للعيد فرحته التلقائية التي تزرع مواسم الخصب في أرواحنا، للعيد فرحته التي تذيب ترسبات الحزن في دواخلنا، وتزيل الصدأ الذي تكثف حول أعماقنا، للعيد فرحته التي تسكن ذواتنا، ومنذ لحظة إعلانه نستشعر تلك السعادة ولكن استمرارية هذه اللحظة تختلف من فرد إلى آخر. فبعضنا يكون فرحه طبيعياً «ويستمر بمنحناه الطبيعي، والبعض الآخر يصل فرحه إلى منتهاه في لحظة واحدة ثم يهبط إلى أقصى المنحنى هبوطاً» يجتر خلالها مآسيه كلها. هناك من يعتبر ليلة العيد ليلة تذكر الأحزان واسترجاعها وكأني بهذا الحزن يتدفق مع دمه ويسري في روحه ويتدثر به .... ينسحب إلى داخل قوقعته التي لا يعرف تضاريسها ولا يجيد السير في متاهاتها إلا هو، ويمارس طقوس حزنه ببراعة متناهية. ينظر لحياته من زاوية واحدة، إراديا «صنع سياجها ولم يحاول أن يجتازه رغم مواسم الفرح التي مرت عليه في حياته، لوحة قاتمة لا تذكره إلا بعذاباته وخسائره في الحياة، أما الجانب المضيء من حياته فقد تلاشى في عتمة هذه اللوحة. يقيد روحه ونفسه ويسجنهما بسجن اختياري يضرب بجذوره في أعماق روحه بقوة حتى تصبح الحياة خالية من رعشات الأمل والفرح، وتصبح ذكريات الطفولة وإحساسه بالعيد هي منبع لتذكر الفرح وليس للعيش فيه فهو لا يفرح أبداً» ولعله هنا يتفق مع رأي أندريه جيد بقوله «إننا نواصل في غموض طوال حياتنا أحلام الصداقة التي ولدتها أفراح طفولتنا ومشاهداتها وقراءاتها». لذكريات الطفولة وذكريات العيد في نفوسنا جميعاً «مساحات فرح مستوطنة داخل ذواتنا، ربيع دائم نلجأ إليه إذا تكثفت مواسم الحزن، وللعيد والطفولة فرحهما البريء المتجذر في الأعماق، للعيد فرحته ونحن في انتظاره ونحن نستعرض ملابس العيد المرة تلو الأخرى، وليلة العيد تداعب مخيلتنا، صورنا ونحن نرتديها لنغفو على حلم جميل إشراقته صبح العيد، ويوم العيد ونحن نتلقى العيدية ونعيد عدّها مرات عديدة، فرح طفولي لا يرمي الأسى بشباكه ليعيد صياغته بإيقاع يتخلله الحزن، نحيا بكل وجداننا ونعيش تلك اللحظات بإحساس عميق صادق وكما هي لحظات الحزن، وساعات اللعب وغيرها وكأن كل حالة نعيشها مفصولة عن الأخرى ولا تتداخل ولا تتشابك تلك اللحظات كما هي في عالم الكبار، كنا نعيش بملء وجودنا فلا أجمل من تلك الحياة. للعيد فرحته وللصائم فرحتان، عطاء رباني سخي يحاول بعضنا سجنه في منافي حزنه فَلِمَ لا نحاول كسر تلك القيود التي صنعناها؟ لماذا لا نحاول منع تدفق تيارات الحزن في دواخلنا؟ لماذا لا نحاول الخروج من تلك البوابات إلى عالم واقعي نعيد صياغة الفرح فيه وتزهر مواسم الفرح في أرجائه.