مع بداية العام الجديد، تترأس اسبانيا الاتحاد الأوروبي لمدة ستة أشهر. الرئاسة الأوروبية العائدة لبلد يمثل جنوب المتوسط كانت على الدوام، تحديداً منذ ما قبل انطلاقة مسيرة برشلونة اليورو - متوسطية في العام 1995، فرصة ذهبية لدول شمال افريقيا، في طليعتها المملكة المغربية، التي تعتبر الشريك المميز لمدريد في هذه المنطقة التي بدأت منذ سنوات تستقطب الاهتمام الاقتصادي والجغرا - استراتيجي للعرب برافديه الأوروبي والاميركي. لكن، عندما تكون العلاقات الثنائية بين الجارين اكثر من متوترة، كيف يمكن عندئذ تصور انعكاسات رئاسة اسبانيا على كل ما هو متعلق بالمغرب وملفاته السهلة والشائكة التي هي قيد الدراسة أو النقاش وحتى البت لدى مختلف لجان الاتحاد الأوروبي؟ من جهة اخرى، ما الذي يمكن توقعه في ظل برود سياسي وديبلوماسي، تبعه جفاء بين صديقي الأمس - اللذين تقرب بينهما علاقات تاريخية ومصلحية واستراتيجية اكثر مما تباعد، كملف الصيد البحري والهجرة السرية وجبهة البوليساريو - نتيجة استدعاء الرباط لسفيرها من دون اعطاء التبريرات الكافية لذلك، علماً بأن اسبانيا حرصت على عدم الرد بالمثل؟ ما الذي حدا بالمغرب لدفع الأمور لمزيد من التصعيد والتعقيد من خلال دعوة زعيم المعارضة الاسبانية رئيس الحزب الاشتراكي جوزي لويس زاباتيرو في عز الأزمة واستقباله من قبل الملك محمد السادس؟ الأمر الذي أثار غضب رئيس الحكومة الاسبانية جوزي ماريا اثنار الذي اعتبر هذه الخطوة بمثابة تدخل في الشؤون الداخلية لبلاده ومحاولة اللعب على التناقضات الموجودة. على هذا، يجيب المسؤولون المغاربة بأن زاباتيرو كان يحاول القيام بمبادرة لإصلاح ذات البين بين الدولتين الجارتين، ووضع حد لحال الجفاء التي أسس لها فريق أثنار الحكومي وبعض قيادات حزبه، الذين بادروا بالتدخل في الشؤون المغربية بدءاً من الحملات الاعلامية في وسائل الاعلام الاسبانية التي تحدثت عن دور جنرالات الجيش ونفوذهم المتعاظم وثرواتهم التي كانوا يجمعونها من الصيد البحري والتي ستتضرر حتماً في حال تم توقيع الاتفاقية الجديدة، كذلك من خلال تنظيم واستقبالات وحتى مهرجانات البوليساريو في كافة المناطق الاسبانية والتي توجت بزيارة محمد عبدالعزيز زعيم بوليساريو لمدريد واللقاءات التي رتبت له بتسهيل من الحكومة الحالية. وايضاً طرح موضوع الهجرة السرية بشكل استفزازي يضر بسمعة المغرب في أوروبا. في ظل هذه المناخات الضاغطة كررت حكومة عبدالرحمن اليوسفي القول بأن تجديد اتفاقية الصيد على النحو المطروح، يخدم بالدرجة الأولى مصالح مدريد، من دون الأخذ في الاعتبار الأفكار التي طرحت لإدخال تعديلات عليه، تساهم بزيادة عائدات الرباط، واعطاء فرصة كافية للتوالد البيولوجي للثروة السمكية. في ظل هذه الاجواء المشحونة التي يرافقها حوار طرشان، حسب قول أحد الخبراء في العلاقات بين البلدين، أرسل الملك محمد السادس في بداية العام خطاب تهنئة الى الملك خوان كارلوس بمناسبة عيد ميلاده الأول بين العاهلين منذ توتر العلاقات، اكد فيه ان الحفاظ على حسن الجوار والتعاون بين المغرب واسبانيا هما العماد القوي للسلم والتعاون المتوسطيين. فهل يمكن اعتبار هذه المبادرة بداية لفتح ثغرات جديدة في جدار الجليد الذي زادت سماكته بعد قيام حكومة أثنار باعطاء تراخيص لشركة "ريبسول" النفطية للتنقيب في عرض بحر جزر الكناري؟ التنازلات الضمنية المقربون من القصرين المغربي والاسباني يرون بأن الطرفين كانا يبحثان عن القناة المناسبة لإخراج الأزمة من النفق مع بداية ترؤس اسبانيا للاتحاد الأوروبي، ولم يكن هنالك أفضل من الملك خوان كارلوس صديق المغرب والعرش العلوي والمتعاطف ضمناً مع أثنار كي يمهد الطريق. وما التصعيد الكبير الأخير سوى من باب "اشتدي يا أزمة كي تنفرجي". في هذا السياق، تشير أوساط قريبة من حلف شمال الاطلسي، إلى أن واشنطن تبذل جهوداً لاعادة المياه الى مجاريها، كون البلدين يعتبران بمثابة الحليفين الرئيسيين لها في المنطقة، اضافة الى ضرورة وحدة قواهما في هذه الفترة بالذات لمواجهة الارهاب الذي يمكن ان يتسلل من الجزائر. على اية حال، لا يمكن استباق الامور وحرق المراحل حتى ولو كانت مدة رئاسة اسبانيا الأوروبية قصيرة نسبياً. فكل شيء سيكون مرهوناً في نهاية المطاف بالتنازلات الضمنية التي سيقدمها كل طرف الى الآخر من جهة، وبالشروط التي سيضعها لتدوير الزوايا في الخلاف الحاصل، مع الأخذ في الحساب مصلحة كل طرف، ولو كان ذلك مضراً بحلفاء آخرين مثل فرنسا بالنسبة إلى اسبانياوالجزائر بالنسبة إلى المغرب. وعلى رغم قناعة الحزب الحاكم في اسبانيا بأنه من المستحسن ان تكون العلاقات مع المغرب جيدة اذا ما أرادت اسبانيا استثمار رئاستها للاتحاد الأوروبي، إلا انه يرى بأنها ستكون قادرة على توظيف ما يوفره لها موقعها من فرص لإثبات الوجود. ويعتبر المجلس الأوروبي الذي ترأسه مدريد حالياً، هيئة القرار الأبرز داخل الاتحاد، كونه يضم وزراء الدول الاعضاء الذين يجتمعون دورياً حسب البنود المدرجة على جدول الاعمال. لذا، فهو بعيد من ان يكون مجلساً رمزياً، لا يملك الصلاحيات التي تخوله اتخاذ القرارات الحاسمة. الشراكة اليورو متوسطية في المقابل ايضاً، فإن رئاسة المجلس هي التي تحدد الأولويات، وتعطي طوال الأشهر الستة لقيادتها للاتحاد، التوجهات المطلوبة والدفع اللازم لإنجاح السياسات الأوروبية في الميادين كافة، الأمر الذي يفسر اهتمام دول اتحاد المغرب العربي بما فيها ليبيا التي بدأت تشارك في المؤتمرات اليور - متوسطية وبعض لجان عملها بصفة مراقب - بوجود دولة من جنوب المتوسط على رأس المجلس الاتحادي، مما سيساهم بتطوير العلاقات والحصول عل دعم أفضل على المستويين المادي والتقني. واذا كانت ندوة برشلونة قد انشئت في ظل الرئاسة الفرنسية في العام 1995، إلا انه لا أحد يمكنه تجاهل الدور الذي اضطلع به الاسباني مانويل ماران رئيس اللجنة الأوروبية في هذه الفترة. انطلاقاً من هذا المفهوم، تنبغي الاشارة الى انه في سنة 1992، أي تحت رئاسة اسبانيا، تم طرح اقتراح انشاء منطقة للتبادل الحر مع المغرب، التي وضعت الأساس للشراكة اليورو-متوسطية. مع ذلك، وعلى رغم الجهود المبذولة في هذه المرحلة، ولو بأشكال مختلفة غير علنية من قبل أطراف متعددة، إلا أنه من الصعب التصور، في ظل المعطيات الصعبة الموجودة، حصول لقاءات، أو اجتماعات فورية، أو حتى خلال فترة وجيزة لتحريك ملف من الملفات. ففي فترة الرئاسة الأوروبية، تستطيع الدولة التي تقودها، والمخولة التحدث باسم المجموعة ان تضع مصالحها فوق كل اعتبار. لكن يبدو أن المغرب قد حصل على ضمانات من فرنسا والمانيا وبريطانيا لناحية حياد اسبانيا وعدم لجوئها لتصفية الحسابات، وعدم السماح بأن تؤدي الخلافات الثنائية الى حدوث انعكاسات من شأنها تعقيد الأمور ونقل النزاعات الثنائية هذه الى داخل مؤسسات الاتحاد الأوروبي. لكن الرباط تتخوف من قيام مدريد بتحديد المشاريع الممولة ضمن اطار برنامج "ميدا 2"، وفق مصالحها وأولوياتها بحيث تتعمد تأخير اعطاء رأيها أو موافقتها النهائية كرئيس للمجلس على المشاريع التي تقدم بها المغرب. على كل حال، فإن شهر كانون الثاني يناير الجاري سيشكل اختباراً لنيات اسبانيا وحيادها، لأنه خلال الأيام المقبلة ستستأنف النقاشات حول تحرير القطاع الزراعي وفتحه أمام منتجات الشركاء المتوسطيين الآخرين. الهجرة وبوليساريو وفي تشكيك مسبق بنيات اسبانيا يؤكد أحد الوزراء المغاربة بأنه في ظل وجود أزمة أو عدمها حول المسائل المتعلقة بالصادرات الزراعية أو الهجرة السرية، فإن الاسبان سيعملون على إعاقة العلاقات مع أوروبا، لأن هاتين المسألتين تتعارضان كلياً مع مصالحها التجارية وحتى الاجتماعية. لكن الوزير بدا وكأنه غير قادر، في المقابل، على تقديم اقتراحات واضحة لإزالة العقبات الموجودة وإعادة الحرارة للعلاقات الثنائية. ويكتفي أحد أعضاء اتحاد أرباب العمل المغاربة بالقول: ان أي تغيير جدي وايجابي، حتى ولو كان جزئياً، في مسلك وتصرف المسؤولين الاسبان حيال الملفات الرئيسية: الصيد البحري، الهجرة السرية، البوليساريو والصادرات الزراعية، من شأنه أن يفي بالمطلوب، ويعطي بالتالي، ورقة لأصدقاء اسبانيا في المغرب لتوظيفها باتجاه ازالة أسباب الخلافات. لذلك، ينتظر المغاربة اليوم - على رغم التصريحات العنيفة والمزايدات الحزبية الضيقة القائمة بين أطراف الحكومة الحالية - اشارات من النوع المذكور كي يمدوا أيديهم من دون تردد للجيران وأصدقاء الأمس، ومنهم من نقل استثماراته الى الدول المغاربية الأخرى. وتذهب بعض الأوساط الاقتصادية في كلا البلدين للاشارة إلى أن الرئاسة الاسبانية للاتحاد الأوروبي تشكل بحد ذاتها فرصة لاذابة الجليد، لأن الطرفين محكومان بالتلاقي مرات عدة خلال الأشهر الستة المقبلة، مما سيكون عاملاً مساعداً على الحوار وحلحلة الأمور المعقدة. ويرى بعض الخبراء بأن اسبانيا التي تسعى لأن تكون نموذجاً للشراكة الأوروبية، ستلاقي صعوبة في تبرير عجزها أمام أعضاء الاتحاد عن اقامة علاقات جيدة مع جارتها المملكة المغربية. والعكس ربما هو الصحيح أيضاً، لأن اسبانيا يمكن أن تستخدم الذريعة نفسها ضد المغرب لأنه يطالب هو الآخر بالنظام نفسه المتميز على الضفة الجنوبية للمتوسط