يوما بعد يوم يتكرر المشهد المأساوي ويثبت الإرهاب الذي ابتلي به العالم ولاسيما منطقتنا العربية أنه إرهاب خطير أعمى لا بوصلة له، هدفه التدمير والقتل والترهيب والفزع، تحركه قوى خبيثة وأياد شريرة تقتات على الدماء، وتنتعش في اجواء الجريمة والفتن والفرقة، حيث يظهر الإرهاب على حقيقته السوداء كنقيض لكل القيم والمبادئ الأخلاقية والإنسانية، ولكل مظاهر الحضارة والتمدن والرقي. أعمال العنف تحاول جر المسلمين إلى متاهات معتمة وتستعدي عليهم العالم ويتفق كل العقلاء في الأرض بغض النظر عن جنسياتهم او انتماءاتهم الدينية او الوطنية او العرقية على إدانة جريمة الإرهاب بكل صوره وأشكاله واعتباره عملا إجراميا مقيتا ينافي الكرامة الإنسانية ويقتل البشر ويحرق الأرض، ناهيك عن أنه يخالف الشرائع السماوية والقوانين الأرضية. ولو عدنا الى المعنى الحقيقي للارهاب، لوجدنا أنه يستند بالأساس إلى فكرة تخويف الناس الأبرياء وخلق الرعب والاضطراب في المجتمعات الآمنة، بغية الوصول إلى أهداف دنيئة، وفي سبيل مصالح فئات معينة امتهنت الجريمة وسيلة للوصول إلى مبتغاها. ومع أن تعريفات الإرهاب تعددت وتنوعت باستمرار، على مدى التاريخ ولكن التعريف الأقرب لهذه الكلمة هو: ان الإرهاب هو جميع الممارسات العدوانية بشتى صورها التي حرمتها الأديان ولا سيما الدين الإسلامي الحنيف، ونهت عنها كل القيم والقوانين والأعراف الدولية. ويحتل موضوع الإرهاب حيزاً كبيرا جداً من اهتمام فقهاء القانون الدولي والقانون الجنائي،لما تشكله هذه الظاهرة الخطيرة الشريرة من ضرر كبير على المجتمعات الإنسانية، وما تخلفه من ضياع للأمن وقتل للأرواح وانتهاك خطير للمقدسات والحرمات الإنسانية وتدمير للممتلكات وسفك الدماء الزكية. وعرفت لجنة القانون الدولي في المادة 19 المقدمة الى الدورة الأربعين للجمعية العامة للامم المتحدة الإرهاب: بأنه كل نشاط إجرامي موجه إلى دولة معينة ويستهدف إنشاء حالة من الرعب في عقول الدولة او أي سلطة من سلطاتها أو جماعة معينة منها. كما عرفت اتفاقية جنيف لقمع ومعاقبة الإرهاب لعام 1937 م، على أن الأعمال الإرهابية هي "الأعمال الإجرامية الموجهة ضد دولة ما وتستهدف، أو يقصد بها، خلق حاله من الرعب في أذهان أشخاص معينين، أو مجموعة من الأشخاص، أو عامة الجمهور". أما الاتفاقية العربية لعام 1998 م، فقد عرفت الإرهاب في مادتها الأولى فقرة ( 2) بأنه "كل فعل من أفعال العنف أو التهديد أيا كانت بواعثه أو أغراضه، يقع تنفيذا لمشروع إجرامي فردي أو جماعي، ويهدف إلى إفشاء الرعب بين الناس، أو ترويعهم بإيذائهم أو تعريض حياتهم أو حرياتهم أو أمنهم للخطر، أو إلحاق الضرر بالبيئة أو بأحد المرافق أو الأملاك العامة أو الخاصة، أو احتلالها أو الاستيلاء عليها، أو تعريض أحد الموارد الوطنية للخطر". ويجمع الفقه الدولي على أن الإرهاب جريمة دولية وانه الفعل الذي يرتكب إخلالا بقواعد القانون الدولي، ويكون ضارا بالمصالح التي يحميها ذلك القانون، مع الاعتراف لهذا الفعل بصفة الجريمة واستحقاق فاعله للعقاب) أو هي: واقعة إجرامية مخالفة لقواعد القانون الدولي، وتضر بمصالح الدول التي يحميها هذا القانون. ويذكر أن مجلس الأمن الدولي أطلق، ولأول مرة في 19 أيلول 2006 "استراتيجية عالمية لمكافحة الارهاب" في سابقة هي الأولى التي تتفق فيها البلدان المختلفة على نهج استراتيجي موحد لمكافحة الارهاب وحددت المجالات التي يفترض على جميع الدول اتخاذها في هذا الصدد. ولو تتبعنا تاريخ الارهاب لوجدنا بكل بساطة انه مخالف لعاداتنا العربية والإسلامية، بعيد كل البعد عن ثقافتنا العربية التي اتسمت عبر التاريخ بالشهامة والتسامح،لا سيما وان منطقتنا هذه كانت مهد معظم الديانات السماوية، ولها من القداسة عند العالم أجمع ما ليس لغيرها من بقاع الأرض، ولذا فإنه من غير المعقول أبداً أن يكون هذا الارهاب وأن تكون هذه الأفكار العدوانية بنت منطقة عرفت عبر العصور بالتسامح والقيم الأخلاقية، وإنما وليدة أفكار شريرة لا تمت للثقافة العربية والاسلامية بصلة. ولذلك نستطيع الجزم من دون تردد بأن الارهاب والجرائم الارهابية من صنع أعداء الله الماكرين. وكلمة الإرهاب التي نقصدها هي قتل المؤمنين، وتخويف الآمنين، وهتك حرمة المعاهدين، واستهداف الأبرياء، وتدمير المنشآت، وتشويه سمعة الدين الاسلامي الحنيف. فمن المعروف أن كل أعمال العنف التي ترتكب باسم الإسلام، تجر المسلمين إلى متاهات معتمة، ومزالق خطيرة ومشاكل جمة، وتستعدي عليهم العالم بأسره، وتصورهم باعتبارهم أناس خارجين عن القانون ومجرمين، مثلما تجلب لهم المشقة والظلم والكره، وغير ذلك مما هو واضح البيان للقريب والبعيد. ومن هنا فإن ما يجلبه الارهاب من إساءة للعرب والمسلمين يفوق بنتائجه كل الحروب التي شنت وتشن على العرب من القوى الاستعمارية المعروفة، والتي تجاهد لابقاء امتنا العربية غارقة في وحل التخلف، مقطعة الأوصال، ضعيفة البنيان. ومع أن ما وقع من اعتداءات إرهابية طالت المملكة العربية السعودية ليس بالأمر الجديد على المملكة التي كانت وما تزال عرضة لمؤامرات كثيرة وشتى، باعتبارها تمثل الثقل العربي والإسلامي الأكبر في العالم، إلا أن طبيعة الهجمات الإرهابية والأهداف التي اقتربت منها، تحمل في طياتها معاني جد خطيرة، حيث انها تقترب من أكثر الأماكن قداسة لدى المسلمين وهو، الحرم النبوي الشريف، ناهيك عن أنها تأتي في وقت يستعد فيه المسلمون لتوديع شهر العبادة والصيام والغفران في العشر الأواخر، لاستقبال عيد الفطر المبارك، أي أنها حملت مدلولات خطيرة جدا من حيث الزمان والمكان ايضا، كما أن تقصد الإرهابيين استهداف مساجد السنة والشيعة على السواء يؤكد بما لا يقبل مجالا للشك أن هؤلاء القتلة إنما يسعون إلى المساس بالنسيج المجتمعي السعودي ايضاً، والقائم على التلاؤم والتسامح بين فئات الشعب الواحد. ومحاولة الاعتداء على المكان الأطهر وهو المسجد النبوي الشريف يعطي الدليل الملموس عل أن هؤلاء القتلة لم ولن ولا يمكن أن يكونوا مسلمين أبدا، لأن أي مسلم لا يمكن أن يفكر بالتعرض لمكان مقدس كهذا وله حرمة عظيمة، مما يؤكد باليقين أن من يتلبسون بسمة الإسلام، ويقعون في مثل هذا العمل هم بعيدون كل البعد عن نهج النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، وانهم ليسوا سوى دمى وضيعة تحركها قوى خارجية معادية وحاقدة على الأمة العربية والإسلام أيضاً. وما جرى من اعتداءات ارهابية في المملكة يثبت مجدداً وبالملموس أن يد الإرهاب الآثم لا تشبع أبدا من إزهاق الأرواح البريئة ولا ترتوي من بحور الدم التي تسفك بدون ذنب، متغافلة عمدا عن حرمة الدم الحرام والعرض والأرض التي أمرنا الإسلام بحفظها، ولأن تلك الأيادى الإرهابية الخطيرة القذرة والممعنة في الاجرام هي في الأساس ممولة لصالح تنفيذ أهداف ضد العروبة والاسلام، فهى تسعى الآن لإشعال نار الفتنة وإذكاء المذهبية والطائفية، تمهيدا لاستغلالها من قبل قوى إقليمية خارجية معروفة. كما أن الإرهاب مخالف لروح الدين، ويصب مباشرة في مصلحة أعداء العرب والمسلمين فالقيام بالأعمال الإرهابية داخل بلاد المسلمين، أو خارجها باسم الدين وهذا ما يفرح الأعداء، ويحقق مصالح كبرى لهم، بحيث تسوغ لهم هذه الأعمال والجرائم التدخل في شؤون المسلمين، واستنفاد قوتهم، ناهيك عن تشوية صورة الإسلام والمسلمين في نظر العالم كله. اضافة الى تدمير المجتمعات العربية وبذر بذور الشقاق والصراعات فيها، لإعاقة عمليات النمو. والمتمعن في مجريات الأحداث يستطيع ان يقرأ ما يجري بسهولة ويتعرف على الاسباب التي جعلت من المملكة هدفاً لهؤلاء القتلة المجرمين الذين امتهنوا الإرهاب والقتل والجريمة، فكانت ديدنهم في الحياة. فكما هو معروف تمثل المملكة الثقل العربي والإسلامي والاقتصادي الاكبر، والمساس بأمنها لا ينعكس عليها فقط وإنما من شأنه ان يمس منطقة الخليج كافة والمنطقة العربية عامة، ولكون المملكة تمثل في الواقع جدار الصد الأساسي في مواجهة المؤامرات التي تحاك للمنطقة برمتها، والتي تهدف الى التغلغل الأجنبي فيها وبشكل خاص التدخل الفارسي المكشوف، فإن من الطبيعي أن تكون عرضة لمثل هذه الافعال الإجرامية التي لاقت وتلاقي أشد انواع الشجب والإدانة والاستنكار في المنطقة والعالم بأسره. وهو ما ترجم بوضوح المواقف السريعة التضامنية مع المملكة من قبل الكثير من الدول والهيئات والقوى السياسية والاجتماعية والدينية في العالم. فلم يكد خبر الاعتداءات الارهابية ولاسيما الاعتداء على الحرم النبوي الشريف يظهر الى الاعلام حتى سعى العديد من الدول والشخصيات العامة والمؤسسات الدينية والقوى السياسية الى ادانتها بأشد العبارات. فقد أدان الأزهر الشريف بشدة التفجيرات الإرهابية مشددا على حرمة إراقة دماء الآمنين والأبرياء، وحرمة بيوت الله وخاصة المسجد النبوي الشريف الذي له المكانة العظيمة في قلوب المسلمين جميعاً، منددًا بمحاولات الإرهابيين والمتطرفين الزج بالمساجد في صراعاتهم، والوصول من خلال الاعتداء عليها لمآربهم وأفكارهم الخبيثة، خاصة في هذه الأيام الكريمة، التي توافق احتفال المسلمين بعيد الفطر المبارك في شتى بقاع الأرض، واكد الأزهر الشريف وقوفه إلى «جانب المملكة في محاربة الإرهاب، والتصدي له حتى القضاء عليه واقتلاعه من جذوره كما تسابقت دول الخليج العربية إلى إدانة هذه الجريمة النكراء التي تكشف بوضوح الوجه الحقيقي للإرهاب والإرهابيين، وتثبت من جديد أن هذا النوع من الجرائم البشعة لا يمكن ان ينتهي من دون استخدام أقسى درجات الشدة معه، وأن آفة الإرهاب ستنتشر وسيطال ضررها كل المنطقة مالم يتم التصدي لها بكل حزم واقتدار، كما تفعل المملكة، التي ترى الآن نفسها في الخندق الأول في مواجهة التطرف والارهاب والتشدد والتطرف والغلو، واعربت دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية عن إدانتها الشديدة لحوادث التفجيرات الانتحارية التي وقعت في بلاد الحرمين الشريفين. ووصف الأمين العام لمجلس التعاون الدكتور عبداللطيف بن راشد الزياني هذه التفجيرات الارهابية بأنها جرائم مروعة تتنافى مع كافة القيم والمبادئ الإنسانية والأخلاقية، وتبرهن بأن الارهاب آفة خطيرة ينبغي أن تتضافر كل الجهود من أجل القضاء عليها وتخليص المجتمعات من شرورها، مؤكدا وقوف دول مجلس التعاون ومساندتها لكل ما تتخذه المملكة من إجراءات لحماية أمنها واستقرارها، والحفاظ على أمن وسلامة زوار الأماكن المقدسة. وأعرب الأمين العام لمجلس التعاون عن ثقته في كفاءة وقدرة الأجهزة الأمنية المختصة في المملكة على كشف ملابسات هذه الجرائم الارهابية النكراء التي ارتكبتها قوى الشر والارهاب والتطرف التي لم تتورع عن استهداف الأماكن المقدسة في الشهر الحرام. وقال الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان، وزير الخارجية والتعاون الدولى الاماراتي، إننا نقف صفا واحدا مع أشقائنا في المملكة العربية السعودية في تصديهم للإرهاب المجرم الذي يهدف للترويع والتكفير، كذلك أكدت الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء في السعودية أن «الحوادث الإرهابية الفاشلة التي استهدفت مواقع في جدة والقطيف ثم في حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم، تؤكد أن هؤلاء الخوارج المارقين من الدين، والخارجين على جماعة المسلمين وإمامهم؛ قد تجاوزوا كل الحرمات، فلا يرعون حرما ولا حرمة، وليس لهم دين ولا ذمة. وأدان أحمد أبو الغيط، الأمين العام لجامعة الدول العربية، بأشد العبارات التفجيرات الإرهابية وقدم خالص تعازيه لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز ولحكومة وشعب المملكة، وإلى عائلات الضحايا الأبرياء مشيرا إلى أن هذه «التفجيرات المشينة تأتي لتؤكد مرة أخرى على أن الإرهاب ليس له دين أو وطن خاصة أن من قاموا بهذه الجرائم الشنيعة لم يراعوا حرمة شهر رمضان الكريم أو حرمة المقدسات. كما أدانت وزارة الخارجية المصرية في بيان صادر لها بأشد العبارات الهجمات الإرهابية معربة عن خالص تعازي الحكومة المصرية وشعبها لحكومة وشعب المملكة العربية السعودية في ضحايا الحادث. وأكدت الخارجية أن الإرهاب الغاشم والخسيس أبى أن ينتهى شهر رمضان المبارك بكل ما يحمله من معاني الرحمة والعبادة والتجرد، دون أن يطل بوجهه القبيح في أطهر وأقدس الأماكن، ليؤكد مجددا أنه لا يعرف دينا أو عقيدة أو أي معنى من معانى الإنسانية. كما لاقت الجريمة الارهابية إدانات عالمية أخرى كما هو الحال في تركيا حيث أدان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الهجمات الإرهابية التي شهدتها المملكة العربية السعودية . في اتصال هاتفي مع خادم الحرمين الشريفين، الملك سلمان بن عبدالعزيز "حفظه الله"، مؤكدا عزمه على تعزيز العلاقات بين البلدين، ولم تقتصر الإدانات الدولية على المسؤولين ورؤساء الدول والمؤسسات والهيئات والمنظمات الدولية فحسب، وإنما شملت أيضا الشارع العربي عامة، حيث عجت مواقع التواصل الاجتماعي بالكثير من التعليقات والتغريدات التي تدين هذه الأعمال الإجرامية وتطالب بالتصدي بحزم لكل من تسول له نفسه العبث بأمن المنطقة العربية عامة والمملكة بشكل خاص. كما عبر الكثير من الإعلاميين والمهتمين بالشأن العام عن صدمتهم جراء هذه الاعتداءات الخسيسة التي طالت اكثر الأماكن قداسة لدى المسلمين والعرب، في يوم مقدس ايضاً، له روحانية في هذة الأيام المباركة.