انعقد في الأيام الماضية في العاصمة السعودية المؤتمر الدولي لمكافحة الإرهاب والذي تتبناه المملكة العربية السعودية، ويهدف إلى إلقاء الضوء على مفاسد الإرهاب والغلو والفكر المنحرف ومحاولة تسليط الضوء للآثار السلبية للإرهاب والجهود المبذولة في مكافحته. ويشكل المؤتمر فرصة لتبيان خطورة الإرهاب كفكر وإبراز التجربة الأمنية السعودية في التصدي للإرهاب. لا يعد الإرهاب حكراً على فكر معين، فهو تقنية يمكن لكل ذي مصلحة الاستعانة بها. كما أنه لا ضرورة لأن يكون الإرهاب أيديولوجية لفئة ما حتى تلجأ إليه. بل يمكن أن يكون فقط أسلوب عمل في مرحلة معينة من وجود هذه الفئة. كما لا يعد الإرهاب ظاهرة تخص زمناً معيناً، حيث أن نظرة إلى الحقبة التاريخية الممتدة خلال العشرين قرناً تقع العديد من الحركات الإرهابية التي عرفتها البشرية. ولا يشكل عدد الضحايا، أو حجم الخسائر ركناً يغير من التوصيف الإجرامي للفعل. فقد لا ينتج عن الفعل أي ضحايا، ويصنف عملاً إرهابياً. كما قد تكون الخسائر كبيرة في الأرواح والممتلكات ويبقى الفعل عملاً إرهابياً. والعمل الإرهابي لا يقتصر على الأثر المباشر الذي يحدثه في العامة من خسائر في الأرواح أو السلامة البدنية للأشخاص إضافة الى الذعر الذي يصيب العامة بل أن هناك أثراً غير مباشر يحدثه الإرهاب وهو الهدف الحقيقي منه أصلا، فهو الانتقام أو التهديد كما يمكن أن يكون وسيلة للدعاية لهدف أو مبدأ ومدى تأثير العمليات الإرهابية عند الرأي العام وبالتالي البحث والسؤال عن منفذي العمليات الإرهابية والأسباب الكامنة وراء ذلك العنف. إن القول بأن مصطلح الإرهاب ليس له مضمون قانوني محقق أو دقيق أو أنه لا يوجد تعريف قانوني أو حتى سياسي مقبول بوجه عام هو إقرار بالواقع. ولكن هذا الواقع هو الذي يجب أن يكون باعثاً للمؤسسات العلمية على القيام ببحث أكثر شمولا وعمقا من أجل التوصل إلى فهم هذه الظاهرة وإلى تعريف مقبول عالمياً. المحاولات الدولية لتعريف الإرهاب: 1- التعريف الوارد في اتفاقية جنيف لعام 1937 الذي ينص (على أن الأعمال الإرهابية هي الأعمال الإجرامية الموجهة ضد دولة ما وتستهدف خلق حالة رعب في أذهان أشخاص معينين أو مجموعة من الأشخاص أو عامة الجمهور). 2- التعريف الوارد في الاتفاقية الأوروبية لعام 1977 وعرفت الإرهاب بأنه (كل الأفعال الخطرة التي تهدد حياة الأشخاص وأموالهم إذا كانت تخلق خطرا جماعياً) رغم أن الموقف الأوروبي بدأ غير منسجم من خلال الدول الموقعة عليه منعا لمبدأ عدم التسليم الذي تنص عليه اتفاقية تسليم المجرمين لعام 1957م. 3- التعريف الوارد في الاتفاقية العربية لعام 1988 وعرفت الإرهاب بأنه (كل فعل من أفعال العنف أو التهديد أيا كانت بواعثه أو أغراضه يقع تنفيذا لمشروع إجرامي فردي أو جماعي ويهدف إلى إلقاء الرعب بين الناس أو ترويعهم وتعريض حياتهم وأمنهم للخطر أو إلحاق الضرر بالبيئة أو أحد المرافق العامة أو الخاصة واحتلالها أو الاستيلاء عليها أو تعريض أحد الموارد الوطنية للخطر). الإرهاب عمل أفراد وعمل دول إن الإرهاب الذي يقوم به الأفراد يرتكب عادة لأسباب عادية أو سياسية مثال: المجرمون العاديون الذين تحركهم بواعث المكسب الشخصي وأشخاص يقومون على عملهم نتيجة أوضاع نفسية واختلالات عقلية وأشخاص ينشدون الدعاية لمطلب أو لرفع مظلمة، إلا أن الفئة التي تلفت الانتباه على المستوى الإعلامي بشكل أكبر هم الأفراد الذين تحركهم بواعث عقائدية (ايديولوجية) ويقومون بعملهم بالاستناد إلى أسباب سياسية واقعية أو متصورة. والسؤال الذي يفرض نفسه، ما المقصود من الإصرار على أن الإرهاب يمكن أن يرتكب من قبل أفراد فقط؟ هذا الإصرار على قصر الإرهاب على الأفعال المرتكبة من قبل الأفراد فقط غير سليم لأنه يتجاهل أفعال الإرهاب التي تماثلها في الخطورة الصادرة من الأنظمة الديكتاتورية بصورة مباشرة أو غير مباشرة من خلال أجهزتها الداخلية والخارجية إلى منظمات صورية تنشئها وتغذيها لهذه الغاية ولجوء هذه الأنظمة إلى تمويل بعض المنظمات الموجودة في دول أخرى وتعبئتها أيديولجيا وذلك لاستخدامها وسيلة للضغط أو لتخريب نظام حكم قائم وتهديد استقرار دولة ما. فالأفراد الذين يقومون على ارتكاب الفعل نفسه أو الأفعال نيابة عن حكومة ما ضد حكومة أخرى أو شعب آخر فالعمل المرتكب في كلتا الحالتين لهما الوصف الشائن نفسه وجدير بالتنديد والشجب. دور مؤسسات المجتمع في مقاومة جرائم الإرهاب إن الجرائم الإرهابية باتت من أكثر الجرائم استحداثا وأن المستقبل سيشهد الجرائم الإرهابية رغم الجهود الدولية لمحاربته. وبخصوص مبادرة جميع الأنساق الاجتماعية للتفاعل مع بعضها فإن ذلك ينبغي أن يتم بشكل متوازن ومتوازٍ إذ لا يجب أن يضطلع الجهد الأمني وحيدا عن الجهود الأخرى، فللجهد الديني في المجتمعات الإسلامية تحديدا دور مرتقب باعتباره الجهد الأكثر تأثيرا ولأنه الحجة التي يستخدمها مفكرو التنظيمات المتطرفة، وكذلك للجهد الأمني وظيفته الأساسية وهو تحقيق الأمن والاستقرار للمجتمع، وكذلك الجهد التربوي الذي يعال عليه القيم التربوية النبيلة المنبثقة من العقيدة الدينية الصحيحة والقيم الاجتماعية السامية، كذلك للجهد الأسري دور رئيس لا يستهان به في هذا المجال وهو دور ريادي وأساسي باعتباره محوريا والموجه لبقية الجهود الأخرى. ويتوقع أن تقوم كافة مؤسسات المجتمع بأدوارها في مجال مقاومة الإرهاب من خلال بحث العوامل المساعدة وبروز هذه الظواهر والمبادرة بعلاجها علاجا جذريا بشكل مخطط ومدروس، أو على الأقل محاولة إيجاد بدائل مناسبة، فإن ذلك سيحقق حالة التوازن المنشودة التي تضمن قيام المجتمع واستقراره ونموه وتطويره. هنالك نقطة جوهرية يجب مراعاتها وهي أن مرتكبي الجرائم الإرهابية هم أبناء المجتمع وأن وجودهم تحت رعاية المجتمع ممثلا بمؤسساته التربوية سيكون عاملاً لتخفيف الدوافع لديهم للانخراط والانتماء للتنظيمات الإرهابية التي راح ضحيتها الكثير من الأبرياء بمسوغات خاطئة تتعارض مع كافة الشرائع السماوية والأعراف والقيم الاجتماعية. موقف الدين الإسلامي من الإرهاب شدد الإسلام على رعاية حقوق جماعة المسلمين وحقوق المجتمع وحرص كل الحرص على تماسك المجتمع الإسلامي وطالبهم باتباع ما أمروا به وترك ما نهوا عنه من أجل أن تسير حياتهم بأمن وأمان، وشرع لهم من أسباب العيش ما يتمكنون به من بناء مجتمع فاعل يحقق أسباب النجاح في الحياة. فالعملية الإرهابية من أكثر الظواهر الإجرامية على سطح مستجدات الحياة. وقد تنبه الإسلام لذلك في وقت مبكر وأورد أن المجرم ذا الخطورة على جماعة المسلمين يجب أن تتصدى له الشريعة الإسلامية بأقصى العقوبات جزاء ما اقترفت يداه ولينعكس هذا بدوره على الآخرين عن الإقبال على ارتكاب مثل ذلك الجرائم. قال تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ } صدق الله العظيم. وقال الرسول صلى الله عليه وسلم (أيما رجل خرج يفرق أمتي فاضربوا عنقه) صدق الرسول الكريم، وقال عليه الصلاة والسلام (من حمل علينا السلاح فليس منا) في هذا التوجيه النبوي الكريم تأكيد لقوله تعالى بصدد أفعال المفسدين في الأرض والمخربين على جماعة المسلمين لتفريق جمعهم وشق عصاهم والخروج على طاعة الإمام المسلم والسعي بالإفساد في الأرض وترويع الآمنين مما ينبغي التصدي له وقطع دابره، فإن خرجوا على الجماعة وأصبحوا يزعزعون استقرار الناس ويهددونهم في أمنهم دعاهم ولي الأمر ونصحهم، فإن فاءوا وإلا أعادهم بالقوة ولو أدى ذلك إلى قتالهم. وإننا على ثقة بأن ما حدث مؤخراً من أحداث إرهابية لن يزيد مجتمعنا إلا تلاحما وتماسكا وتعاونا على البر والتقوى وعلى فضح هؤلاء العابثين والوصول إليهم في أوكارهم وكشف مخططاتهم الإجرامية فأمن البلاد والعباد مسؤولية الجميع وأمانة في أعناقهم ولن يسمح لأي ضال أو منحرف أن يشوه إسلامنا ويعبث بأمننا ويقتل إخواننا ويهدر مقدراتنا،،،،،