في الحلقة ما قبل الأخيرة من برنامج «أراب آيدول» على قناة «أم بي سي»، قدَّم كلٌّ من المشتركين الثلاثة فرح يوسف، محمد عساف وأحمد جمال أغنية وطنية من تلك الأغاني الجميلة التي كانت تصدح يوماً على كل شفة ولسان. الملاحَظ أنه أثناء غناء كل مشترك أغنيته، كانت الكاميرا تجول على وجوه الجمهور الحاضر في الاستديو لتكشف لنا أن كثيراً من الحاضرين ذرفوا الدمع لحظة سماعهم تلك الأغنيات الوطنية الراسخة في الذاكرة والوجدان لجيل كامل، إن لم نقل لأجيال. لا شك في كون المشتركين الثلاثة يملكون أصواتاً حنونة وشفافة وإمكانات أدائية قادرة على إثارة مشاعر الشجن وفتح صفحات المواجع، وسبق لنا أن لاحظنا الدمع في بعض المآقي لحظة تقديم هؤلاء أغنيات عاطفية، لكن الذي اختلف حين قدموا أغنياتهم الوطنية هو سريان موجة من الدمع كادت تشمل كل الحاضرين، وهم من شرائح وفئات وأجيال مختلفة. فهل كان في تلك الليلة ما يبعث على البكاء أكثر من سواها؟ الواقع أن أصوات محمد عساف، الذي فاز باللقب، وفرح يوسف وأحمد جمال اللذين وصلا معه الى المنافسة النهائية، تثير كما أسلفنا الكثير من الأحاسيس والمشاعر وتكاد من فرط رقتها وحلاوتها وتمكُّنها أن تدفع المستمع أو «السمّيع» (خاصةً) إلى حالة من الوجد والمكاشفة توصله إلى البكاء وأكثر، ولكن حين يغدو الدمع حالة شبه جماعية، علينا البحث عن أسباب إضافية إلى جانب حلاوة الأصوات ومقدرتها على فعل ما فعلت، ولعلها لو شاءت لفعلت المزيد. لنلاحظ معاً أن المشتركين الثلاثة الذين وصلوا إلى الحلقة النهائية من الموسم الحالي ل «أراب آيدول» هم من فلسطين، سوريا ومصر، يعني أن الثلاثة من أقطار عربية تعيش معاناة قاسية كل منها لأسباب مختلفة عن الأخرى، أسباب باتت معروفة للقاصي والداني، فهل بكى الجمهور تلك الليلة على حال فلسطينالمحتلة المصلوبة على خشبة الاحتلال والانقسام معاً، أم على سورية [الغارقة في دماء بنيها، أم على «أم الدنيا» الواقعة في عين العاصفة؟ على الأرجح أن الجميع بكى على الجميع، وأن كلاًّ منا بكى نفسه وسواه في آن بما أننا أصبحنا كلنا في الهمّ شرق! راهنُ العرب لا يسر أحداً، ومستقبلهم لا يطمئن حتى السذَّج والمغفلين. جميعنا يتحدث عن الفتن وعن مشاريع التفتيت والتقسيم والتجزئة، وفي الوقت نفسه جميعنا ينقاد بسهولة للوقوع في مستنقعات الدم والدموع، حيث الخاسر خاسر والرابح خاسر. ما نفع أن تكون ملكاً على مملكة من خراب، أن تكون زعيماً لوطن من دماء، أن تكون قائداً لقطعان من الغرائز والعصبيات؟ نسمع أزيز الرصاص وصليل السيوف لكننا لا نسمع من العقل ولو همسة تطمئننا إلى أن في قابل الأيام ما يبعث على السكينة والهدوء. ولو جرب العقل أن يتكلم في هذه الحمأة فلن يصغي إليه أحد، ولن يصفق له أحد. أما جنون الغرائز والعصبيات، فصوته يعلو على كل الأصوات، بما فيها الأصوات الحنونة الشجية الباعثة على المتعة والشجن والبكاء. علامَ البكاء؟ وهل ظل للسؤال من مبرر، والأجوبة تحيط بنا من كل حدب وموت(!). علامَ البكاء؟ والذي حولنا وبين ظهرانينا مخيف ومرعب ومبشّر بخراب أعظم. أغلب الظن أن الذين بكوا تلك الليلة الجميلة بكوا لأسباب مختلطة امتزج فيها الشجن بالغبطة، بالخشية، بالحنين إلى زمن كنا جميعاً نحلم فيه بوطن عربي واحد فإذ بنا نعيش زمناً تكاد فيه كل حارة أن تتفتت وتنقسم إلى أجزاء وأشلاء. أعترف أنني أيضاً بكيت تلك الليلة قبالة الشاشة، ولعل الذين فعلوا كثيرون!