بعد زيارة إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة في (كانون أول) ديسمبر 2001م، سجل الكاتب الفرنسي المعروف (فرانسوا ماسبيرو) سلسلة من المشاهدات حول حضور الاحتلال الصهيوني في حياة الشعب الفلسطيني، الخلاصة التي خرج بها الكاتب في مقاله الذي نشره في صحيفة (لوموند) الفرنسية، هي أن لا تسمية أخرى تليق بما يعيشه الفلسطينيون سوى (الآبارتهيد)، وهو يتطابق تماماً مع البانتوستونات، حيث يتصرف الجيش الإسرائيلي على هواه.. يدخل ويخرج.. ويسور الأرض ويمشط.. ويقصف ويدمر ويقتل كيف ومتى شاء..!! الأمر الذي حرك (اللوبي اليهودي) في فرنسا ضده في حملة لم تتوقف عند التنديد به وشتمه في وسائل الإعلام الإسرائيلية والمنابر الموالية، بل تجاوزت ذلك إلى هجوم علني من طرف بعض اليهود الفرنسيين في وزارة الخارجية الفرنسية والصحفيين..! وبإعلان المحكمة الإسرائيلية العليا مؤخراً الحق القانوني للحكومة الإسرائيلية في بناء جدار الفصل العنصري، ورفض قرار محكمة العدل الدولية الذي طالب بإزالة هذا الجدار الذي يمتد 600 كم على أراضي الضفة الغربية، تكون الحكومة الإسرائيلية قد رسخت نظام الفصل العنصري (الآبارتهيد) والعزلة على الشعب الفلسطيني، وذلك بالفصل بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي على حساب الجانب الفلسطيني، وهو ما يعني عملياً ترسيم خارطة الحل النهائي من جانب واحد وقبل الدخول في أي مفاوضات مع الجانب الفلسطيني. وكانت إسرائيل أخضعت الشعب الفلسطيني ومنذ بداية انتفاضة الأقصى المباركة لسلسلة إجراءات عنصرية، تمثلت في منع النشاطات الاقتصادية وحركة العربات والسيارات والتضييق على تنقل المواطنين الفلسطينيين بين القرى والبلدات والمدن الفلسطينية - وحتى الحالات الإنسانية - على الطرقات العادية، تحت ذرائع الاحتياجات الأمنية لجنود الاحتلال والمستوطنين، حيث اتخذت هذه الإجراءات طابعاً تصاعدياً إلى أن وصلت إلى حد فرض حظر كامل لتنقل أي فلسطيني عادي على الطرقات بما في ذلك سيارات الإسعاف والمرضى والحوامل، وإغلاق كافة المنافذ المؤدية إلى القرى والبلدات الفلسطينية بالسواتر الترابية والحواجز الأسمنتية في حصار محكم وصل إلى حد المجاعة.! إلا أنها المرة الأولى التي تعلن فيها إسرائيل رسمياً عن نيتها تقسيم الضفة الغربية إلى ثمانية معازل رئيسية وفرض تصاريح مرور خاصة للانتقال من معزل إلى آخر تقوم بإصدارها ما تسمى الإدارة (المدنية) الإسرائيلية. وبالتوازي مع هذه الخطوة العنصرية التي لا مثيل لها حتى خلال النظام العنصري في جنوب إفريقيا، حيث أقامت حكومة جنوب إفريقيا نظام الآبارتهيد والبانتوستونات لحكم أهل البلاد الأصليين، أصدرت القيادة العسكرية الإسرائيلية سلسلة من القرارات العسكرية بضم مساحات شاسعة من الأراضي الفلسطينية خاصة في شمال الضفة الغربية وضمها إلى (إسرائيل) من خلال إطلاق أوصاف عدة عليها ك (المناطق العازلة) أو (المناطق الأمنية) أو (مناطق لمنع التسلل)، ما يعني في النهاية إقامة حزام أمني على غرار الحزام الذي أقامته قوات الاحتلال في جنوبلبنان لسنوات طويلة قبل الانسحاب منه في عام 2000م. ويستهدف المشروع الاحتلالي الجديد في شمال الضفة الغربية 69 ألف دونم غرب جنين تم اقتطاعها وضمها إلى (إسرائيل) وتوجد في هذه المنطقة 11 قرية فلسطينية منها رمانة، خربة الطيبة، عانين، أم الريحان، طورا الغربية، طورا الشرقية، برطعة وباقة الشرقية، وأما المنطقة الأخرى فتمتد من طولكرم وحتى قرية فلامية، وتستهدف نحو 8 آلاف دونم يتم فيه حفر خندق كبير على أرض مساحتها 250 دونماً ما يعني أن الخط الأخضر الجديد سيقع ما بين الطيبة وقرى كفر صور وخربة الرأس وجبارة وفرعون في منطقة طولكرم. وبذلك فإن الخط الأخضر يكون عملياً قد أزيح شرقاً على حساب الأراضي الفلسطينية المصادرة حيث تتوسع حدود (إسرائيل) وتتقلص حدود الدولة الفلسطينية، كما أن المخطط الإسرائيلي يخرج أيضاً عشرات القرى الفلسطينية من الدولة الفلسطينية ويضمها إلى (إسرائيل) ضمن المناطق الأمنية، ولكن لا يتم ضم السكان وهو ما يعني أن السكان سيتحولون إلى غرباء وليسوا مواطنين في إسرائيل، فيما ستعمل قوات الاحتلال على فرض إجراءات خاصة للدخول إلى هذه المناطق مثل استصدار تصاريح خاصة على غرار التصاريح التي تسعى إلى فرضها للانتقال من مدينة إلى أخرى. إن قرار المحكمة الإسرائيلية العليا يعني من الناحية العملية إلغاء اتفاقيات أوسلو واستبدالها بصيغة أخرى يكون الحل والربط فيها بيد الإدارة المدنية الإسرائيلية التي ستقوم على استصدار تصاريح المرور، وتحويل هذه المؤسسة الاحتلالية التي أزيلت كنتيجة لاتفاقيات السلام، إلى جهة يقصدها الفلسطينيون كلما أرادوا الانتقال، أو نقل بضائع من هذه المنطقة إلى تلك. ومن النتائج المباشرة لمثل هذه المخططات هو تكريس معاناة آلاف الفلسطينيين الذين ينتقلون إلى أماكن عملهم، ورفع أسعار السلع بسبب ارتفاع تكاليف نقلها من محطة عبور إلى أخرى، في وقت يعيش فيه نحو مليوني فلسطيني تحت خط الفقر، كما أنها ستفتح باب الابتزاز للمواطنين الفلسطينيين مقابل الحصول على تصاريح مرور، ويعطي المجال لدوائر الأمن الإسرائيلي كي تفرض إرادتها في معاقبة من تشاء بمنع من تريد من مجرد الوصول إلى هذه المدينة أو تلك. إنه نفس مشروع (مناحيم ميلسون) المستشار السياسي للحاكم العسكري الإسرائيلي في الضفة الغربية بنيامين بن إليعازر، والأب الروحي لروابط القرى وصاحب تجربة (الإدارة المدنية)، والذي تبناه أرئيل شارون وزير الدفاع الإسرائيلي في ذلك الوقت، والذي اعتقد بأن تغييراً في أسلوب الحكم في الأراضي المحتلة من خلال فتح المجال أمام بعض الشخصيات لانتهاج خط سياسي مغاير لسياسة المنظمة قد يؤدي إلى دحر منظمة التحرير. لم يحقق ميلسون شيئاً على مستوى الإدارة المدنية سوى استبدال اللافتات المرفوعة على المكاتب الرسمية، واستبدال ترويسة الحكم العسكري على المعاملات الرسمية بترويسة الإدارة المدنية؛ ليوهم الفلسطينيين أن الإدارة المدنية قد ثبتت نفسها. إنها نفس الوجوه الإسرائيلية لم تتغير منذ أكثر من خمس وعشرين عاماً، وكما أفشل الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة تجربة (الإدارة المدنية) عام 1981م، برفضهم التعامل مع الإدارة المدنية، وبالتفافهم حول الشرعية الفلسطينية المتمثلة في منظمة التحرير، ورفض رؤساء البلديات الالتقاء بميلسون الذي قدم استقالته بعد أشهر قليلة معترفاً بفشل تجربته.