«ميقاتي» يكشف عن تطور جديد في استقالة «قرداحي».. ماذا طلبت فرنسا؟    موجة باردة ورياح على الرياض والقصيم و الشمالية والشرقية    4.5 مليون زائر لموسم الرياض خلال شهر.. وتوفير نحو 122 ألف وظيفة    بالفيديو والصور.. "الأخضر" يُهزم بهدف أمام "الأردن" في مستهل مشواره بكأس العرب    "هيئة النقل": 5 أيام على الرصد الآلي لمخالفات سيارات الأجرة في مدينة الرياض    "الأحوال المدنية" تدعو النساء مجدداً للمبادرة بالحصول على بطاقة الهوية وعدم رهنها    هيئة فنون العمارة والتصميم تكشف تفاصيل مبادرة "ميثاق الملك سلمان العمراني"    احذر.. هذه الأطعمة تُضعف الذاكرة وتشتت الانتباه    الصحف السعودية    رئيس هيئة الأركان العامة يستقبل سمو رئيس الجهاز العسكري المكلف بوزارة الحرس الوطني    اكتمال الاستعدادات لانطلاق جائزة السعودية الكبرى للفورمولا 1    برايتون يتعادل مع وست هام في الدوري الإنجليزي    مانشستر سيتي يحتفظ بالمركز الثاني بعد تغلبه على مضيفه أستون فيلا في الدوري الإنجليزي    اتفاق بين «البيئة» والأمم المتحدة لتنفيذ مبادرة الحد من تدهور الأراضي ومكافحة التصَحُّر    1.6 مليار ريال.. الاستثمارات الصناعية في شهر    أمير تبوك: نتعاون مع اليابان بكافة المجالات وعلاقاتنا عميقة    خادم الحرمين يهنئ رئيس دولة الإمارات باليوم الوطني    تقرير أممي: حظر السلاح غير فعال.. والمرتزقة يهددون ليبيا    هل تطيح مغامرات إيران بمفاوضات فيينا؟    14390 جولة تفتيشية لمستشفيات الرياض    غرفة بمطار الرياض لتحفيز حواس أصحاب الهمم قبل التحليق    واشنطن وموسكو تتبادلان الاتهامات وطرد الدبلوماسيين    مسارات خاصة لصعود المعتمرين إلى المسعى    3 شهور حد أقصى لتصاريح المخيمات في الغطاء النباتي والمنتزهات    رصد حالة «أوميكرون» لمواطن قادم من شمال أفريقيا.. وعزل المصاب والمخالطين    الأخضر يخسر مواجهة النشامى    فيصل بن فرحان يتلقى اتصالاً هاتفياً من وزيرة الشؤون الخارجية والسنغاليين بالخارج    ستحقق طفرة في الطب.. تطوير كاميرا عالية الدقة بحجم حبة الملح بإمكانيات خرافية    الموارد البشرية بالرياض تقدم 12جلسة تتبعية للمسنين والمسنات    الكويت تسجل 21 إصابة جديدة بكوفيد 19                            المؤسسات الأهلية السعودية تستعرض الأدوار التنموية للقطاع غير الربحي                    جناح المملكة في "إكسبو 2020 دبي" يسلط الضوء على السينما السعودية    «وذ آوت» محتوى    العمق الإنساني والفن البصري    الحرف 29                    العمر مجرد رقم                        محمد بن عبدالعزيز يطلع على الاحتياجات التنموية ل4 مراكز بجازان    أمير تبوك يلتقي مدير فرع الشؤون الإسلامية بالمنطقة    أمير تبوك يستقبل سفير اليابان لدى المملكة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



العلامة هاني فحص... «سر السريرة ومكمن الوديعة»
نشر في الحياة يوم 21 - 09 - 2014

إحساسٌ لم أعهده في حياتي، استولى عليّ وأنا اتعثر في مشيتي خلف جنازة هاني فحص، المرفوع على اكتاف محبيه، من بيته في ضيعة جبشيت الجنوبية، الى مدافن الضيعة. لو حدّثت نفسي بهذا الاحساس قبل عقدين من الزمن، حين كان صندوق المعرفة يضيّق على الفكر مساحة تراتيله وتهدجاته، بما تحدد للصندوق من أبعاد تخنق الاجتهاد، وتمنع الإبحار في عوالم المعرفة الانسانية، لقلت انها مرحلة ارتدادٍ عن الفكر والوعي والهداية بالقيم الانسانية العليا. كدتُ أفضح نفسي، وأنا أستجيب لحوارٍ مع هاني فحص، المحمول أمامي، وهو يتبسم لي، ويرد على تساؤلاتي: لن اخفف عليك محنة السؤال، تستطيع أن تقول كل شيء، أو لا شيء! لكنني لن أقول لك ما تريد أن تسمع مني، حتى لو استمر بكاؤك الى يوم القيامة!
اعرف أن ذاكرة الإنسان تظل طرية، تستجيب لحافزٍ قوي بالاستعادة المعرفية، وفي تشكيل الصور، وقد ترسم مقاماتٍ وأشكالاً تركت إشارتها في الخريطة الجينية منذ السنوات الاولى للتكوين. لكن هاني كان امامي، وأنا أسير متعثراً، يبتسم، وربما يسخر بابتسامته، وهو يتحدث معي في جدل الوجود والعدم، وفي المساحة التي لم يستطع الانسان حتى الآن أن يهجر تساؤلاته حول لحظة التحول في مساماتها.
وأنا اكتب، اراه يتابع حروفي، ويقول: الآن، أنت ستصحح ما تكتب، وتتوهم انني افعل ذلك، لكنه وهمٌ كالحقيقة، وهذه هي صَلاتي التي لم تستوعب التَماسّ معها كلما حاولت مقاربتك مع مفهومها!
كلما كنت أسأله، بصيغة هي أقرب الى الاستفزاز والتشكيك، كيف تميّز تديُّنك عن الدين التقليدي، لبشرٍ تستوي عندهم الطقوس مع أدوات الخديعة؟
كان يقول بهدوئه المعهود، وثقته بإيمانه، انه «سر السريرة، ومكمن الوديعة» التي يستحيل أن تتكرر بين إنسانٍ وآخر. وهذه السريرة لها بصمتها الوراثية، لكنها هي الأخرى تتميز من إنسان الى آخر!
يوم زارني في بغداد، ذهبنا معاً الى عرسٍ جماعي نظمته مؤسسة المدى، ومع بدء الفعالية، شعرت بالإحراج، وقد بدأ الرقص والغناء. شاورته: هل احرجتك؟ أجاب بعفوية: بل احرجت نفسك! فالمؤمن المغصوب على معصية، ليس بعاصٍ، بل له ثواب ونصف ثواب، ثواب لأنه تحمل الغصب، ونصف ثواب لأنه هداك لتعتذر وتخرج معي، مع انني لا ارى في المشهد ما يخدش لولا التقويل المسيء!
ليس لإنسان أن يتجنب عثرات الحياة، أو ينجو من سهامها، لكن بعض الناس، وهاني منهم، يستطيع بتكيفه، أن يزوغ عن مكامن الخطيئة، من دون ان يتسبب لغيره بأذى. لم يكن يتطرف في إظهار الزهد أو التعبد أو في تجنب المحارم والمعاصي. وكلما تشبّه له أن احداً يترصده، يقابله بكلمته المأثورة: يا عمي خلني ويا ربي...!
يعرف هاني فحص امهات القصائد، في كل ميادينها، وأجملها في الغزل والحب وألوان أخرى، يرددها متدينون في سرهم، ويستغفرون الله كلما رددها المنشدون على اسماعهم. ويحفظ رواياتٍ ومسرحياتٍ وأساطير وحكاياتٍ من الطفولة وكتباً تتناول العلوم الحديثة، ولم يترك ماركس وإنغلز ولينين وغرامشي قبل ان يحاورهم في مؤلفاتهم ونظرياتهم الضد عقائدياً. كان يقول انه يغتني بقراءة كل ما يبدو ضداً، ولا يعرف الجاهل أو الاعمى ايمانياً، أن الاضداد هي التي تحقق التوازن الانساني، وتمنح الحياة التنوع، وحب المعرفة واكتشاف الجديد، وتجاوز الغفلة!
يوم عرفته، رأيت نموذجاً يقربك من الايمان المطلق من دون أن يخدش منظومتك الفكرية. فالصلاة لحظة تجلٍ روحية، والوضوء نظافة، والصيام احساس يقربك الى التائه في الصحراء.
والعمامة والجبة...؟ مضمارٌ يتساوق مع المُضْمَر، فيقيه ويتقي به. ولماذا يستفزك، وهو لا يغويك بارتدائه، إلا اذا كنت مشروع منافقٍ أو دجال؟!
سألته يوماً، كيف تستطيع التعايش مع الاسئلة الكبرى؟
أجاب: اقترب من كل سؤالٍ وأنا اصلّي، فأتشبع بالسكينة والاحساس بالاقتراب منها.
و... ارجوك ارحمني: لا تكفرني!
لم اكن اريد ان أكَفِّره، وكنت أقول له دائماً: ان عقلي ليس حاملاً معرفياً بما يجعلني اتعالى على محدوديته، وهي إشكالية تتداخل مع دوافع الايمان الدفينة في اعمق اعماق الانسان، في «فص العقل» الذي يمتد الخوف في كل تضاريسه. وكم كان يشعر بالرضا وأنا أعيد على مسامعه: الايمان والإلحاد، يتعكز احدهما على الآخر فيتكاملان، لأنهما دعوتان للاستفاضة من وعاء العلم الذي يتسع، خلافاً لكل وعاء يفيض بما فيه.
الإلحاد طريق الإيمان، ووسيلته العلم والمعرفة الموسوعية.
هذه قاعدة أخرى من قواعد العشق التي لم يذكرها شمس التبريزي لجلال الدين الرومي.
أيمكن أن نكون قد تبادلنا الادوار، في لحظة استشراف، فتلبستني تلك الحالة التي كنت أسير فيها وراء جنازة السيد الفقيه، من دون أن أدري...؟!
* رئيس مؤسسة «المدى» الثقافية


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.