1 توجد في العالم العربي الآن حركتان تتنازعان الموقف الشعبي من توزيع المناصب واستحواذها، (حركة كفاية) وهي حركة حديثة النشأة في مصر، توجز دستورها وأهدافها في مفردة ملغومة واحدة هي (كفاية). الحركة الثانية هي حركة (مش كفاية) وهي حركة هلامية ليست ذات شخصية اعتبارية كالحركة الأولى، لكنها هي الحركة الأقدم والأدوم .. ماضياً ومستقبلاً، في الثقافة العربية. (مش كفاية) أقوى من (كفاية) بالطبع، لأنها مدعومة من أصحاب النفوذ والقرار. (كفاية) مسنودة بالعقل المدني .. و (مش كفاية) مسنودة بالوجدان الشعبي .. خصوصاً: المبلّل» منه! يستند أعضاء (كفاية) في دعواهم على إيجابية التغيير ودرء الواحدية التي عادة ما يعشش فيها الفساد. أما أعضاء (مش كفاية) فيستندون في دعواهم إلى حفظ العشرة والعيش والملح و «وجه تعرفه ولا وجه ما تعرفوش» و «ناس شبعت ولا ناس لسّه عايزه تشبع»، مع أننا لم نسمع حتى الآن بظهور ذلك الكائن الخرافي: المسؤول الذي شبع! 2 يطفو أعضاء حركة (مش كفاية) على السطح، عندما يعلن مسؤول عربي رغبته في التنحي عن منصبه. يخرج الأعضاء في وسائل الإعلام والشوارع حاملين لافتات (مش كفاية) و (أنت الزعيم .. لا بديل لك) و (مَن للشعب من بعدك؟)، وما سواها من عبارات الفقد والوجد واليتم والترمّل والتثكّل! وقد أشرت في مقالة الأسبوع الماضي: (كيف ترتب حملة انتخابية .. للتنحي عن المنصب)، إلى الآلية التي يتخذها المسؤولون العرب لإعلان التنحي عن المنصب بوصفه شكلاً آخر من أشكال إعادة الترشح. وقد لفت انتباهي التعليق الذي كتبه الصديق د. سعد البازعي على المقالة حين أشار إلى أن «المأساة قد لا تكون في تمثيليات التنحي، بل في أن الرغبة الجماهيرية في عدم التنحي قد تكون فعلاً رغبة صادقة، وعندئذ سنواجه مأساة أكبر من مأساة فرد يتظاهر بعدم الرغبة في الاستمرار في الزعامة. قد نواجه مأساة شعوب لا تعرف كيف تقبل تنحي بعض زعمائها أو لا تجرؤ على قبول ذلك التنحي!». البازعي يلفتنا إلى إشكالية لم نعطها الاهتمام الكافي وهي أن المشكلة ليست في حربائية الزعيم بل في أرنبية الشعب. وما دام أننا دخلنا في مملكة الحرباء والأرنب وأخواتها، فلن نجد وصفاً مخادعاً وساخراً لهذه اللعبة أفضل من إسقاطات جورج أورويل في روايته الفذة «مزرعة الحيوان»، فارجعوا إليها. 3 ولأن المسؤول في الثقافة العربية تعلو قيمته ويرتفع ثمنه بالتقادم، فقد كان من المفارقات التي يمكن إدراجها ضمن سوسيولوجيا الثقافة، الموقف الانتخابي للوزير فاروق حسني في انتخابات اليونسكو. كان فريق الحملة الانتخابية يبرز في سيرة المرشح العربي أنه وزير ثقافة منذ أكثر من 20 عاماً، وكنا نرى نحن العرب أن هذه الميزة وحدها كافية لجعله الأجدر بالمنصب. ولم نكن نعلم أن هذه «الميزة» التي نفخر بها هي «العيب» الذي يجب أن نخفر منه. فإذا كان بقاء المسؤول في منصبة الوزاري أكثر من عشرين عاماً هو دليل تفوق وامتياز في المنظور العربي، فإن هذا يُعدّ في الثقافة الغربية مؤشراً غير إيجابي وغير مريح للتعامل مع المسؤول المرشح، ولذا فقد كنا نروّج لمرشحنا العربي، بكل براءة شرقية، ما يصّد عنه الناخبين! تنوع المفاهيم الثقافية للمجتمعات يبلغ أحياناً حدّاً كوميدياً. 4 من أكثر المعلومات دهشة للقاريء العربي، هي أن الخليفة الراشد عمر بن عبدالعزيز، الذي أشغل الدارسين والباحثين بسيرته الحافلة، لم تطل خلافته أكثر من عامين ونصف فقط (من عام 99 حتى 101 هجرية). ولطالما أسهبت المصنفات التاريخية في وصف مدة خلافته الحاشدة بالإنجازات في مجال العدل والتنمية، ويكفي أن نقتبس من ذلك عنصرين فقط (عندما توفي لم يكن في سجنه رجل واحد) و (حتى إن الرجل في عهده كان ليخرج الزكاة من أمواله فيبحث عن الفقراء فلا يجد من هو في حاجة إليها). في عامين ونصف فقط، قدّم عمر بن عبدالعزيز هذه الخوارق الإنسانية من دون أن تكون مدة خلافته القصيرة عائقاً دون الإنجاز. لم يستمهل الخليفة الراشد الناس إلى المئة يوم الأولى ليحكموا على إدائه، بل ربما حكموا عليه ولمسوا أثره وفعاليته من المئة دقيقة الأولى. إذا فقيمة المسؤول ليست بالتقادم إلا في (جمهوريات الفوز) العربية! 5 في مقالتي تلك، الأسبوع الماضي، أعلنت بأني أفكر بالتنحي عن الكتابة، على غرار إعلانات التنحي المسلّية. وقد ربطت إصراري أو عدولي عن قرار التنحي بحجم «الضغوط» التي سأتلقاها، شاكراً، من الجمهور الكريم! وإنني إذ وجدت أن ضغوط (مش كفاية) عليّ أشد وقعاً ولذة من ضغوط (كفاية)، فإنني أعدكم بالاستمرار على العهد والوعد .. وفقاً لدستور «الحياة» الخالد! * كاتب سعودي [email protected]