Frederique Langue. Hugo Chavez et le Venezuela. هوغو شافيز وفنزويلا. L'Harmattan, Paris. 2002. 240 pages. بعد ان قضى الكاتب والروائي الكولومبي المشهور غبرييل غارسيا ماركيز بضع ساعات مسافراً بصحبة هوغو شافيز، الرئيس الحالي لجمهورية فنزويلا، كتب مقالاً بعنوان "لغز الشافيزين الاثنين" تحدث فيه عن الانطباع بالازدواجية الذي ساوره خلال تلك الساعات التي بدا له وكأنه قضاها بصحبة "رجلين متناقضين: رجل متاحة له فرصة دائمة لانقاذ بلاده. ورجل ثان لا يعدو ان يكون مشعبذاً وقد لا يبقى له من ذكرى في التاريخ الا بوصفه مستبداً آخر ينضم الى قائمة المستبدين اللامتناهية الطول". شافيز، الذي انتخب في 1998 رئيساً لجمهورية فنزويلا وثُبّت انتخابه في عام 2000 لمدة ست سنوات، يصدق فيه ما قاله المتنبي عن نفسه: فهو مالىء الدنيا وشاغل الناس. اينما تحرك ومهما قال، اثار ضجة كبيرة من حوله. وحتى عندما ينظم خصومه تظاهرات ضده، فانهم لا يجدون من وسيلة اخرى للتعبير عن سخطهم على سياساته سوى "قرع الطناجر". ولا عجب ان يكون هوغو شافيز قد اتقن لغة الضجة بوصفها لغة العصر الذي هيمن علىه اكثر من اي عصر سبق الاعلام السمعي - البصري. فلئن يكن شافيز قد وُصف مراراً وتكراراً بأنه "كاسترو فنزويلا" او "بيرونها" او "ناصرها"، فان الشافيزية بخلاف الكاستروية او البيرونية او الناصرية، ليست ظاهرة ايديولوجية او سياسية، بل هي ظاهرة اعلامية. فشافيز يخاطب، لا الفنزويليين وحدهم، بل كذلك اجهزة الاعلام العالمية، بالصورة التي تصدم وبالكلمة التي تثير الانفعال. وانما في سياق هذا الافتعال للصدمات وللانفعالات تندرج زيارته لبغداد ومصافحته "التلفزيونية" للرئيس العراقي صدام حسين واستقباله في العاصمة، كاراكاس، لمرتين على التوالي، ذلك المغضوب عليه الآخر في البيت الابيض: الرئيس الكوبي فيديل كاسترو. وحتى نفهم علاقة هوغو بلغة العنف الممسرح، ينبغي ان نأخذ بعين الاعتبار تجربته السياسية الخاصة كخريج من المؤسسة العسكرية. فهذا الضابط كان في السابق، في 1992، أقدم، وهو في رتبة مقدم، على محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وقد ادرك، وهو في السجن ان الطريق الانقلابي الى السلطة مسدود في بلد مثل فنزويلا يتميز عن سائر بلدان اميركا اللاتينية بتجربته الديموقراطية المدنية التي صار لها من العمر نحو من نصف قرن منذ التخلص من آخر ديكتاتورية عسكرية عام 1958. لكن تكوينه العسكري وطموحه في الوصول السريع الى السلطة كانا يحولان في الوقت نفسه دون تخليه التام عن فكرة التحويل القسري والعنيف لمجرى الاحداث. ومن هنا مبادرته، من خلال تكوين حركته السياسية الخاصة التي عمّدها باسم "حركة الجمهورية الخامسة" الى رفع شعار "الثورة الديموقراطية البوليفارية". ولا يخفى ما في هذا الشعار من تناقض: فالديموقراطية تلغي العنف بقدر ما ان الثورة تستلزمه. وتجاوزاً لهذا التناقض استبدل هوغو شافيز لغة العنف بعنف اللغة. وبدلاً من ان يمارس العنف على صعيد الواقع، مارسه على صعيد الرمز. ومن هنا الاهمية القصوى للاسطورة البوليفارية في البرنامج السياسي والايديولوجي للشافيزية. فسيمون بوليفار 1783 - 1830 يلعب في الذاكرة القومية والدينية للفنزويليين ، وللاميركيين اللاتينيين الجنوبيين عموماً، الدور الذي يلعبه صلاح الدين الايوبي في الذاكرة العربية والاسلامية. فبوليفار هو الذي حرر فنزويلا من السيطرة الاسبانية، وهو الذي رفع شعار وحدة دول اميركا اللاتينية الاندينية، وطبق هذا الشعار من خلال تأسيس جمهورية كولومبيا الكبرى 1821 - 1830 التي ضمت في حينه كلاً من فنزويلاوكولومبيا والاكوادور. ومن دون ان تمثل البوليفارية ايديولوجيا محددة، فانها عند الشعب الفنزويلي بمثابة عقيدة قومية ودينية معاً. وفاعليتها في وجدان الفنزويليين تتجاوز كل تحليل ومنطق، وفي بلد يوصف بانه "بلد المرارة والخيبة" فان بوليفار يمثل الامل بالخلاص. وانما بهذا الرمز الكلي القداسة تلاعب هوغو شافيز عندما اقترح على الفنزويليين تعديل الدستور وتحويل صلاحيات المؤسسات المدنية والبرلمان الى شخصه وابدال اسم فنزويلا ب"جمهورية فنزويلا البوليفارية". وبديهي ان احداً لا يماري في ان شافيز يتمتع بمشروعية انتخابية وبشعبية واسعة. فقد فاز في انتخابات 1998 بنسبة 56.45 في المئة من اصوات الناخبين، واعيد انتخابه في 2000 بنسبة 59 في المئة. ورغم ما بدا من تآكل في شعبيته، لا سيما بعد اصطدامه مع اتحاد النقابات، فان التظاهرات الشعبية العارمة هي التي احبطت الانقلاب العسكري ضده وأعادته الى سدة الحكم في ربيع 2002. بيد ان هذه الشعبية الاكيدة التي يتمتع بها شافيز لا تصادق على الطابع الديموقراطي لحكمه. فالديموقراطية تمرّ لا بشعبية القيادات، بل بشرعية المؤسسات. والحال ان شافيز احل سلطته الشخصية، حيثما امكن له ذلك، محل سلطة المؤسسات. واقام زعامته على الاتصال المباشر والالتحامي مع الجماهير من خلال خطبه وبرنامجه التلفزيوني الاسبوعي: "آلو، ايها الرئيس" الذي لا يوفر فيه سهام نقده حتى لوزرائه، ومن هنا اصلاً اعتماده المسرف على تقنية الاستفتاءات الشعبية في كل خطوة دستورية او سياسية جديدة يقدم عليها. فالاستفتاء، رغم ظاهره الديموقراطي، هو الوسيلة المفضلة عند جميع القادة السياسيين الاستبداديين في مسعاهم الى تشخيص السلطة والى احاطة انفسهم بهالة الزعامة الشعبية المباشرة من دون وساطة المؤسسات. ومهما بدت المفارقة الكبيرة فان كارثة الفيضانات الكبرى التي ضربت فنزويلا في السنة الثانية من ولاية شافيز والتي اوقعت نحواً من اربعين الف قتيل وتسببت في تراجع نمو الدخل القومي السنوي بنحو من عشر نقاط من "2 في المئة الى -7.2، عززت شعبية شافيز بدلاً من ان تضرّ بها. وما ذلك فقط لأن تلك الكارثة اتاحت لشافيز ان يلعب دور المنجد الاول، وان يطوف بسائر المناطق المنكوبة، وهو يرتدي زي المظليين الاخضر، ليقدم المساعدة بيده. بل كذلك لأن الكوارث الطبيعية يحكمها والمعجزات منطق واحد. فالكارثة الطبيعية هي، بمعنى من المعاني، معجزة سالبة. ومثلها مثل المعجزة فإنها تأتي دائماً من فوق ومن خارج المنطق. وشافيز قد بنى شعبيته كلها على الوعد بمعجزة اسماها هو نفسه "معجزة التغيير": تغيير مستضعفي فنزويلا الى مواطنين كاملي الحقوق، وتغيير حجم دولة الفساد الفنزويلية الى نعيم دولة عدل وقانون. والحال انه باستثناء تغيير الدستور وتغيير اسم الدولة وتغيير شاغلي مراكز القوى في الادارة والجيش والنقابات، فان شيئاً من برنامج التغيير "الفردوسي" لم يأخذ طريقه الى التنفيذ الفعلي. ففنزويلا ما زالت تحتل المرتبة الثامنة في العالم بين دول الفساد، والبطالة ضربت مليون عاطل جديد عن العمل من اصل 23 مليون نسمة هم جملة تعداد سكان فنزويلا والتوظيفات الاجنبية في البلاد تراجعت بمعدل -75 في المئة، وتبعية الاقتصاد القومي للريع النفطي لا تزال شبه مطلقة اذ ان هذا الريع يمثل ثلث الناتج القومي لفنزويلا وثلاثة ارباع صادراتها ونصف واردات الدولة. وقد تكون معركة النفط المعركة الحقيقة الوحيدة التي خاضها شافيز. فعلى رغم ضغوط واشنطن وانتقادات خصومه السياسيين من الليبراليين والمحافظين الكاثوليكيين، أصر على الابقاء على عضوية فنزويلا في منظمة البلدان المصدرة للنفط، واستضافها في قمة مدوية انعقدات في كاراكاس في أيلول سبتمبر 2000، وسعى الى احياء روحها العالمثالثية، وهو ما اكسبه المزيد من العداء من جانب واشنطن وجعله في رأس قائمة المطلوب تغييرهم من قادة "الدول المشاغبة".