تراجع أسعار الذهب    الشقق المخدومة ترفع الشواغر ومكة تتصدر    قطر ترحب بإعلان وقف إطلاق النار في لبنان    منظمة التعاون الإسلامي ترحب بإعلان الرئيس الأمريكي وقف إطلاق النار في لبنان    وقف إطلاق النار في لبنان يدخل حيز التنفيذ    إيقاف طاقم تحكيم مباراة بالدوري المصري    برشلونة يشكو حكام مباراتي أتلتيكو في دوري أبطال أوروبا    جهاز ذكي لرصد ضغط الدم    رونالدو شريكاً ومستثمراً.. تفاصيل خطة بيع 70% من أسهم نادي النصر    الاتحاد الآسيوي يرفض 3 طلبات لمدرج الأهلي في ليلة "ربع النهائي"    قبل موقعة الوصل.. إدارة النصر تنهي ملف مارسيلو بروزوفيتش    القبض على مصري في مكة لارتكابه عمليات نصب واحتيال    خمسة كتب يوصي عبدالوهاب الحمادي بقراءتها..    الاستثمار الزراعي والغذائي.. تمكين الأمن    النفط يصعد وبرنت يصل إلى 99.57 دولار للبرميل    نجاح عملية عاجلة لفصل توأم ملتصق سعودي بعد عملية جراحية دقيقة استغرقت 6 ساعات ونصفًا    أمير جازان يكرم الطلاب والطالبات الحاصلين على جائزة "منافس 2025"    نائب أمير المدينة يستعرض برامج "وقاء" لخدمة الحجاج    ترقب للتحركات الأمريكية بيروت بين هدنة معلقة ومفاوضات مؤجلة    الشؤون الإسلامية في جازان تنفّذ أكثر من 300 ألف منجز خلال الربع الأول من عام 2026م    تشاور أوروبي لإعادة هيكلة الناتو    هدنة تنتظر التمديد تحرك باكستاني وأمريكا تصعد لهجتها    نائب أمير نجران يستعرض تقرير أعمال القطاع الصحي غير الربحي بالمنطقة    جامعة الإمام عبدالرحمن بن فيصل تحتفي بإنجازات "راية البحثي" وتدشن نسخته الثانية    فرع غرفة الشرقية بالجبيل ينظم لقاءاً إستشارياً لرائدات الأعمال    وكيل محافظة الأحساء يدشّن "الشهر الأزرق" للتوعية بالتوحد بجامعة الملك فيصل    جمعية فتاة الأحساء تُطلق برنامج "فواصل ونقاط" لتنمية مهارات المراهقين    أمانة الشرقية تعالج 9,422 بلاغًا    محافظة الأمواه تستضيف ورشة عمل مبادرة "تنمية وطن"    رئيس وزراء باكستان يزور المسجد النبوي    نائب أمير منطقة مكة يرأس اجتماع اللجنة الدائمة للحج والعمرة    رئاسة الشؤون الدينية تدشّن برنامج «الزمالة الوطنية للتوعية الفكرية»    نادي كفاءات يشارك في ملتقى اندية القراءة الثاني    رئيس وزراء باكستان يُغادر جدة    جمعية البر في بيش تنظم مبادرة الزواج الجماعي    بحث تعزيز التعامل مع الحالات الحرجة للأطفال    انفراجة مرتقبة في الأيام المقبلة.. واشنطن ترجح اتفاقاً قريباً مع طهران    تأكيد على أهمية مواصلة الجهود الدبلوماسية لإعادة الاستقرار.. ولي العهد ورئيس الوزراء الباكستاني يبحثان المستجدات الإقليمية والدولية    رئيس وزراء جمهورية باكستان الإسلامية يصل إلى جدة    سعود بن نايف: تميز الطلبة يعكس تكامل الأدوار بين الأسرة والمدرسة    تذكرة بمليون جنيه.. حفل «الهضبة» يشعل مواقع التواصل    مهرجان «مالمو 16» يكرم عبد الله المحيسن    النصر يعبر الاتفاق ويقترب من لقب «روشن»    طفل بريطاني يطلق النار على رأس صديقه    «تعليم الشرقية» تنظم لقاء التجارب المتميزة    نائب أمير منطقة مكة المكرمة يرأس اجتماع اللجنة الدائمة للحج والعمرة    أبو الحسن وشنكار يحتفلان بعقد قران أمين    جامبا أوساكا الياباني يتأهل إلى نهائي دوري أبطال آسيا 2    وزارة الحج تطلق خدمة «حاج بلا حقيبة»    أمانة نجران تطرح 35 فرصة استثمارية في مواقع متعددة    أمير نجران يقدّم تعازيه في وفاة آل جيدة    اطلع على تقريره السنوي .. أمير نجران يؤكد أهمية دور التدريب التقني بالمنطقة    صندوق الاستثمارات يتخارج من الهلال لشركة المملكة القابضة    المملكة تعزي تركيا في ضحايا حادث المدرسة بكهرمان مرعش    أمير الشرقية يستقبل رئيس وأعضاء جمعية رائد    «إسلامية الشرقية» تنفّذ 34563 جولة رقابية    «إدمان الشوكولاتة» يثير الجدل في بريطانيا    نبتة برية تحارب البكتيريا المقاومة للعلاج    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



قصة رئيس فنزويلا الناري الذي أحيا حلم سيمون بوليفار بتوحيد أميركا اللاتينية . أحلام "الكومانداتي" شافيز وكوابيس "القومندان" بوش
نشر في الحياة يوم 22 - 04 - 2002

غابرييل غارسيا ماركيز، الحائز على جائزة نوبل للأداب، له رأي خاص جدا بالرئيس الفنزويلي الناري هوغو شافيز 47 عاماً. فهو قال بعد خروجه مرة من اجتماع معه ان "شعوراً إجتاحني بأني كنت رفيق سفر وثرثرة مع شخصيتين متناقضتين: احداهما اعطتها نزوات القدر الفرصة لانقاذ بلادها، والأخرى مخادعة ومضللة ستدخل كتب التاريخ بصفتها مجرد ظاهرة استبدادية أخرى".
ربما كان هذا حكماً قاسياً من ماركيز على رجل كانت تعتبره الغالبية الفقيرة في فنزويلا 80 في المئة فقراء من أصل 23 مليون نسمة بمثابة "قديس مخلّص". وعلى أي حال، كانت هذه الغالبية تنحاز بشدة أخيراً الى صورة الشخصية الاولى، حين خرجت الى الشوارع لانقاذ "بطلها" من براثن انقلاب عسكري نفذه تحالف القلة الاوليغارشية الغنية مع دبابات العسكر.
وهكذا، وخلال 48 ساعة هي كل عمر "الثورة المضادة"، كان شافيز يخرج من "ميرافلورس" قصر الرئاسة، الى السجن، ثم ليعود ثانية الى "ميرافلورس" مكللا بالغار ومحروسا ب"قوة الجماهير".
لكن، خلال هذه الساعات العصيبة حدث تطور جديد. إذ أعلن الرئيس الفنزويلي نفسه أنه خلال احتجازه في السجن "أستخلص بعض الدروس المفيدة". ماذا كانت هذه الدروس؟ وهل ستقوده الى شخصية "المخلّص - المنقذ"؟ ام ستدفعه الى شخصية الطغيان والاستبداد التي تحدث عنها ماركيز؟
الامر لا يبدو واضحاً. وهذا ما يدفع المحللين الآن الى الانكباب على تحليل لغز شخصية سانشيز وتاريخه الخاص، لمحاولة العثور على إجابات ما.
الجذور
أول ما يثير اهتمام المحللين "جذور" الرئيس الفنزويللي. فهو يتحدر من والدين معلمي مدرسة هما مزيج من الاصول الهندية الاميركية والزنجية الافريقية. وهذه العائلة الخلاسية هي من ال"لانيرو"، أي من سكان السهوب الريفية في وسط فنزويلا. ويبدو أن هذه الجذور لعبت الدور الاكبر في تطوير توجهات شافيز اليسارية الثورية.
ويقول الكاتب البريطاني ريتشارد غوت، مؤلف كتاب "في ظل المحرر: تأثير هوغو شافيز على فنزويلا وأميركا اللاتينية"، ان أصول شافيز كانت العامل الاكبر في بلورة نظرته المانوية الثنائية للتاريخ، التي تقسم العالم الى "امبراطورية شر" مقرها واشنطن - دي. سي. و"امبراطورية خير" لها أبطالها القوميون مثل خوان بيرون في الارجنتين، وخوان فيلاسكو في البيرو، وعمر توريجوس في بناما، وبالطبع فيدل كاسترو في كوبا.ويصف غوت شافيز بأنه مثالي - براغماتي، هدفه تدمير "الاصولية" النيوليبرالية الاميركية الجديدة، التي أوقعت، برأيه، أميركا اللاتينية في فخ التبعية والاعتماد على الولايات المتحدة. وهو طوّر لهذا الهدف الشعار بان ثورته الفنزويلية "مضاد حيوي لمكافحة العولمة التي هي وباء عصر الالف الثالثة".
ويسعى شافيز الى أحياء حلم البطل الفنزويلي التاريخي سيمون بوليفار أنظر الكادر باقامة اميركا لاتينية موحّدة، تستند الى اعادة دمج الجمهوريات البوليفاريانية الخمس: فنزويلا وكولومبيا والاكوادور والبيرو وبوليفيا.
ولتحقيق هذا الهدف، انكب على قراءة التاريخ الفنزويلي، وأعاد أكتشاف ابطال لهم أوراق اعتماد ثورية. كما اعاد الاعتبار لبوليفار الذي كان الماركسيون ينتقدونه بشدة، وللفيلسوف سيمون رودريغز الذي كان بدافع من تأثره بتجربة روبنسون كروزو يدعو الى ثورة اقتصادية تستند الى الريف، والى دمج الشعوب الهندية المحلية بتلك المتحدرة من العبيد الافريقيين.
ويرى غوت ان "الفلسفة الروبينسونية" هذه، ضرورية وحاسمة لفهم سياسات شافيز تجاه الفقراء والمواطنين الاصليين في فنزويلا، خصوصاً تلك التي تدعو الى اقامة بنى صناعية - زراعية في الارياف لتسهيل اعادة اسكان السكان في الداخل، بعيداً عن الاكواخ وأحزمة الفقر المحيطة بالمدن.
ولم يكن مصادفة، تبعا لذلك، أن يحيط الكوماندانتي او القائد نفسه بنخبة يسارية سبق لها ان خاضت تجارب حروب الأغوار في حقبة الستينات. وبين هؤلاء علي رودريغز، الامين العام الحالي لمنظمة "أوبك"، ولويس ميكيلينا الذي اعجب به شافيز بسبب جهوده لاحياء التقاليد القومية الاشتراكية، فعينّه مستشاراً اول له ثم رئيساً للجمعية الوطنية.
هذه التوجهات الشجاعة ترجمت نفسها على الارض في سياسات محددة. فعلى رغم الالتزام الرسمي بدعم عملية السلام في كولومبيا، الا ان فنزويلا - شافيز منحازة بقوة الى "القوات المسلحة الثورية لكولومبيا"، وهي منظمة يسارية تضم نحو 17 ألف مقاتل وتحظى أيضاً بدعم كاسترو. كما ان كاراكاس تقيم علاقات متينة للغاية مع كوبا وأيضا مع فيتنام والصين وروسيا.
اما أشجع هذه التوجهات الشجاعة، فتمثلت في الانقلاب الذي نفذه شافيز ضد سياسات بلاده النفطية السابقة فنزويلا رابع أكبر منتج للنفط في العالم، والمصّدر الاول للولايات المتحدة، حين عمد الى بذل جهود قوية داخل اوبك وخارجها لخفض انتاج البترول بهدف رفع اسعاره.
هذا عن أصول سانشيز وانتماءاته، فماذا عن تاريخه الشخصي؟
يرى كينيث ماكسويل، مدير دراسات اميركا اللاتينية في مجلس العلاقات الخارجية الاميركي، ان نجم شافيز بدأ يصعد نتيجة تمرد دموي وقع في كاركاس في شباط فبراير العام 1989، أطلق الفنزويليون على اصحابه اسم "كاراكازو". وأسفرت هذه الانتفاضة الشعبية العفوية عن عمليات سرقة ونهب واسعة النطاق، قبل ان تتدخل القوات المسلحة لفرض الامن، وتقتل في طريقها مئات الاشخاص.
داخل السجن
كان "الكاراكازو" يحتجون على الاصلاحات الاقتصادية التي اقترحها انذاك الرئيس كارلوس بيريس بمعاونة الوزيرين "المتأمركين" ميغويل رودريغز وموازييه نعيم، اللذين سعيا الى تفكيك القطاع العام ورفع الاسعار.
وبعد ثلاث سنوات من "الكاراكازو" قام سانشيز، وكان كولونيلا في قوات المظلات، بأول محاولة انقلابية له بمساعدة ثلاثة ضباط و1000 جندي. وعلى رغم ان محاولته لاحتلال قصر "ميرافلورس" باءت بالفشل، الا ان شهرته طبقت سريعا آفاق البلاد بصفته بطلا قوميا ومقاتلا ضد فساد الطبقة السياسية الحاكمة.
والطريف هنا ان شافيز لم ينضم أصلا الى الاكاديمية العسكرية العام 1975 بسبب شغفه بالثكنات أو لولعه بالسلطة، بل لانه كان يطمح لأن يصبح لاعب بيسبول محترفا .... بيد ان وجوده في السلطة العسكرية ساهم على ما يبدو في تسييس توجهاته ودفعها بأتجاه الرغبة بالسلطة السياسية.
خلال وجوده لمدة سنتين في السجن في أعقاب محاولته الانقلابية الاولى، قام شافيز بمحاولة انقلابية ثانية باءت بالفشل ايضاً، في الوقت ذاته الذي كان يتعمق فيه بدراسة سيمون بوليفار.
ويشدّد ماكسويل على ان صعود نجم شافيز ترافق مع أنحدار الديموقراطية الفنزويلية التي كانت تعتبر أنجح التجارب الديموقراطية في أميركا اللاتينية واكثرها استقرارا، حيث لم يحدث اي انقلاب عسكري فيها منذ العام 1958.
لكن، في الفترة بين 1992 و1999، انهار النظام الحزبي الذي كان يدير فنزويلا منذ الخمسينات والذي تمّيز بتبادل السلطة بين حزبين: حزب العمل الديموقراطي والحزب الديموقراطي المسيحي اللذين كانا يحصدان على 90 في المئة من الاصوات.
بيد ان هذين الحزبين اصبحا لاعبين هامشيين اليوم، بفعل فسادهما من ناحية، وبسبب تدهور الاوضاع الاقتصادية في عهدهما، من ناحية ثانية.
وحين وصل سانشيز الى السلطة العام 1999، بنصر انتخابي كاسح هذه المرة وليس على ظهر دبابة، عمد الى دق المسمار الاخير في نعش الحزبين ومعهما كل الطبقة السياسية. فهو فكك المؤسسات السياسية القديمة، وحل الكونغرس والمحكمة العليا، وألغى دستور 1962، وأعاد تسمية البلاد "جمهورية فنزويلا البوليفاريانية".
وقد تمكن الرئيس الجديد من القيام بكل هذه التغييرات الكاسحة بسبب شخصيته الكاريزمية، وخطبه النارية اللاذعة، وبرامجه الداخلية التي كانت تعد بالعدالة الاجتماعية واعادة توزيع ثروة النفط، اضافة الى برامجه الخارجية القائمة الى الاستقلال وتوحيد امريكا اللاتينية.
وخلال الفترة بين 1999 و2001، بدا ان الحظ يبتسم للكوماندانتي. فأسعار النفط ارتفعت، الامر الذي شجعه على زيادة الأنفاق الحكومي وتوسيع البرامج الاجتماعية. وموقع فنزويلا الاقليمي والدولي تحسّن كثيراً هو الآخر، الى درجة أن شافيز وجد الوقت الكافي لزيارة الصين حيث تغنى بالاشتراكية، وللعب البيسبول مع كاسترو في هافانا حيث أعلن ان الشعبين الكوبي والفنزويلي يسبحان معاً في "بحر السعادة نفسه" أي الاشتراكية. لا بل هو تشجع ايضاً الى درجة أنه فكر بدعوة الرؤساء العراقي صدام حسين والليبي معمر القذافي والايراني محمد خاتمي الى كاراكاس لعقد قمة في اطار منظمة اوبك.
بيد ان ابتسامات الحظ لا تدوم طويلاً.
فقد أصطدمت مشاريع سانشيز الطموحة بعقبتين ضخمتين: الاولى خارجية اميركية، والثانية داخلية فنزويلية.
إذ تبين سريعا ان خطته لاقامة ولايات متحدة لاتينية مستقلة، تصطدم بقوة مع خطة الولايات المتحدة لضم أميركا اللاتينية برمتها، سواء بالجملة أم المفرق، الى العولمة الاميركية.
وهذا كان صحيحا على وجه الخصوص مع الادارة الاميركية الجديدة برئاسة جورج دبليو بوش، الذي اعلن منذ اللحظة الاولى لدخوله البيت الابيض أنه ينوي خلق "نظام جديد في نصف الكرة الغربي"، في اطار منطقة تجارة حرة تضم شطري اميركا. كما انه وجّه تحذيرات عنيفة الى كل الدول الاميركية اللاتينية تقريبا من محاولة التمرد على مبادئ الاقتصاد الحر والاسواق المفتوحة.
وقد أدى هذا التوجّه الاميركي الجديد الى خلل فادح في موازين القوى لغير مصلحة مشروع سانشيز البوليفاري في أميركا اللاتينية، خصوصاً في ضوء غياب اية قوة دولية كبرى قادرة على موازنة مخططات العملاق الاميركي الشمالي.
أما في الداخل، فقد سارت مشاريع شافيز الاقتصادية - الاجتماعية من سيء الى أسوأ. فأوضاع 80 في المئة من الفنزويلليين الفقراء لم تتغير كثيراً. والمعارضة لخططه تمددت من قطاع رجال الأعمال الى القوات المسلحة والكنيسة الكاثوليكية، وصولا حتى الى نقابات العمال.
فالجيش أبدى ممانعة ملحوظة لخطط شافيز الهادفة الى اجباره على القيام بأعمال اجتماعية غير عسكرية في الارياف. كما كان ينظر بعين حمراء الى محاولات الرئيس اليساري الاستئثار بالسلطة السياسية من خلال معادلة "القائد - الشعب - الجيش".
وبالطبع، كانت المؤسسة العسكرية تعارض على وجه الخصوص الحملات الاعلامية العنيفة التي يشنها شافيز على "الأمبريالية الاميركية"، وهذا لسبب واضح: فالجيش هو الحصة الاميركية الرئيسة في السياسات الفنزويلية، اضافة الى قطاع رجال الاعمال.
أما الكنيسة الكاثوليكية فقد أنتقلت الى صفوف المعارضة احتجاجا على محاولات شافيز تعديل مناهج التعليم بما يخدم توجهاته القومية- العلمانية. وبعد انتقال رجال الكهنوت الى صفوف المعارضة، لم يتردد شافيز في وصف الكنسية بأنها بمثابة "ورم في جسد الامة الفنزويللية".
بيد ان الضربة الموجعة لشافيز جاءت من نقابات العمال التي تمرّدت على ما أسمته "سياسة الحكم بالمراسيم" التي اتبعها الرئيس، خشية ان يؤدي ذلك في النهاية الى تقويض دورها ومواقعها في البلاد.
وهكذا عشية انقلاب الاغنياء - العسكر على شافيز، كان واضحاً ان البلاد منقسمة طبقياً بشكل خطر بين طبقتين وسطى وعليا تعارض الرئيس بقوة، وبين طبقة فقيرة تؤيده بقوة. بيد أن حجم التأييد له في هذه الاخيرة تدهور بشكل خطير من 80 في المئة العام 1999 الى 30 في المائة الان.
ويقول المحللون ان احد الاسباب الرئيسة لهذا التدهور في الشعبية، هو ان الكومانداتني فضّل "اهل الثقة الثورية" على "أهل الكفاءة المهنية"، فعاد الفساد الى جهاز الدولة ومعه نقص الفعالية، وسرت اشاعات بأن الضباط يسرقون مئات ملايين الدولارات من الاموال المخصصة للبرامج الاجتماعية، بموافقة ضمنية من السلطة.
الأحلام والحظ
الى أين الآن من هنا؟
لقد فهم شافيز على الارجح الرسالة التي تضمنتها محاولة الانقلاب ضده، وهي ضرورة العمل على المصالحة الوطنية بدلاً من اشعال فتيل المواجهات الطبقية. ولذا فهو عمد في اول خطاب له بعد خروجه من السجن الى الدعوة لحوار وطني بين السلطة وكل اطراف المعارضة. كما حرص ايضاً على عدم وضع المؤسسة العسكرية في قفص الاتهام. وهذه خطوات ايجابية، لكنها لن تكون كافية لتمديد العمر السياسي للكوماندانتي. او هذا على الاقل ما تثبته التجارب الشعبوية في أميركا اللاتينية.
فشافيز ليس الا آخر طبعة من القيادات الكارزمية الشعبوية المنبثقة من رحم الازمات الحادة التي اجتاحت عدداً من دول أميركا اللاتينية خلال العقدين الماضيين، خصوصاً الارجنتين، والبرازيل والاكوادور والبيرو.
وهكذا فإن شخصيات مثل كارلوس منعم في الارجنتين والبرتو فوجيموري في البيرو، وصلت الى السلطة عبر مداعبة عواطف الجماهير الفقيرة بوعود مكافحة الفساد، وتطهير النخبة السياسية التي تسمى في اميركا اللاتينية الطبقة السياسية، وانقاذ الامة من الفوضى السياسية والاجتماعية. وهؤلاء الشعبويون الجدد أرسوا حكمهم أساساً على العلاقة الشخصية المباشرة بين "القائد والشعب"، قافزين بذلك فوق الاحزاب والهيئات السياسية ومجموعات المصالح.
لا بل يقول كيرل وايلاند، بروفسور دراسات الحكومة في جامعة تكساس، أن هؤلاء القادة احتاجوا لأن تكون بلدانهم في وضع معاناة قاسية، كي يتسنى لهم طرح أنفسهم كأبطال كاريزميين قادرين على تقديم الحلول السحرية. ويضيف: "بيد أن هذه الشخصيات الكارزيمية التي تصعد الى السلطة بسرعة فائقة، يمكن أيضاً ان تسقط منها بسرعة فائقة ايضا. وهذا ما أختبره جيدا كل من منعم وفوجيموري".
والحال ان شافيز قد يواجه مصيراً مشابهاً، خصوصاً اذا ما فشل في المرحلة المقبلة في تحقيق توقعات "الجماهير الفقيرة" الفنزويلية في خفض البطالة، وتحسين ورفع مستوى الخدمات الاجتماعية والصحية، ومكافحة الجريمة المستشرية خصوصاً في العاصمة كراكاس.
ولا يبدو ان الكوماندانتي سيتمكن من تحقيق هذه المطالب بالسرعة الكافية. فسياسات حكومته الاقتصادية والاجتماعية كانت غير متناسقة وتتعارض غالبا مع الاهداف التي يحددها شافيز نفسه.والاهم من هذا وذاك ان الولايات المتحدة، التي كانت تمارس مع شافيز منذ العام 1999 سياسة "انتظر لنر" أو بالاحرى أنتظر لنر الفشل، بدأت تغيّر هذه السياسة بعد احداث 11 أيلول سبتمبر.
فقد كانت الادارة الاميركية تنظر بلامبالاة تقريبا، وان بامتعاض، الى علاقات شافيز مع كاسترو وصدام والقذافي، وحتى مع الارهابي الشهير الفنزويلي الاصل كارلوس المسجون الان في فرنسا. لكن صبرها بدأ ينفد، أو نفد، بعد أحداث 11 أيلول، بعدما ادان شافيز الحرب الاميركية في أفغانستان واعتبرها "ارهابا ضد الارهاب".
وقد عكس نفاد الصبر نفسه في عدم تردد البيت الابيض في الترحيب فورا بالانقلاب العسكري ضد شافيز، على رغم مخاطر ذلك على مستقبل الديموقراطية في بقية أنحاء اميركا اللاتينية.
كل هذه التطورات تشي بأنه سيكون على شافيز من الان فصاعدا ان يمارس أقصى انواع الواقعية السياسية لتجنب الافخاخ الخارجية الاميركية الخطرة واليمينية - العسكرية الداخلية الأخطر، في الوقت ذاته الذي سيكون عليه التفكير ملياً بمستقبل مشاريعه الطوباوية - المثالية الطموحة.
وهذا يعني أن شافيز قد يجد نفسه قريباً في وضعية، شبيهة للغاية بوضعية ذلك الجنرال الفنزويلي الكهل الذي وصفه غارسيا ماركيز في كتابه "مئة عام من العزلة" بأنه "يعيش حال سباق خطر بين سوء حظه وبين أحلامه"
سيمون بوليفار
كان سيمون بوليفار واحداً من أعظم جنرالات اميركا الجنوبية. فانتصاراته على الاسبان منحت بوليفيا وبناما وكولومبيا والاكواردور، اضافة الى فنزويلا، الاستقلال. يطلق عليه أسم "المحرر" و"جورج واشنطن أميركا الجنوبية".
ولد بوليفار في 24 تموز يوليو العام 1783 في كراكاس عاصمة فنزويلا. توفي والداه حين كان طفلا، لكنهما اورثاه ثروة. وحين بلغ سن الرشد سافر الى أوروبا.
بعد عودته الى فنزويلا، أنضم بوليفار الى مجموعة من الوطنيين الذين استولوا على كراكاس العام 1810 واعلنوا الاستقلال عن اسبانيا. وقتها توجه بوليفار الى بريطانيا سعيا للحصول على الدعم، بيد أن الانكليز لم يعدوه سوى بالوقوف على الحياد. وحين عاد الى فنزويلا تسلم قيادة الجيش الوطني واستعاد كراكاس من الاسبان الذين كانوا قد اعادوا احتلالها.
أجبر الاسبان بوليفار على الانسحاب من فنزويلا الى نيو غرانادا الان كولومبيا التي كانت ايضاً في حرب مع اسبانيا. وقد قاد هناك حملة أدت الى السيطرة على بوغوتا العام 1814. بيد ان الاسبان ردوا بهجوم معاكس فهرب بوليفار الى جامايكا. وفي هايتي جمع بوليفار قوة نزلت في فنزويلا العام 1816 حيث سيطر عليها وحكمها كديكتاتور.
سيّر بوليفار العام 1819 حملة على نيوغرانادا وهزم الاسبان معلنا تأسيس جمهورية كولومبيا التي هي الان الاكوادور وكولومبيا وبناما وفنزويلا. واصبح بوليفار اول رئيس للدولة الجديدة في 17 كانون الاول ديسمبر 1819، ثم بدأ يدعو من هناك الى توحيد اميركا اللاتينية كلها في دولة واحدة.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.