الفهم والتلقي
ويرى الأستاذ الدكتور سليمان بن صالح القرعاوي استاذ الدراسات الإسلامية بجامعة الملك فيصل بالأحساء أن الدعاة يحملون أمانة نشر الإسلام في كل أرجاء المعمورة، وتوضيح معالمه لكل بني البشر لقوله تعالى :{وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (104) سورة آل عمران.
وتتعدد مهام هؤلاء الدعاة وتتنوع بقدر ما يقومون به من جهد وما يواجهونه من أطياف، وقد نظر القرآن الكريم إلى اختلاف المدعوين في الفهم والتلقي، فراعى هذا الأمر، وأمر رسوله - صلى الله عليه وسلم - بضرورة لين الجانب فقال سبحانه : {وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ}، (159) سورة آل عمران.
إننا بهذا نرد على من اعتقد أن قصور منهج الإسلامي في تأدية الغرض المراد منه ناشئ عن كونه غير مبسط أو موضح، أو أن الكتب التي وضعت في هذا الإطار بها عيب أو نقص، وغير ذلك من الأسباب المطروحة، ولكن هذا ليس بصحيح، فالعيب قد يكون بسبب من نستقي منهم أمور الإسلام وأحكامه، وهذا يعود إلى بعض من نصبّوا أنفسهم للفتيا مع جهلهم بأحكام الدين.
كذلك نجد في الواقع بعض الدعاة في مجتمعنا اليوم يطبقون الإسلام قولاً وسلوكاً، ولا يمكن التقليل من شأنهم، أو إنكار فضلهم، ولكنهم قلة أمام جموع كثيرة لا يبالون بالإسلام وأحكامه في أفعالهم، فنجدهم على المنابر يهزونها وهم في ذروة الانفعال ينهون الناس عن الصغائر والكبائر من الأمور المنهي عنها والمحرمة، ويأمرونهم بالمعروف قليلة وكثيرة، ولكن واقعهم يذكب هذا الانفعال ويبطل مفعوله، فهم قد غرقوا فيما حرموا على غيرهم فعله، ومن هؤلاء من يدعو إلى الصدقة وعمل البر والإحسان وهو لا يفعل شيئاً من هذا، بل تجده إذا وجد شيئاً بسيطاً فيه نفع مادي له تكالب عليه، وتشاحن وتقاتل بما يعبر عن حرص دائم وطمع لا ينقطع ورغبة في الاستحواذ على الأشياء المادية الدنيوية، وبما يمكن أن يطلق عليه شخص أناني يتمركز حول ذاته بدلاً من أن يكون متصفاً بالإيثار، وصدق الله : {كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ}، (3) سورة الصف، وهكذا نلحظ ضرورة اتصاف الداعية بمطابقة القول مع العمل، يضاف إلى ذلك ما ينبغي أن يتصف به الداعية من الاتزان الانفعالي ونقل الأفكار بمعالجة موضوعية.
قال الخليفة المأمون:( نحن أحوج ما نكون إلى عالم يدعونا بفعله قبل علمه).
النقد البناء
ويؤكد د. القرعاوي أن المجتمع في حاجة إلى داعية بارع وعالم عامل، فعلاج المشاكل الاجتماعية والأخلاقية والفكرية وغيرها وظيفة لكل من يتصدى للدعوة، وليكن منهجه في علاج القضايا النقد البناء والتكرار والتأكيد على الفكرة التي يدعو إليها بطرق متنوعة وبأسلوب رصين وسلوك إيماني قويم.
كما ينبغي أن يكون الداعية لين الجانب، رابط الجأش، متريث في حكمه، متلطف في نقده، حسن في شرحه، شيق في عرضه، جيد في أدائه فذلك شيء معروف في سيرة الأنبياء والمرسلين.
يقول الله تعالى لنبيه محمد - صلى الله عليه وسلم: {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}، (125) سورة النحل، وقد كان فرعون قاسياً شديداً مع قومه متغطرساً بفكره وقوته، لكن ومع هذا التأله الذي ينبغي أن يقاوم بالجبروت، قال الله تعالى لموسى وأخيه عليهما السلام : {فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى}، (44) سورة طه.
وبالإضافة إلى ذلك، فإن قوة الإيمان وبُعد النظر وسمو الفكرة وصدق الإرادة تجعل الداعية لا ينظر إلى الدعوة أنها عبء ثقيل ينبغي التفلت منه كلما سنحت له الفرصة، بل يجب أن يزيده هذا الأمر إصراراً على التحمل والصبر على كل ما يواجهه، وليتأمل قول الله تعالى: (واصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ)، (17) سورة لقمان.
وفوق ذلك كله هناك وسائل دعوية قد يغفل الداعية عنها مع يسرها، وعدم الكلفة فيها والاقتدار عليها.
فحين يكون الحديث عن وسائل الدعوة لا بد من الإشارة إلى أهمية التجديد في وسائلها بشكل عام، ولا بد من القناعة أن ما صلح لزمن ما قد لا يكون بالضرورة هو الأصلح لزمان أو مكان آخرين، فحسن تعامل الموظف مع المراجعين، وتيسير أمورهم أسلوب من أساليب الدعوة - إذا حسن الموظف تقديمه وتوظيفه - والسماحة في البيع والشراء، والنصح وعدم الغش أو المغالاة في السعر أسلوب في الدعوة يملك به الباعة قلوب المشترين، لا سيما إذا قدموه على أنه جزء من تعاليم الإسلام وهديه، والمعلم المخلص في رسالته التعليمية، المدرك لدوره التربوي، المنصف لطلابه، المتأدب الخلوق مع زملائه، هو أحد الدعاة إلى الله - وإن لم يتسم بذلك فلا عبرة بالمسميات - ولكنها الوسائل النافعة ورصيد الأخلاقيات.
أساليب متعددة
كما يضيف القرعاوي: إن المرأة المحتشمة في لباسها والهادئة في طبعها، وتعاملها، والمبتسمة في وجه صويحباتها والمعرضة عن ما لا يعنيها والداعية للخير بسلوكياتها، كل ذلك له عمله وتأثيره الإيجابي في نفوس الأخريات، ويمكن أن يقال أن من أساليب الدعوة إلى دين الله ما يقوم به المسلم من إسعاف مريض، أو نقل مصاب، أو إعانة متعطل في البراري أو الطرق السريعة - وقد يكون أحوج ما يكون لمساعدتك ووقوفك إلى جانبه - ومواقف المعروف والإحسان تبلغ - أحياناً - مبلغها، وتؤثر أثرها في الآخرين، وقد نشعر بذلك وقد لا نشعر.. إلى غير ذلك من وسائل التي قد لا نقدرها حق قدرها، وقد تبلغ في آثارها مبلغاً عظيماً، والمهم أن تقدر كل موقف، وتحتسب على الله كل حركة، وتخلص النية وتحسن القصد، وتوظف ذلك في الدعوة لدين الله.
وقد كان المعلم الأول محمد بن عبدالله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحتسب في نظرته وابتسامته ومزاحه، فضلاً عن جده وأمره ونهيه، ولكم في رسول الله أسوة حسنة.
إن من الخطأ أن نقصر الدعوة على وسائل محددة، أو نخص بها صنفاً من الناس، لا نجاوزها إلى غيرهم، ففي ذلك غمط لحقوق الآخرين، وتحجير لواسع.
وإذا عُدّتْ وسائل الدعوة فينبغي أن تشمل كل جهد خير نفع الله بجهد صاحبه الإسلام والمسلمين، وينبغي أن يتسع مفهوم الدعاة لكل داعية إلى الخير، مهما كان موقعه وأياً كانت وسيلته، ما دامت في إطار الشرع الحنيف.
التجديد في الوسائل
وتقول الدكتورة منيرة بنت عبدالله القاسم رئيسة اللجنة النسائية بالندوة العالمية للشباب الإسلامي: إن الدعوة - بمعناها المطلق - هي الحاجة إلى الدين، ولا غنى لأي إنسان على وجه الأرض عن الدين، كما أن الدعوة إلى الله وإلى الإسلام قائمة ما قامت السماوات والأرض، حيث تكفل الله بحفظ الدين، يقول تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}، (9) سورة الحجر، بدأها نبي هذه الأمة - صلى الله عليه وسلم - وحمل لواءها المخلصون من بعده إلى يومنا هذا، ولا زالت الحاجة إليها قائمة في كل مكان وزمان، يقول تعالى: {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}، (104) سورة آل عمران، فالدعوة جهاد في سبيل الله تحتاج إلى سلاح يتسلح به الداعي في دعوته.
والأمر الذي يجدر بنا أن نلتفت إليه هو وسائل الدعوة - سلاح الداعية - فكما أن القلوب تصدأ فتحتاج إلى الجلاء فإن الوسائل قد يصيبها كذلك الصَدّ، والأساليب قد ينال منها الصدأ، ومن ثم تحتاج هذه وتلك إلى إعادة نظر وإعادة تجديد، والتفكير في التجديد منها.
فمن طبيعة الدعوة الإسلامية أنها موجهة للناس - كل الناس - على اختلاف أعمارهم وثقافاتهم وبيئاتهم وميولهم واتجاهاتهم، والداعية الموفق الناجح هو الذي يحسن اختيار وسيلته في الدعوة فيجذب محدثه ويقنعه بفكرته فيؤثر فيه، بعد أن يعرف الأسلوب الملائم والطريقة المناسبة.
ولا شك أن أكثر ما يؤثر في الآخرين هو شخصية الداعية، وسلوكه وتعامله وخلقه وثقافته، لذا كانت القدوة أسلوباً غير مباشر في الدعوة إلى الله، حيث انتشر الإسلام في العصور الأولى عن طريق التجار الذين نقلوا صورة مشرقة عن الدين وشرائعه عبر أخلاقهم وسلوكهم ومعاملاتهم في تلك البلد، فدخل الناس أفراداً وجماعات فيه.
وقد ذكر القرآن الكريم العديد من الوسائل من خلال قصص الأنبياء في دعوتهم لأقوامهم، وكذلك من خلال توجيه النبي لبعض تلك الوسائل، يقول تعالى: {ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}، (125) سورة النحل، فالأسلوب الحسن مع الوسيلة المناسبة هو أحد العوامل الحساسة الهامة التي توفر على الداعية الوقت والجهد، وتصل به إلى الغاية والمطلوب بأقل التكاليف وأيسرها، وهذا يتطلب منه أن يعرف الوسط الذي سيدعو فيه، فيتعرف على أوضاعه ومشكلاته واتجاهاته وميوله ورغباته، ليعرف الداعي من أين يبدأ وكيف يبدأ دعوته.
سلاح الداعية
وتضيف د. القاسم قائلة أنه مع الأسلوب الحسن يجدر بالداعية أن يتحلى باللين والرفق، وهو ما أوصى به الله تعالى موسى وهارون في قوله: {اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى، فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى}، سورة طه، واللفتات القرآنية والإرشادات النبوية إلى الرفق ومجانبة الغلظة والقسوة تؤكد بما لا يتحمل الشك فاعلية هذا الأسلوب وقيمته التوجيهية، ولا شك أن استخدام الأسلوب المناقص كان سبباً في استعصاء الدعوة على بعض الدعاة وعدم قبول نصحهم ودعوتهم، بل أنها تعكس سلباً فيزداد العاصي معصية، ويصر المذنب على ذنبه، بل قد يزداد تبجحاً وكبراً، يقول تعالى عن نبيه : {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ}، (159) سورة آل عمران.
إن أعظم سلاح يتسلح به الداعي في رحلته الدعوية هو الإخلاص لله واحتساب الأجر وسلامة النية، ثم الاستعانة بما يتيسر له من وسائل بحسب قدراته وإمكانياته العلمية والفكرية والمادية والشخصية، وبفضل من الله أن هيأ الله للدعاة اليوم العديد من الوسائل التي أعدها أهل العلم وقام عليها الأخيار من الموسورين وذوي الجاه والسلطة، كالأشرطة العلمية السمعية والمرئية، والكتب، والكتيبات الملخصة، والمطويات، كلها وسائل معينة لمن لا يملك القدرة على الدعوة بالأسلوب المباشر الخطابي كالمحاضرة والمناظرة والإلقاء.. إلخ.
وفي عصرنا المتغير المتطور، تطورت الوسائل وتعددت الأساليب، فأصبحت وسائل الإعلام ووسائل الاتصال الحديثة في خدمة الدعاة، فرسائل الجوال على بساطتها وقصر ما تستوعبه من عبارات إلا أن البعض اتخذها وسيلة له في الدعوة، ونجح في ذلك إلى حد كبير، والإنترنت عبر مواقعه المتعددة أصبح مرجعاً علمياً وشرعياً لكثير من الناس، فمن خلاله تصل الدعوة إلى أصقاع الأرض، شرقها وغربها، مسلمها وكافرها، فلكل زمان وسائله وأساليبه التي تتناسب مع ظروف عصره ومتغيراته، ينبغي للداعية أن يحسن اختيار وسيلته بما يتناسب مع الواقع، ولن يعدمها بإذن الله إذا أخلص المقصد والنية.
إن الوسائل عديدة والأساليب متنوعة، إلا أن ما يجب التأكيد عليه، أن الحكم على الفاعلية لا تتوقف على نوع الوسيلة الدعوية بقدر ما يتوقف على نجاح المسلم - رجلاً أو أمرأة - في اختيار الوسيلة المناسبة لطبيعة الشخص المدعو وبيئته، وللموقف الدعوي بالدرجة الأولى.
الوسائل المسموعة والمقروءة
يقول الشيخ علي بن سالم العبدلي مدير عام فرع وزارة الشؤون الإسلامية بالجوف:
إن للدعوة إلى الله تعالى أركاناً ومن هذه الأركان الوسيلة وهي السبيل الذي يوافق الشرع في تبليغ الدعوة إلى الناس والأمر يحتاج إلى أن يكون الداعية ملماً بالكيفية التي يستطيع أن يواصل الدعوة بأيسر الطرق وأفضل السبل دون تكلف وعناء مع البعد عن التشنج والمغالاة، وهذا ما يميز الدعاة عن بعضهم البعض إذ أن التعامل مع وسائل العصر الحديثة وكيفية استخدامها أصبح ضرورياً وملحاً مع ما نلحظه من تقدم في تلك الوسائل في العصر الحاضر وأن لا يقتصر مجال الدعوة على الوسائل التقليدية فقط دون الوسائل الأخرى لأن ذلك يبعد الشخص عن تقنيات العصر وتبقى الدعوة ذات تأثير محدود لا تتعدى المسجد والمجالس، وتعد الشبكة العالمية للمعلومات (الإنترنت) أعظم وسائل الاتصال التي انطلقت في هذا القرن بل هي أهم وسائل الدعوة إلى الله وأكثرها شمولية بسبب سرعة الانتشار والقبول بين الناس وعمق التأثير في حياتهم مع ضخامة وحجم المعلومات المطروحة من خلال ملايين المواقع والتي يمكن الوصول إليها بسهولة ويسر.
فهي الوسيلة الفعالة التي غزت البلدان واختصرت المسافات ووفرت الجهد وتخطت الحواجز الجغرافية بسرعة إيصال المعلومة حيث يستطيع الشخص أن يشاهد ويحاور ويطرح في آن واحد دون مشقة وأصبح عامل الزمان والمكان وكأنهما لا وجود لهما فأنت دائماً في بؤرة الحدث، وبهذا أصبح الإنترنت الوسيلة المثلى لخدمة الدعوة وسرعة إيصالها إلى أمم الأرض قاطبة وأصبحت تبليغ تعاليم الإسلام إلى كافة الأمم أمراً ميسراً، وهذه حجة على كل بني البشر قاطبة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.