منذ زمن بعيد، مروراً بعصر كمال جنبلاط ووصولاً الى عصر وليد جنبلاط، هناك في السياسة اللبنانية موقع خاص اسمه "قصر المختارة". وهذا الاسم لكثرة ما يستخدم كتعبير سياسي، يتضمن السلطة والمشاكسة، الحكم والمعارضة، الحس الشعبي والزعامة الاقطاعية، غلب طابعه الرمزي مع الأيام على طابعه المادي، ونسي كثيرون ان قصر المختارة مكان. قصر بالتحديد، يتوسط منطقة الشوف احدى اكثر المناطق اللبنانية عراقة، وله تاريخه الذي هو في الوقت نفسه تاريخ حجر وتاريخ بشر. هنا جولة في واقع هذا القصر وتاريخه. تعرف بلدة المختارة في تاريخ لبنان بأنها المعقل السياسي لزعامة آل جنبلاط الذين يتبوأ قصرهم القرميدي الفخم وسط البلدة، ملتحفاً بغابة من الأشجار يبدو في وسطها من بعيد منزلاً عادياً ولا تظهرفخامته إلا عند رؤيته من قريب. اذ عندما تقترب من هذا القصر فقط تتجلى عظمة البناء التي ترمز الى عراقة عائلة كان لها دورها الفاعل في تاريخ لبنان ولا تزال. والمختارة التي تقع في محافظة جبل لبنان - قضاء الشوف وترتفع عن سطح البحر 850 متراً وتبعد من بيروت 56 كيلومتراً، تبدو "مختارة" أيضاً بطبيعتها وأراضيها الزراعية وجمالها المرتاح على خلفية بيضاء يؤمنها جبل الباروك المغطى بالثلوج. وحين تقصد المختارة متخذاً طريق الدامور - بيت الدين عابراً ملتقى النهرين، ثم دميت، وكفرحيم، ودير دوريت، وبعقلين، والسمقانية، وجديدة الشوف، وبقعاتا وصولاً الى القصر المقصود، تأخذك الطريق الوسيعة المزروعة على جانبيها بالأشجار من السرو الى الصنوبر والبطم والزعرور البري وسواها من الأنواع التي حرص وليد جنبلاط منذ أعوام على زرعها ومراقبتها تنمو وتكبر. وليد جنبلاط الذي يدفعه اهتمامه ببيئة منطقته الى التوقف أحياناً وسط الطريق يلتقط علبة مرمية. كما انه يرسل أثناء الشتاء رجالاً يزيلون الثلوج عن الأغصان خوفاً عليها من التكسر. واجتياز منطقة الشوف يعيد الى الأذهان صوراً من لبنان الأصيل، فإضافة الى الطبيعة، هناك الناس الذين يرسمون ب "شراويلهم" السوداء وقلنسواتهم البيضاء لوحة حقيقية عن اللبناني الشرقي الأصيل. ولعل الدروز من أبناء هذه الطائفة الصغيرة التي لا يتجاوز عدد أبنائها 250 ألفاً، هم أفضل من حافظ على التقاليد اللبنانية العريقة في المضمون وفي المظهر أيضاً. ندخل من البوابة الرئيسية الى ممر طوله زهاء 75 متراً يؤدي الى الباحة الرئيسية لدار البركة وفبها مجرى ماء يوزع المياه على أرجاء القصر كافة وعلى الحي السفلي من بلدة المختارة. بعد كل تلك الطريق نصل الى القصر المحاط بحدائق وسيعة مزروعة بالأشجار المتنوعة من مثمرة وغير مثمرة شربين، أرز، صنوبر، زيتون وليمون وسواها شمالاً الدرج الطويل الذي يؤدي الى صالة الإستقبالات الخاصة والشعبية، أما يميناً فثمة درج دائري يؤدي الى المبنى الخاص الذي يقطنه حالياً وليد جنبلاط وهو مبني ومرمم حسب المواصفات الأوروبية الحديثة منذ القرن التاسع عشر، وقد بدأ بناؤه تقريباً عام 1880، طابق وليد مبني على نمط عمارة القرن التاسع عشر الأوروبية، الطابق الثاني منه مؤلف من العقود الجميلة، وفيه قسم استقبال خاص ومكتب وغرف نوم وغرفة طعام. وقصر المختارة هو عبارة عن ثلاثة أبنية متجاورة. الأول خصصه وليد جنبلاط للإستقبالات الشعبية، والثاني لسكنه الخاص والثالث يسمى "قصر الست" وهو قيد الترميم حسب المواثيق والقوانين الدولية كميثاق البندقية وقوانين الأممالمتحدة للحفاظ على الآثار. ونصعد الدرج الطويل من المبنى الأول الذي سمح لنا صاحب القصر بالتجول والتصوير. نبدأ الجولة في الطابق الثالث القصر مؤلف من طوابق أربعة المصمم على طريقة العمارة اللبنانية الإسلامية التقليدية بحيث يتخذ شكل حرف u، وهذا الطابق مفتوح على الوادي من الجهة الغربية. في الصالون يستقبل جنبلاط المواطنين في صف طويل وكل يطلب خدمة خاصة، هذا الصالون يتميز بأثاثه العربي وبجداريات كبيرة تتصدره. هنا بعد الحديث الى جنبلاط يتوجه الزائرون الى غرفة جانبية حيث يتناولون القهوة العربية. في هذه الغرفة جزء من تاريخ العائلة لجهة الوالدة والوالد: من الأمير شكيب أرسلان والد الست مي والأمير عادل أرسلان الذي تبوأ مناصب عدة في الدولة، الى صور لفؤاد بك جنبلاط وليندا جنبلاط... ويتوسط الغرفة وجاق عربي قديم، وتتصدرها لوحة لكمال جنبلاط حققتها ريشة رسام روسي والى جانبها صور للشباب الذين استشهدوا معه في عملية الإغتيال التي تعرض لها عام 1977، ورسم للسيدة نظيرة جنبلاط التي مارست دور الزعيمة لأعوام بعد مقتل زوجها فؤاد جنبلاط الى حين تسلم كمال جنبلاط زمام الأمور. من هناك نتوجه عابرين باباً آخر الى جناح الإستقبال الرسمي وفيه طاولة زجاجية وواجهة تزخر بالفخاريات الأثرية القديمة وواجهات زجاج فيها حلى ذهبية اثرية. تتصدر هذه القاعة خرائط للإمبراطورية العثمانية وأخرى تاريخية أثرية متنوعة ونحاسيات وسيوف. منها ننتقل الى جناح غرفة الطعام المنسقة في طريقة ساحرة وتزين جدرانها زيتيات رائعة تمثل نساء قرويات في الثياب التقليدية. ثم ندخل الى جناح استقبال ضيوف داخلي يجاور الباحة الخارجية الوسيعة التي تتميز بمساحتها، وبالقناديل القديمة المتدلية من سقوفها، وبالأبواب المصنوعة من الخشب القطراني وتوجد على جوانبها قاعات فسيحة مزخرفة رائعة الهندسة لاستقبال الوفود الكبيرة. والجدير ذكره أن القاعات في القصر هي قاعات استقبال عامة للوفود الكبيرة التي تؤم القصر لا سيما في نهاية الأسبوع. صالون وسيع آخر ندخله تتوسطه بركة كبيرة ويتميز بجدارياته المرممة حديثا، تجاوره باحة كبيرة فيها قفصان واحد فيه ببغاء رمادية والآخر ببغاءان خضراوان. وفي وسطها نافورة مياه وأحواض زهور. وننتقل الى الطابق الثاني المعروف بالفستقية وطالما عرف بهذا الإسم وهو من أجمل الطوابق ومغطى بأسقف العقود. حيث توجد غرف أولاد وليد جنبلاط: غرفة نجله الأكبر تيمور التي كانت قبل سنة لوالده وتتميز بسريرها العريض المغطى بالأحمر وببساطة كبيرة في الأثاث وبضع كتب وصور عائلية، وهي تطل على البركة في الباحة الكبرى للقصر وعلى المبنى الثاني الذي يقطنه وليد جنبلاط. ومنها الى غرفة داليا البنت الصغرى، ثم غرفة أصلان. قسم من هذا الطابق مخصص للمنامة وآخر للسكن وقسم ملاصق يضم المطبخ الرئيسي للقصر. وفي الجانب الآخر ثمة حدائق واسعة تخصص للمآدب في فصل الصيف لا سيما في بعض المناسبات الوطنية والإجتماعية. أما في الطابق الرابع المسمى الطابق النصافي "الميزانين" فتسكن السيدة مي التي كانت موجودة أثناء زيارتنا ولم يتسن لنا الدخول الى طابقها. ويبقى الطابق الأول الذي يطلق عليه إسم "الحاصل" وهو كناية عن مخزن للمؤونة وللأغراض القديمة. وتتميز هندسة القصر بالفخامة ويلفت "المندلون" المرتفع ثم الغرف العديدة المحيطة ومنها صالونات وسيعة للضيوف وأجنحة استقبال ومنامة. وسط خرير المياه الآتية من نبع الباروك يبدو القصر شاهداً حقيقياً على حوادث كثيرة أثرت في لبنان وفي القصر تحديداً الذي تضرر ودمر مرتين في بداية عهد بنائه قبل زهاء 300 عام. ويعود تاريخ بناء قصر المختارة الى النصف الثاني من القرن السابع عشر. ويزعم أحد الجامعيين الألمان أنه بني على موقع قلعة صليبية قديمة. لقي القصر اهتماماً كبيراً أيام علي بك جنبلاط 1690 - 1778، وهو الرجل الحكيم الذي حقق شهرة واسعة نتيجة لعاداته التوحيدية الدرزية العربية الأصيلة وحكمته، والمعروف انه هو من فرض السلام في مناطق الشوف التي استقر فيها الدروز عبر التاريخ، ومن ثم أيام إبنه قاسم 1793 الذي خلف والده في الزعامة على مناطق النفوذ الجنبلاطي، وأعاد الشيخ بشير جنبلاط 1775 - 1825 ترميم القصر مستقدماً لذلك معماريين إيطاليين. لكن ما لبث أن أصاب القصر التدمير على يد الشهابيين، إذ كان الشيخ بشير جنبلاط المناوئ الأقوى والرئيسي للأمير بشير الشهابي في سياسة هذا الأخير التي قامت على مبدأ التفرقة بين الأسر والعائلات اللبنانية ذات النفوذ السياسي في تلك الحقبة من الزمن. ولم يمض وقت طويل حتى أعاد سعيد بك جنبلاط 1813 - 1891 ترميم القصر وجاء إبنه نسيب بك جنبلاط 1855 - 1922 ليضيف اليه جناح "الفستقية" وجواره. والفستقية اليوم عبارة عن قاعة فسيحة من أجمل القاعات في القصر تكللها عقود مقسمة الى صالونات عدة تنتهي بالدرج المعلق الشهير الذي يؤدي الى دار القاعات في الطابق الأعلى حيث يستقبل وليد جنبلاط الزوار. أما الطابقان الثاني والثالث فقد بناهما فؤاد جنبلاط 1885 - 1922 والد كمال جنبلاط 1917 - 1977. ولا يزال القصر يخضع لمشاريع الترميم بإشراف صاحبه مع الحفاظ على معالمه الأثرية والتراثية. وكذلك حال قصر الست ليندا شقيقة كمال جنبلاط الذي يفصله عن القصر الأساسي دار فسيحة تظللها أشجار معمرة باسقة تدعى دار البركة. وما يلفت النظر القناطر والأروقة مع الفسيفساء المتعددة الألوان بتناسقها مع الخشب المحفور ما يضفي على القصر رونقاً وجمالاً ويجعل منه نموذجاً رائعاً للفن الشرقي