أصدرت المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم أخيراً موسوعة الفن العربي الاسلامي في ثلاثة مجلدات. ولم يلقَ هذا الحدث في الصحافة العربية، على رغم أهميّته، ما يستحقّه من الاهتمام. ما يدلّ على حالة كسل فكري، وعلى ضعف المؤسسات التشكيلية وعدم اهتمام وسائل الإعلام العربية بالفنون التشكيلية. ويستدعي صدور الموسوعة مجموعة من الملاحظات التمهيديّة لأي نقاش حول فنوننا الاسلامية التي نعرضها سريعاً في هذه العجالة. أول ملاحظة هي أن الكثير من الآثار والفنون الاسلامية لم يُدرس بعد، وبعضها لم يكتشف، خصوصاً في الصين وجنوب شرق آسيا وأفريقيا السوداء... بل وفي العالم العربي أيضاً، حيث ما تزال البعثات الأثرية الأجنبية اكثر عدداً من البعثات العربية. ويصطدم الباحث أو المهتمّ، بالنقص الفادح في الدراسات التي تتناول الفنون الاسلامية، وفي طريقة تناول كتب التراث لها. فالحديث في الجمال ظل مرتبطاً عند العرب باللغة المكتوبة، والشعر خصوصاً، حتى بدأ الفارابي في القرن العاشر الميلادي يتحدث عن الجمال في الموسيقى. ولم يبدأ العرب بالتأريخ للفن على أسس علمية الا في عشرينات القرن المنتهي. واعتمدوا في معظم دراساتهم على ابحاث الأوروبيين الذين سبقوهم حتى في دراسة الفن الإسلامي. وكذلك على ترجمة الكثير من هذه الدراسات الغربية عن هذا الفن. وهناك ميزة أساسيّة ينساها الباحثون، هي أن عبقرية الفن الإسلامي تكمن في استفادته من حضارات الدول التي فتحها المسلمون، وفي المزج بين عناصر جماليّة وفنية مختلفة لابتكار أشكال فنية جديدة. فعلى سبيل المثال، كانت الزخرفة النباتية والهندسية التي ميزت الفنون الإسلامية موجودة في الصين والهند قبل مجيء الإسلام. وقد أرسى سلاجقة الأناضول الأسس التي قام عليها فن السجاد وانتشر في العالم الإسلامي وحوض البحر المتوسط. وكانت المنسوجات في اوائل العصر الإسلامي تصنع وفق الأساليب والطرق الفنية التي اتبعها الساسانيون والأقباط. وأثرت أبراج الكنائس الشامية على طراز المنارات الأموية ومنارات مدرسة القيروان ذات القواعد المربعة التي اشتهرت بها. وكان تخطيط كنيسة القديسة آيا صوفيا التي بناها قسطنطين سنة 347م الإيحاء والحافز المبدع للمعمار العثماني خلال القرنين 15 و16 الميلاديين. هذا التأثير لم يقف عند الصور والأشكال والأساليب والألوان، بل تعداه الى ادخال تغييرات جذرية في الواقع. على سبيل المثال، لم تعرف العمارة الإسلامية الأضرحة قبل نهاية العصر العباسي الأول، عندما بنى الخليفة العباسي المنتصر لنفسه الضريح المعروف باسم قبة الصليبية. ويقال ان ام المنتصر اليونانية الأصل هي التي أشارت عليه بإقامة هذا الضريح . وعبقرية الفنان المسلم انه هضم الفنون الاخرى، بطرقها وأساليبها الفنية، ومزج عناصر مختارة منها مع تقاليده وخلفيته الروحيّة، فابتكر شخصيته الخاصة. وقد أثر الفن الاسلامي بدوره في الفنون الأوروبية، مثلما اثر فيها الفن الفرعوني، فلم ينتقص ذلك من الفنون الأوروبية، بل فتح لها مزيداً من النوافذ التي تجدد الهواء ويعطيها مساحات جديدة للإبداع. ولا بدّ هنا من العودة إلى نقاش، من المفروض أنّ صفحته قد طويت منذ بدايات القرن العشرين، لكننا لا نزال نقع هنا أو هناك على اصداء متأخّرة له. يدور هذا النقاش حول موضوع تحريم النحت وتصوير الكائنات الحية. وتكشف موسوعة "الفن العربي الإسلامي" أن هذا التحريم، وإن أثر بشكل طاغ على مسيرة الفنون لدى الشعوب الاسلامية، الا انه لم يطبق بشكل مطلق في أية منطقة اسلامية، ولا في أية فترة من الفترات. دائماً نشاهد او نقرأ عن تماثيل هنا وتصوير لكائنات حية هناك... مثل الصور التي على جدران الحمام الأموي في قصير عمرة الذي شيده الخليفة الأموي الوليد بن عبدالملك العام 93 هجرية 712 ميلادية على بعد خمسين ميلاً شرقي عمان. ونجد رسوماً أخرى على أحد جدران قصر الحير الغربي الذي بناه الخليفة هشام بن عبدالملك على الطريق من دمشق الى تدمر. ويحدد الدكتور صالح ساري "اختفاء الصورة فقط في الفترة الواقعة بين 77 و232 هجرية، حيث لم يكن المسلمون الذين اختفت الصورة في عهدهم أكثر ايماناً من الذين سبقوهم او الذين أعقبوهم. وفي عصر الخلفاء الراشدين كانت الصور موجودة سواء كان ذلك على النقود المتداولة او المنسوجات والمصنوعات الاخرى". وقد حاول بعضهم تبرير الموقف من تصوير الكائنات الحية بابتعاد الفن الهليني في آسيا الصغرى والشام ومصر قبل ظهور الاسلام بحوالي ثلاثة قرون عن تصوير الانسان والحيوان، وعن العناية بتصوير الأجسام واحترام اصول التشريح، وانصرفت الى الموضوعات الزخرفية النباتية والهندسية، الخ. وهذا غير صحيح على الأقل بالنسبة إلى مصر. وأياً ما كان الأمر فإن التصوير الاسلامي ابتعد تماماً عن استخدام التصوير في توضيح او تفسير مسائل العقيدة، على العكس مما حدث في الفن المسيحي. كما اننا لا نجد تصويراً لكائنات حية في أي مسجد. حتى لوحة الفسيفساء للمناظر الطبيعية الوحيدة الموجودة على احد جدران المسجد الأموي في دمشق، والمعروفة باسم نهر بردى، لا نجد فيها أي كائن حي غير النبات. ويمكن تبرير وجود هذه اللوحة في المسجد بقرب العهد بالحضارتين البيزنطية والساسانية. والأمر ما زال مفتوحاً للنقاش ولمزيد من الاجتهادات والمعرفة