مساعد وزير الداخلية لشؤون التقنية يزور قيادة القوات الخاصة للأمن البيئي    محافظة صوير تسدل الستار على مهرجان شتاء الجوف الثاني    استقرار أسعار النفط    جهاز اتصالات مشفر يسهم في إنقاذ طيار أمريكي سقطت طائرته جنوب غربي إيران    الاتفاق يتغلب على القادسية بثلاثية    اكسيوس: مفاوضات دولية لبحث هدنة مؤقتة بين الولايات المتحدة وإيران    الكم الكيفي ياجمعياتنا الأهلية    أفلام الأكشن تستهوي محبي السينما    أبو زهرة بالعناية المركزة    شروط جديدة تعيد تشكيل زواجات جدة    اللثة تؤثر على مرضى الكلى    أمير الرياض يرعى حفل خريجي جامعة الفيصل ويضع حجر الأساس لمشروعات المنشآت الرياضية بالجامعة    تقرير «مدني الرياض» على طاولة فيصل بن بندر    أمير الباحة يطلق فريق «طوق التطوعي»    التقرير السنوي للتجارة على طاولة الشورى    بلدية الدمام تحقق نقلة نوعية في تنظيم الأسواق    بتبرع ولي العهد.. أمير الجوف يسلم وثائق تملك الوحدات السكنية للمستفيدين    المملكة تدين محاولة تخريب سفارة الإمارات في دمشق    ثماني «أوبك بلس» تقر زيادة الإنتاج 206 آلاف برميل يومياً    الإعلام والأزمات المنسية في الحرب الأميركية - الإيرانية    حليب الإبل.. مشروب الربيع في «الشمالية»    الهلال يشعل الإعلام العالمي.. هدف برازيلي وتألق فرنسي وغضب برتغالي    غالتييه: نقاط الفيحاء تعزز ثقافة الانتصار    طائرة تقتحم مطعماً في البرازيل وتخلف 4 قتلى    عبر فصائل عراقية مسلحة موالية لإيران.. تحذير أمريكي من محاولات اغتيال دبلوماسيين بالعراق    غارات على بيروت ونزوح واسع للسكان بالجنوب.. عون: رضا ليس سفيراً ويعمل دون مهمة رسمية    حين يتحول الفراغ إلى إساءة    اختفت وهي طفلة وظهرت بعد 32 عاماً    بدء تسجيل الطلبة المستجدين للعام الدراسي المقبل    اعتماد الصحي للقيادة مركزاً متعاوناً مع «المنظمة العالمية»    ولادة أول وعل بمحمية الوعول في 2026    بالتعاون مع كبرى الشركات الوطنية.. إطلاق إستراتيجية مجلس تنسيق المحتوى المحلي المحدثة    بقيادة فتحي الجبال.. الأخدود يحقق فوزاً ثميناً على الفتح    تأكيد على التنسيق المشترك بما يدعم الاستقرار.. وزير الداخلية ونظيره السنغافوري يستعرضان التطورات الأمنية بالمنطقة    التعليق الذي أزعجك…قد يكون أهم ما قيل لك    البرستيج القاتل    «موهبة» تطلق برنامجها الإثرائي المهاري في 3 مدن    كندا تستثمر فشل منتخب إيطاليا بطريقة ذكية    راحة البال    توقيع 5 آلاف اتفاقية بمنتدى العمرة والزيارة    ميناء جازان للصناعات الأساسية.. تعزيز الاستثمارات والقدرات اللوجستية    طيور تحمي أعشاشها بسموم السجائر    دراسة: لقاح الإنفلونزا يمنح مناعة تمتد لعقود    مستشفى الملك فهد الجامعي يقود مسيرة متقدمة في زراعة القوقعة ورعاية فاقدي السمع    زلزال كابول يقتل 12 شخصا    زيلينسكي في دمشق.. حضور أوكراني وتراجع روسي    اختتام فعاليات المؤتمر العشرون للجمعية السعودية لجراحة المخ والأعصاب    مهرجان الزهور وجهة سياحية تنعش ينبع الصناعية    الأخدود يكسب الفتح بهدف في دوري روشن للمحترفين    وزير الداخلية يتلقى اتصالاً من نظيره السنغافوري بشأن الاعتداءات الإيرانية    5 آلاف اتفاقية بمنتدى العمرة    نائب أمير نجران يطَّلِع على مشروعات شركة المياه الوطنية بالمنطقة    نائب أمير جازان يستقبل مدير فرع الهيئة العامة للنقل بالمنطقة    ليدار للاستثمار تختتم مشاركتها في مكة بيلدكس 2026 بإقبال لافت على مشروع دار مكة    «إرشاد الحافلات» يستقطب الكفاءات لموسم الحج    استعرضا العلاقات الثنائية وناقشا تداعيات التصعيد العسكري.. ولي العهد ورئيسة وزراء إيطاليا يبحثان المستجدات الإقليمية    رئيسة وزراء جمهورية إيطاليا تغادر جدة    رئيسة وزراء جمهورية إيطاليا تصل إلى جدة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



يهجرها أهلها منذ اعتبرتها الدولة مدينة أثرية . "القصر": عالم صحراوي يعيش التراث وفقه العمارة
نشر في الحياة يوم 07 - 02 - 2000

مدينة أهلها يعيشون في سلام. لا جرائم، لا تنافس على المادة. مدينة اهلها من بيئتها بنوا بيوتهم، وأعلى ابواب هذه البيوت كتبوا: "بسم الله الرحمن الرحيم هذه الدار أضاءت بهجة وتجلت فرحاً للناظرين، كتب السعد على أبوابها، ادخلوها بسلام آمنين"... أو "بسم الله الرحمن الرحيم عز يدوم وسعادة لا تنقضي وبلوغ ما تهوى النفوس وترتضي، وسعادة مقرونة بسلامة".
هكذا تقابلك بيوت هذه المدينة، التي تصل إليها بعد رحلة في دروب الصحراء الغربية في مصر، تبدأ من أهرامات الجيزة، التي تعود الى عصر الدولة القديمة الفرعونية، وتمر على مدينة "السادس من أكتوبر" التي تمثل عمارتها ذروة ما بلغته العمارة المعاصرة من طرز لا معنى فيها ولا حياة وصولاً إلى الصحراء الخالية التي كانت هي الحاجز بين هذه الطرز وبين عمارة "القصر"، عمارة الطين البسيطة التي تحمل قيماً ومفاهيم وروحاً افتقدناها في ظل عولمة العمارة.
حين نصل الى "القصر" مع بداية شروق الشمس، يطالعك منظر رائع لجبل يحتضن اسفله مدينة تقع على مرتفع، يحدها النخيل من كل جانب. هناك يأتي شروق الشمس على أكبر مدينة تراثية مجهولة في مصر، ليساعد على الانطلاق رويداً رويداً لاكتشافها.
و"القصر" سميت بهذا الاسم العربي عند استقرار القبائل العربية فيها، اما سبب التسمية فغير محدد، فالقصر لدى العرب هو المكان المرتفع، و"القصر" شيدت على مرتفع، "القصر" هو المعبد الضخم الفخم، وهي ربما كانت تضم معبداً منذ العصر الفرعوني. وربما كانت عاصمة الواحات الداخلة في الصحراء لفترة طويلة من الزمن حسب كثير من المصادر التاريخية، التي لا تقدم عنها سوى معلومات شديدة الايجاز.
تقع مدينة "القصر" على بعد ألف كيلومتر من القاهرة ضمن الواحات الداخلة، عند إلتقاء دروب قديمة عدة كانت بمثابة الطرق الخاصة بالقوافل التجارية ومسالك الغزاة والفاتحين، خصوصاً الى بلاد المغرب وافريقيا.
شيدت "القصر" على تل مرتفع ما هيأ لها موقعاً جغرافياً متميزاً، وهذا المرتفع الذي حدد مساحتها، وبالتالي من امتدادها، هيأ لها مميزات عدة، لجهة أنه حدّ من زحف الرمال عليها وساعد على اعتدال مناخها. كذلك ساعد الارتفاع الذي يبلغ 20 متراً من الجهة الجنوبية على مراقبة القادمين اليها من مسافات بعيدة ووفر لها ميزة التحصن والاستعداد للدفاع عن البلدة ضد الاعداء.
والأراضي المحيطة بالقصر عبارة عن تلال وهضاب وكثبان رملية، وحول "القصر" تل رسوبي من الطمي المترسب منذ آلاف السنين، وإلى الغرب والجنوب منها أراضٍ زراعية خصبة. وكان السهل الرسوبي يوفر المادة الطينية لصناعة قوالب اللبن، التي كانت تعجن بالماء مع التبن، وهو بقايا القمح التي تساعد على تماسك وصلابة المادة الطينية، بالاضافة الى خلط هذه المواد بالرمل الناعم الخالي من مياه الرشح والخالي من الاملاح الكلسية.
وطريقة صناعة هذا القالب من اللبن تتم عن طريق جلب "الطفلة" وتنظيفها وتنعيمها بإخراج الحصى منها، ثم تخلط بالرمال بنسب تقريبية يتم تقليبها جيداً مع إضافة التبن، لكي تصير مادة متماسكة، ثم تترك مدة من الزمن وبعد الخلط، يؤخذ ذلك المخلوط ويصب في قوالب خشبية، ويترك ليجف في الشمس، ما بين ثلاثة وثمانية أيام، حسب طبيعة الشمس صيفاً أو شتاءً.
وبهذه المادة البسيطة بنى أهل "القصر" بيوتاً يبلغ ارتفاع الواحد منها ما بين طابقين وثلاثة طوابق. ولقد اثبتت الابحاث أن البناء باللبن يناسب طبيعة الطقس الحار جداً في "القصر"، إذ لا يسمح اللبن لحرارة الجو بالنفاذ الى داخل المبنى إلا بعد فترة طويلة، حيث يكون الليل قارب على الانتصاف، والطقس مال الى البرودة، فيتولى اللبن المتشبع بالحرارة القاسية تدفئة المنزل.
شدتنا "القصر" منذ أن دخلنا أولى دروبها، فقد واجهنا نمطاً مختلفاً من الشوارع، ودفعنا هذا الى أن نسأل مجدي الديناري مفتش آثار المدينة عن من يسكنها، فذكر انها اربع اسر تعتبر بمثابة قبائل. هي القرشية والشهابية والدينارية، إضافة الى عائلة الاشراف. وسكنت كل قبيلة قسماً من المدينة، فالقرشية والاشراف كلاهما من قبيلة قريش العربية، سكنوا في جنوب شرق ووسط البلدة الجنوبي، أما الدينارية فتركزوا في القسم الشمالي الغربي، وتركزت عائلة الشهابية في وسط الكتلة السكنية.
تأثرت "القصر" في ذلك التقسيم بمدينة الفسطاط عند نشأتها، حيث وزع عمرو بن العاص الخطط بين القبائل، وجعل لكل قبيلة خطة.
كما كان لهذا التقسيم أثره في تشكيل شبكة الطرق من حارة الى درب وزقاق، فالدرب أو الزقاق الواحد كان يقطنه أبناء عائلة واحدة او ابناء حرفة واحدة، وعند كل تجمع عائلي في الدرب اقيمت بوابة عند بدايته ونهايته، وهو ما أدى الى كثرة البوابات في المدينة، وتبين مثل هذه النوعية من البوابات مدى قوة الترابط العائلي.
ويتراوح إتساع "الشوارع" في "القصر" ما بين 3 امتار ونصف المتر. وتقاطع الدروب والسكك مع بعضها البعض جعل زاوية انكسار الجدار ككل تتجه إلى الداخل مع بداية الدرب، حيث سمح ذلك بزيادة اتساع السكك وبالتالي ساعد على سهولة الدخول الى الدرب، يتضح ذلك في الكثير من طرق "القصر". ولعل من أبرز الامثلة انكسار حارة "الجزارين" عند الاتجاه شمالاً الى حارة خلف الله والتي يليها مباشرة على يسار المتجه إلى الشرق من بدايتها درب المحكمة الجنوبي.
ولاحظنا في "القصر" حرص أهلها على عدم إعاقة الطرق بتركيز عناصر بارزة فيها كإقامة مبانٍ أو سلم او مدخل بارز، وروعي ذلك في منشآت "القصر" الدينية، ففي جامع الشيخ نصر الدين والذي يعتبر مسجداً معلقاً، ينفتح المكان على ساحة متسعة من الجانب الجنوبي لتستوعب الدرج الصاعد وذلك حفاظاً على حق الطريق.
وفي المنشآت المدنية لوحظ انه في حال اتخاذ مصاطب للجلوس امام دور بعض كبار القوم أو امام الحوانيت، روعي الا يضر ذلك بحق الطريق، ولعل من ابرز أمثلة ذلك، الإرتداد الذي شيدت في داخله مصطبة امام درب العمدة، وكذلك الارتداد الذي يقع في بداية تقاطع "سكة الشهابية" مع "الجزارين"، وذلك لوجود ثلاث مصاطب خصصت للجالسين أمام الحانوت الكبير، والجانب الشرقي من هذه المصاطب مسدود بهدف حفظ حق الطريق. ويتخلل الكتلة السكنية في "القصر" عدد من الساحات، تكون عادة أمام المنشآت العامة، مثل الساحة التي تتقدم بوابة الأمير محمود جوريجي، والساحة التي تتقدم دار الحاج عبدالحي الذي كان كبير تجار "القصر"، والساحة التي تتقدم مقعد القرشيين.
ويُلاحظ ان الشوارع في "القصر" يغلب عليها ان يكون اتجاهها من الجنوب الى الشمال عكس اتجاه حركة الشمس فلا تغطي الشمس هذه الشوارع. كما أنها تستقبل الهواء البارد.
وهناك بعض السكك في "القصر" اتخذت اتجاهاً شرقياً غربياً ومن أبرز أمثلتها حارة الجزارين، في وسط المدينة، وحارة خلف الله في الشمال، ودروب عدة في الجانب الغربي، وهذه الدروب والحارات والتي يتفق اتجاهها مع حركة الشمس كانت نسبة التظليل في شقائقها تغلب على نسبة المتروك من دون تظليل، غير أنه تجدر الاشارة الى ان توجيه شبكة الطرق في هذه الاتجاهات كان له دوره الواضح في إمداد شبكة الطرق بالهواء المتجدد دائماً نظراً الى اتفاق هذا التوجيه وحركة الرياح في "القصر" والتي تتميز بأنها شمالية غربية، وكان للبوابات التي تغلق على بدايات هذه الحارات والدروب دورها في الحماية من الرياح، إذا كانت قوية أو محملة بالرمال.
ويرى الباحث المصري سعد شهاب في دراسته عن "القصر"، أن شبكة الطرق في المدينة تتميز بقيم جمالية اصيلة، فهي تتدرج من الخارج الى الدرب، ومن الدرب الى الزقاق، ما يجعل مستعمل الطريق لا يشعر بالملل، إذ هيأ له ذلك ما يشعره بقصر المسافة التي يسيرها داخل المدينة مهما بلغ طولها، وذلك نظراً الى الرؤية التي تتجدد بكثرة الانحناءات وقصر منظور الرؤية بهذه الطرق.
وتتناسب هذه الطرق والمقاييس الآدمية، إذ يشعر الانسان بسيطرته على الطريق الذي يسير فيه، حيث تتميز هذه الطرق بضيقها، إذ لا يزيد اتساعها عن 3 أمتار بل إن بعض الدروب لا يزيد اتساعها عن 50.1 متر كما أشرنا، ما هيأ ذلك للمرء شعوره بمدى اتساع داره الذي يعيش في داخلها مهما بلغت مساحتها، إذ انه بعد مروره بشبكة الطرق بما تتميز به من ضيق يجد نفسه داخل دار تتميز باتساعها فيعطيه ذلك شعوراً بالرضا.
وينبه سعد شهاب الى كثرة البوابات الفاصلة بين امتداد الحارة الواحدة، إذ أدى إلى ذلك ان امتداد الحارة الواحدة قد يقطنه ابناء عائلات عدة فتكون البوابة الحد الفاصل المحافظ على خصوصية الاهالي، والاسر في ما بينهم، وتتنوع تشكيلات مداخل الدور، بحيث نجد أن كل مدخل يتميز عن الذي يليه على رغم تشابه الدور في واجهاتها وارتفاعاتها بشكل واضح، غير أن اختلاف مداخل الدور جعل القادم إلى أي منها يتعرف على الدار التي يقصدها بسهولة، وكذلك اضفت هذه المداخل على الطرق خصوصية جمالية متنوعة.
أدى تعدد العائلات في "القصر" والترابط الاسري مع كرم الضيافة، إلى ظهور "المقاعد"، ويبدو أن مدينة "القصر" عند نشأتها كانت تضم اربعة مقاعد تخص العائلات الاربع الرئيسية، غير أنه لم يبق منها في الوقت الحاضر سوى مقعد رئيسي واحد لعائلة القرشية، وهناك ثلاثة مقاعد اخرى ثانوية تخص بطون تفرعت من احدى العائلات الرئيسية وهي مقعد الجزارين ومقعد الاشراف ومقعد ابو حمام.
وهذه النوعية من المنشآت تتميز ببساطتها، إذ أن "المقعد" يتكون من قاعة او قاعتين مستطيلتين تلتصق في كل قاعة بثلاثة من اضلاعها من الداخل ثلاث مصاطب للجلوس عليها في المناسبات الاجتماعية.
وكان لهذه المقاعد أثرها في سرعة فض المنازعات العائلية، وكذلك في إتمام الزيجات.
وتعد منازل "القصر" نموذجاً جيداً لتطبيق فقه العمارة الإسلامية، والمقصود بالفقه، تلك القواعد التي وضعها الفقهاء لتنظيم العمران في المجتمع، ويتضح ذلك من عناصر المنازل المعمارية، والتي وإن كانت ذات صبغة هندسية، إلا أنها تحمل في طياتها نظرية معمارية متكاملة وقيماً إنسانية نفتقدها في عمارة المنازل المعاصرة.
ويلاحظ أن مداخل منازل "القصر" بسيطة. ويغلب على معظمها وجود مدخلين الى المنزل. وأحد هذين المدخلين يكون عادة كبيراً، ويفضي الى القسم المخصص للاستقبال. ويفتح هذا المدخل على ممر ويعلوه "عتب" خشبي عليه نص إنشائي يتضمن البسملة وعبارات المودة والترحاب واسم صاحب الدار وتاريخ إنشائها. وفي المنازل الصغيرة يغلب على مدخلي المنزل صغر حجمهما.
والمدخل الثاني خاص بأهل الدار وبخاصة من النساء، ويتميز بصغر حجمه ويفتح في الغالب على طريق جانبي أو درب متفرع من حارة، وهذا يوضح أن الغرض من إزدواج المدخل هو الحرص على الخصوصية.
ولا تتواجه مداخل المنازل في "القصر"، وهذه الظاهرة تعرف في فقه العمارة بتنكيب الأبواب. ويوفر ذلك درجة إضافية من الخصوصية. كما يتيح ذلك للمعمار داخل الدرب أو الحارة تنويع أماكن المداخل. وعدم حصول تكرار هندسي جامد لتوزيع المداخل.
وعند فتح الباب ستجد في مواجهتك في بعض المنازل حائطاً يحول دون تطفل المارين في الشوارع على داخل المنزل، ولكي يحول المعمار بين المتطفلين وكشف ما في داخل المنزل، جعل نوافذ الطابق الأرضي صغيرة الحجم وتقع أسفل سقف المنزل مباشرة، وهذه ظاهرة يوجد لها مثيل في منازل مدينة رشيد الأثرية في شمال مصر.
كذلك تميزت الواجهات في الطوابق العليا بقلة عدد النوافذ خصوصاً في الدور المتقابلة، وإن وجدت فكان يراعى ألا تكون متقابلة في معظم الأحيان، إضافة إلى أن معظمها تمت تغشيته بتشكيلات هندسية من اللبن فيها فراغات تؤدي الى دخول الهواء والضوء بنسب تلطف المناخ في الداخل. وبعض هذه النوافذ غُشيّ بتشكيلات بسيطة من الخشب المخروط، كانت تؤدي الغرض نفسه. ومن الظواهر اللافتة في "القصر" انتشار السوابيط بين دورها. والساباط عبارة عن سقف خشبي يظلل الطريق بين دارين متقابلين. وتستغل إحدى الدارين الساباط كحجرة تضاف الى المساحة. علماً بأن أرضية الساباط التي هي سقف يظلل الشارع مُحمّلة على الدار المقابلة. وهذا يبين مدى الترابط الاجتماعي بين أبناء "القصر"، حين يسمح الجار لجاره بأن يظلل الطريق بتجميل جزء من سقف التظليل على جداره، وكذلك في استغلال سقف التظليل كحجرة تزيد من مساحة منزل جاره.
تعتبر المضيفة من أهم وحدات المنزل "القصري". ووظيفتها استقبال الضيوف والغرباء. ويخصص لها مدخل مستقل، كما كان يخصص لها درج صاعد إذا كانت في الطوابق العليا، وعني بها المعمار فجعل في حوائطها دخلات حائطية متقابلة في الجدران الأربعة تعطي تنغيماً للمكان وروحاً جمالية. وقد يوجد في المنزل الواحد مضيفتان أو ثلاث، كما في منزل العريف جمال الدين. وإذا وجدت مضيفة في الطابق الثاني فغالباً ما تترك من دون سقف كما في منزل القاضي عمر، وهي في هذه الحالة تكون صيفية.
وتنتشر حجرات المعيشة في طوابق المنزل "القصري" كلها. ويرتبط ذلك بالاستخدام الموسمي لها، ففي فصل الشتاء يغلب استعمال حجرات الطوابق السفلية، وبخاصة الطابق الأول. وعكس ذلك ما يحدث في فصل الصيف، حيث كان يفضل استعمال الطابق الارضي نهاراً والسطح ليلاً، وهو أحيط بسترة خصيصاً لهذا الغرض.
تنوعت الحواصل في منازل "القصر"، فمنها حواصل كانت تستخدم لتخزين الأغراض المنزلية المختلفة، ومنها نوع كان مخصصاً لتخزين العشاري، وهي المحاصيل الزراعية الخاصة بالنصاب الشرعي للزكاة. والتي كانت توزع على فقراء المسلمين. وتتركز هذه الحواصل في الطابق الأرضي لملاءمته من حيث درجة الحرارة والرطوبة لتخزين هذه المحاصيل. وكذلك توجد حواصل في الطوابق العلوية مخصصة لخزن حاجيات المنزل.
ويلاحظ أن الأسطح في منازل "القصر" أحيطت بسواتر علوية، حيث كانت تستخدم للنوم في فصل الصيف، واستخدمت بعض أسطح المنازل في تشوين الوقود أو تسطيح التمر، علماً بأن الارتفاع الشائع في منازل "القصر"، هو ثلاثة طوابق.
يبلغ عدد المساجد الجامعة في "القصر" خمسة مساجد تتركز في الجانب الجنوبي من المدينة. واهمها جامع الحمية القرشية، وجامع نصر الدين الذي يقع قرب سكن الأشراف، وجامع وضاح الذي يجاور حارة الجزارين. ومن اللافت ان مآذن المدينة الإسطوانية الشكل تشبه مآذن مدينة أسوان في جنوب مصر والتي تعود الى فترة مبكرة من العصر الإسلامي. وهي من حيث الشكل تشبه مآذن سمرقند وبخارى وخيوة في آسيا الوسطى، وهناك وجه آخر للشبه وهو انفصال مآذن جوامع "القصر" وجوامع آسيا الوسطى عن المسجد.
تعددت الحرف التقليدية في "القصر"، والتي ارتبطت بالحياة داخل المدينة وبأنشطتها الاقتصادية. ومن هذه الحرف صناعة السعفيات، والتي ما زالت تمارسها أُسر عدة حتى الوقت الحاضر، وتعد مصدر دخل لها. وهي تعتمد في مادتها الخام على الجريد وسعفه وكلاهما من منتجات النخيل المنتشر في الواحات الداخلة. ويصنعون من هذه المنتجات، "القفاف" و"المشنات"، وهي أوانٍ خوصية تستخدم في حفظ الخبز وحمل الغلال والتمور، وكذلك يصنعون منها أغطية الرأس وبعض الأواني المنزلية البسيطة التي يحتاجها المنزل.
وتعمل بعض الأسر في "القصر" في صناعة الحصر من "السمار" والذي ينبت بصورة طبيعية قرب المدينة. وتُصنع منه أنواع جيدة من الفرش التي كانت ولا تزال تستخدم في المساجد وأيضاً في بعض المنازل.
ومن الحرف التقليدية في "القصر" الحدادة التي لا تزال تمارس الى اليوم، حيث تصنع مستلزمات الأدوات الزراعية كالفؤس والمناجل وغيرهما. وكانت منتجاتها قديماً تدخل في عمارة منازل "القصر".
واختلفت حرفة النجارة اليوم في "القصر" عن الأمس، إذ أن متطلبات المنزل "القصري" تغيرت.
وكان هذا التغير بدأ في مطلع السبعينات حين سافر بعض شباب المدينة الى دول الخليج للعمل، وعادوا فبنوا منازل بالطوب المحروق، وسقفوها بالأسمنت والحديد، واستخدموا فيها مكيفات الهواء. والشارع الذي يضم تلك البيوت هو الفاصل بين المدينة القديمة والمنازل الحديثة. ولكن يبقى ان الكثيرين من أهل "القصر" ما زالوا الى اليوم متمسكين بطرز عمارة مدينتهم


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.