مساعد وزير الداخلية لشؤون التقنية يزور قيادة القوات الخاصة للأمن البيئي    محافظة صوير تسدل الستار على مهرجان شتاء الجوف الثاني    استقرار أسعار النفط    جهاز اتصالات مشفر يسهم في إنقاذ طيار أمريكي سقطت طائرته جنوب غربي إيران    الاتفاق يتغلب على القادسية بثلاثية    اكسيوس: مفاوضات دولية لبحث هدنة مؤقتة بين الولايات المتحدة وإيران    الكم الكيفي ياجمعياتنا الأهلية    أفلام الأكشن تستهوي محبي السينما    أبو زهرة بالعناية المركزة    شروط جديدة تعيد تشكيل زواجات جدة    اللثة تؤثر على مرضى الكلى    أمير الرياض يرعى حفل خريجي جامعة الفيصل ويضع حجر الأساس لمشروعات المنشآت الرياضية بالجامعة    تقرير «مدني الرياض» على طاولة فيصل بن بندر    أمير الباحة يطلق فريق «طوق التطوعي»    التقرير السنوي للتجارة على طاولة الشورى    بلدية الدمام تحقق نقلة نوعية في تنظيم الأسواق    بتبرع ولي العهد.. أمير الجوف يسلم وثائق تملك الوحدات السكنية للمستفيدين    المملكة تدين محاولة تخريب سفارة الإمارات في دمشق    ثماني «أوبك بلس» تقر زيادة الإنتاج 206 آلاف برميل يومياً    الإعلام والأزمات المنسية في الحرب الأميركية - الإيرانية    حليب الإبل.. مشروب الربيع في «الشمالية»    الهلال يشعل الإعلام العالمي.. هدف برازيلي وتألق فرنسي وغضب برتغالي    غالتييه: نقاط الفيحاء تعزز ثقافة الانتصار    طائرة تقتحم مطعماً في البرازيل وتخلف 4 قتلى    عبر فصائل عراقية مسلحة موالية لإيران.. تحذير أمريكي من محاولات اغتيال دبلوماسيين بالعراق    غارات على بيروت ونزوح واسع للسكان بالجنوب.. عون: رضا ليس سفيراً ويعمل دون مهمة رسمية    حين يتحول الفراغ إلى إساءة    اختفت وهي طفلة وظهرت بعد 32 عاماً    بدء تسجيل الطلبة المستجدين للعام الدراسي المقبل    اعتماد الصحي للقيادة مركزاً متعاوناً مع «المنظمة العالمية»    ولادة أول وعل بمحمية الوعول في 2026    بالتعاون مع كبرى الشركات الوطنية.. إطلاق إستراتيجية مجلس تنسيق المحتوى المحلي المحدثة    بقيادة فتحي الجبال.. الأخدود يحقق فوزاً ثميناً على الفتح    تأكيد على التنسيق المشترك بما يدعم الاستقرار.. وزير الداخلية ونظيره السنغافوري يستعرضان التطورات الأمنية بالمنطقة    التعليق الذي أزعجك…قد يكون أهم ما قيل لك    البرستيج القاتل    «موهبة» تطلق برنامجها الإثرائي المهاري في 3 مدن    كندا تستثمر فشل منتخب إيطاليا بطريقة ذكية    راحة البال    توقيع 5 آلاف اتفاقية بمنتدى العمرة والزيارة    ميناء جازان للصناعات الأساسية.. تعزيز الاستثمارات والقدرات اللوجستية    طيور تحمي أعشاشها بسموم السجائر    دراسة: لقاح الإنفلونزا يمنح مناعة تمتد لعقود    مستشفى الملك فهد الجامعي يقود مسيرة متقدمة في زراعة القوقعة ورعاية فاقدي السمع    زلزال كابول يقتل 12 شخصا    زيلينسكي في دمشق.. حضور أوكراني وتراجع روسي    اختتام فعاليات المؤتمر العشرون للجمعية السعودية لجراحة المخ والأعصاب    مهرجان الزهور وجهة سياحية تنعش ينبع الصناعية    الأخدود يكسب الفتح بهدف في دوري روشن للمحترفين    وزير الداخلية يتلقى اتصالاً من نظيره السنغافوري بشأن الاعتداءات الإيرانية    5 آلاف اتفاقية بمنتدى العمرة    نائب أمير نجران يطَّلِع على مشروعات شركة المياه الوطنية بالمنطقة    نائب أمير جازان يستقبل مدير فرع الهيئة العامة للنقل بالمنطقة    ليدار للاستثمار تختتم مشاركتها في مكة بيلدكس 2026 بإقبال لافت على مشروع دار مكة    «إرشاد الحافلات» يستقطب الكفاءات لموسم الحج    استعرضا العلاقات الثنائية وناقشا تداعيات التصعيد العسكري.. ولي العهد ورئيسة وزراء إيطاليا يبحثان المستجدات الإقليمية    رئيسة وزراء جمهورية إيطاليا تغادر جدة    رئيسة وزراء جمهورية إيطاليا تصل إلى جدة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



لماذا شق تيسير مدثر عصا الطاعة على شقيقه لينضم الى البشير ؟. انشقاق "البعث" السوداني يفتح جرح الموقف ازاء بغداد والعلاقة بالمعارضة السودانية
نشر في الحياة يوم 01 - 03 - 1999

كاد السودانيون ان ينسوا بعد وقوع حركة الفريق عمر حسن البشير في حزيران يونيو 1989 ان بين الاحزاب التي حلّتها "ثورة الانقاذ الوطني" حزباً للبعثيين السودانيين الموالين لحزب البعث العربي الاشتراكي الذي يستأثر بالسلطة في العراق. وعلى رغم ان "البعث السوداني" حاول في آذار مارس 1990 اطاحة النظام من خلال انقلاب عسكري ادى فشله الى اعدام افضل رجال الحزب في المؤسسة العسكرية، الا ان الخلاف بين البعثيين وتحالف "التجمع الوطني الديموقراطي"، خصوصاً عقب غزو العراق للكويت، حدا بالبعثيين الى النأي عن الساحة السياسية السودانية، وإن استمروا في كتابة شعاراتهم الرافضة للنظام السوداني على جدران المنازل والأسواق. وحين بدا "التجمع الوطني الديموقراطي" مستعداً لاستيعابهم من جديد ليعززوا نضاله ضد الحكومة، اتضح ان خلافاً طاحناً يعصف بحزب البعث السوداني، انتهى بصدور قرارات فصل من عضويته لم ينج منها امين سره الذي يتولى منصباً حزبياً رفيعاً في القيادة القومية لحزب البعث الحاكم في بغداد.
واتضح اخيراً ان الخلاف في شأن حرب الخليج والغزو العراقي للكويت لم يعصف بالعلاقة بين حزب البعث السوداني وتجمع احزاب المعارضة السودانية فحسب، بل ذهب بوحدة هذا الحزب العقائدي الصغير الذي بقي في الساحة متخذاً اشكالاً عدة حسب الظروف والمتغيرات الى ان برز للعلن اثر الانتفاضة التي اطاحت نظام الرئيس السابق المشير جعفر نميري العام 1985.
وزاد تفجر الخلاف علناً بين اجنحة متصارعة في قيادة الحزب الاهتمام بهذا التنظيم الذي يدعو الى اعتناق الفكر القومي العروبي في بلاد يعمرها سكان تخلطت فيهم الدماء العربية والافريقية حتى لم يعد سهلاً عليهم القطع بهويتهم.
وبقي موقف امين سر الحزب بدرالدين مدثر يمثل اكبر علاقات الاستفهام، فقد صام عن الحديث في الشأن السوداني منذ مغادرته السودان عقب حركة الفريق البشير ليقيم في بغداد بصفته عضواً في القيادة القومية لحزب البعث "الأب". ولم يخرج عن صمته حتى بعدما اتهمت الحكومة السودانية نحو 30 ضابطاً في الجيش بتدبير محاولة انقلاب انتهت باعدام أبرز الضباط الذين غرسهم الحزب في المؤسسة العسكرية. بل لم يقطع صمته حتى حين اتخذ شقيقه المحامي تيسير مدثر الذي كان ابرز قادة الحزب داخل البلاد قراراً بالاستقالة من عضوية الحزب لينضم الى مؤسسات "ثورة الانقاذ الوطني" التي تقف وراءها الجبهة الاسلامية القومية.
وبرز، اثر الشقاق الأخير، جناحان في قيادة الحزب يتزعم احدهما الكاتب والقيادي محمد علي جادين زعيماً للجناح الاقوى الذي انحاز اليه القادة التاريخيون للفكر القومي العروبي والبعثي في السودان، وأبرزهم المحامي شوقي حسب الله ملاّسي الناشر السابق لمجلة "الدستور" التي كان حزب البعث السوداني يصدرها في لندن حتى وقوع الغزو العراقي للكويت. ويتزعم التيار الثاني عثمان ادريس ابو راس الذي يؤيده امين سر الحزب و"القيادة القومية" في بغداد.
بدأ التيار القومي العربي يتحسس خطاه في الساحة السودانية مطلع الستينات، متأثراً بتجربة الرئيس المصري الراحل جمال عبدالناصر. وكان ظهوره أول الأمر في الوسط الطالبي اثناء حكم الرئيس الراحل الفريق ابراهيم عبود. وكان التيار البعثي آنذاك جزءاً من التيار القومي الناصري، اذ بقيت العلاقات ودية للغاية بين الجانبين حتى بعد انهيار الوحدة بين مصر وسورية في ما سمي "الجمهورية العربية المتحدة".
وفي نحو العام 1960 او 1961 بدأت الخلية الأولى في تنظيم البعثيين السودانيين البحث عن صيغة تنظيمية فاعلة. وكان بدر الدين مدثر يتزعم ذلك النشاط، محاطاً بزملائه شوقي ملاسي يقيم في لندن والمرحوم محمد سليمان الخليفة وهو حفيد رئيس الدولة المهدوية التي قضى عليها الغزو البريطاني سنة 1898، الى جانب قيادات اخرى منهم عبد العزيز حسين الصاوي ومحمد علي جادين وغيرهما.
غير ان بداية "البعث السوداني" كان محكوماً عليها بالبطء، اذ ان الجو الفكري الذي يسود البلاد لم يكن عروبياً بوجه خالص. كما ان نفوذ الحزب الشيوعي السوداني وتنظيم "الاخوان المسلمين" كان يهيمن على الساحة العقائدية، خصوصاً الوسط الطالبي. وهكذا اضطر البعثيون الاوائل الى اطالة امد زيجتهم مع الناصريين التي عرفت بتجربة "الاشتراكيين العرب". وأمكن ذلك بفضل التوازن بين البعثيين والناصريين، مما أتاح استمرار هذا التحالف حتى اندلاع ثورة تشرين الأول اكتوبر 1964 التي أطاحت الفريق عبود.
بدأت الحركة البعثية تكتسب شكلاً جديداً بعد التغيير السياسي الذي حصل في البلاد، خصوصاً ان معظم عناصرها التأسيسية تخرجت في جامعتي الخرطوم والقاهرة فرع الخرطوم وبدأت تلج سلك الحياة الوظيفية. وبدأت هذه المجموعة الصغيرة تصدر نشرة سرية عنوانها "وعي الطليعة" كانت توزع على نطاق ضيق لمعالجة القضايا الخاصة بالبعثيين.
وفي 1965 عقدت الحركة اول مؤتمر تنظيمي لها، تلاه مؤتمرها الذي عقد سنة 1968. واستمر صدور "وعي الطليعة" حتى العام 1975. وشيئاً فشيئاً بدأت النواة البعثية في السودان تبحث عن أداة عمل منظّم قادرة على استخدام مقدرات ايديولوجية تتيح للبعثيين مناطحة التيارات الاخرى والصمود بوجهها.
وكان الفكر الناصري يفتقر الى الايديولوجيا، على رغم الشعبية الهائلة لزعيمه في معظم الدول العربية. لذلك لم يشأ البعثيون البحث عن صيغة جديدة لتعزيز تحالفهم مع الناصريين. كما ان ترددهم وخوفهم - كمواطنين سودانيين - من اليد المصرية وراء التنظيم الناصري قادهم الى ان صيغة "حزب البعث" هي الاقرب الى تلبية حاجاتهم. وهكذا بدأ التنظيم الوليد يقوى ويكبر حتى صدر أول بيان باسمه سنة 1975، وهو البيان الذي يرى المؤرخون السياسيون في الخرطوم انه كان ايذاناً بپ"تبعيث" حركة الاشتراكية العرب.
ومع ان عملية "التبعيث" ارتبطت باختيار البعثيين السودانيين الانحياز الى القيادة المؤسسة للحزب "الأب"، التي انتقلت من سورية الى العراق، الا انهم لم ينتبهوا منذ البداية الى ضرورة معالجة مسألة استقلال القرار "البعثي السوداني" عن "القيادة القومية". وفضلوا في غمرة صعوبات التأسيس ان يتجاهلوا ايضاً تحديد موقفهم في ما يتعلق بهوية السودان.
لا يمكن القاء تبعة تأجيل بت هاتين المسألتين على مؤسسي "البعث السوداني"، فهما لم تكونا اشد الحاحاً من قضايا اخرى. كما ان تجاهلهما لم يحدث تأثيرات عكسية في الحال، بسبب الانهماك في النشاط السرّي والنضال السياسي. وطبقاً لقيادات سودانية ساهمت في تأسيس النشاط البعثي السوداني فان مشكلة التمويل وتأثيرها في استقلال القرار القطري لم تكن قد نشأت اثناء سنوات البداية، بل كان بعثيو السودان يقومون بتحويل مبالغ مالية في الستينات الى اعضاء القيادة القومية اثناء انقسامها الحاد.
ويقول قيادي بارز في التيار البعثي السوداني: "كنا ننظر الى التنظيم في بغداد باعتباره حزباً ولم يكن يهمنا العراق كدولة. كان هناك فصل تام بين العمل الشعبي والرسمي، وهو مبدأ بقي سارياً منذ الفترة التي سبقت استلام الحزب للسلطة في العراق". غير ان الحزب ظل على صلة وثيقة بالقيادة القومية في سورية والعراق. وأتاح تماسكه واستناده الى خلايا صغيرة وفرق وشعب بقاء التنظيم من دون ان يتأثر بالشقاق الذي حصل بين دمشق وبغداد. بل اتاح ذلك قيام البعثيين السودانيين بدور في مساعدة القيادة القومية على حسم مشكلات تنظيمية في اقطار اخرى. ويذكر في هذا السياق الدور الذي قام به القيادي البعثي الراحل محمد سليمان الخليفة في تأمين القيادة القطرية للحزب ومقاومة انقلاب العام 1966 في دمشق، وهي الاحداث التي قتل فيها الطالب السوداني حسني أبو زيد. وبعد استتباب الأوضاع اختير محمد سليمان الخليفة في 1968 عضواً في القيادة القومية لحزب البعث، وتم تهريبه من سورية الى لبنان حيث حضر مؤتمر القيادة الذي عقد عامذاك في بيروت.
ويذكر ان الخليفة، وهو حفيد الخليفة عبدالله التعايشي الذي حكم السودان من 1886 الى 1898، لقي مصرعه في ظروف غامضة العام 1971 عندما تحطمت طائرة عراقية ذكر انها كانت محملة بالأسلحة في طريقها من بغداد الى الخرطوم لدعم الانقلاب الشيوعي الذي تزعمه الرائد هاشم العطا، ولم يدم سوى ثلاثة ايام تمكن بعدها الرئيس جعفر نميري من استعادة سلطته.
ولم يكن موقف اليسار السوداني، بوجه عام، مطمئناً للبعثيين، غير انه كان عملياً اقرب التيارات اليهم. كما انهم على رغم سلسلة الانقلابات العسكرية التي شهدها مهد البعث سورية والعراق، كانوا حذرين من فكرة تنفيذ انقلاب في السودان. ومع هذا فهم لم يتخذوا موقفاً مناوئاً لانقلاب النميري. وحاولت جماعة منهم تأييده علناً، غير ان بقية الجماعة تحفظت عن ذلك، وبذلك دب الخلاف سريعاً بين نظام نميري والبعثيين، خصوصاً ان الفترة المبكرة في عمر النظام، حين بدا متحمساً للعروبة والقومية العربية، كانت عروبته ناصرية شديدة الالتصاق بالقاهرة. وسرعان ما انعكس الخلاف بين مصر الناصرية والعراق البعثي على العلاقات بين الشيوعيين والناصريين السودانيين وبين البعثيين. ويعتقد مراقبون ان قرار البعث السوداني ابداء معارضته لنظام أيار مايو 1969 - اثر تلك الخلافات - اتاح له ان يتحول حركة سودانية فاعلة تأتى لها الانتشار في الأرياف والتمدد في قطاعات القوى الحديثة والعمال.
وهكذا أمكن لهذه المنظومة العقائدية الصغيرة ان تقوم بدور مؤثر في تأجيج المعارضة لنظام نميري حتى سقوطه العام 1985. وعزز ذلك الدور بتحالفه مع الحزب الاتحادي الديموقراطي بزعامة المرحوم الشريف حسين يوسف الهندي. وأتاحت تلك الخبرة البعثية بالنظام مساهمة بعثية فاعلة في تصفية آثار عهد النميري، ومواجهة التيار الاسلامي الذي يعتبره البعثيون من مقوّمات التطور السياسي والاجتماعي للبلاد.
ونجح البعثيون اثناء العقد الأخير من عمر نظام النميري في دفع ناشطيهم للالتحاق بالقوات المسلحة ونقابة السكة الحديد التي كانت حكراً للشيوعيين وحدهم.
واستغلّ البعثيون تلك السنوات في بسط عضويتهم في مناطق غرب السودان حيث تتعايش قبائل عربية وزنجية. وعلى رغم غلبة السحنة الزنجية على القبائل الغربية، فان المحللين يرون ان نجاح البعث في استقطاب تأييد هناك يعزى الى وجود العنصر العربي بشكل فاعل ومؤثر. كما ان غالبية سكان الغرب السوداني موالون اصلاً لحزب الأمة الذي يتزعمه آل المهدي، وهم معادون تاريخياً للناصرية، فوجدوا ان الفكر البعثي اقرب اليهم من قومية عبدالناصر.
وحين اجريت أول انتخابات نزيهة العام 1986 - بعد 16 عاماً من الحكم العسكري - اخفق حزب البعث في الحصول على الاصوات الكافية لدخول اي من مرشحيه الجمعية التأسيسية البرلمان. وعلى رغم الاموال الطائلة التي انفقها البعثيون على حملاتهم الانتخابية، فقد بدا واضحاً انهم كانوا احرص على اشهار الحزب وتعزيز نشاطه منهم على الفوز بمقاعد نيابية. ويقتضي الانصاف القول ان تلك النتيجة كانت متوقعة اصلاً، لأن الحزب خاض الانتخابات بلا خبرة في هذا الشأن. ويضيف معلقون ان تلك النتيجة لم تكن مفاجئة لأن اليسار - والفكر التقدمي عموماً - كان قد بدأ يدخل مرحلة جديدة بعد التحولات التي شهدها الاتحاد السوفياتي السابق وبلدان المعسكر الشرقي. وكان التيار الاسلامي بدأ يقوى ويعزز تمدده الجماهيري مستفيداً من اثارة الجدل حول مدى ملاءمة الاشتراكية للواقع السوداني.
ومن العوامل المهمة ان الانتخابات النيابية تعتمد بشكل تقليدي في السودان على الرموز والاقطاب، ولم يكن حزب البعث قد نجح حتى العام 1986 في تكريس رموزه وقياداته على الصعيد الشعبي.
الخصام مع الجبهة الاسلامية
كان حزب البعث السوداني حريصاً طوال العهد الديموقراطي الثالث 1986 - 1989 على رصد نشاط الجبهة الاسلامية القومية، خصوصاً في صفوف القوات المسلحة، وذلك بحكم نجاحه في بناء منظومة بعثية داخل الجيش. وربما لذلك تسنّى للحزب تسريب خبر صغير نشرته مجلة "الدستور" في 1985 حذر من محاولة انقلاب ينفذها الضباط الاسلاميون. وفي 20 حزيران يونيو 1989 عقد كبار قادة الحزب اجتماعاً مع رئيس الوزراء آنذاك الصادق المهدي سلّموه خلاله معلومات كاملة عن اسماء ووحدات الضباط الذين نفذوا ما عرف بعد 10 أيام فحسب بپ"ثورة الانقاذ الوطني".
وكان واضحاً ان ثمة ثأراً وترصداً بين ضباط الجانبين في الجيش. ويذكر السودانيون ان الضباط البعثيين الذين فصلوا من الخدمة العسكرية بعد 4 اشهر من انتفاضة العام 1985 رفعوا دعوى قضائية ضد صحيفة "الراية" الناطقة بلسان الجبهة الاسلامية القومية. وكان هؤلاء الضباط البعثيون هم انفسهم العناصر التي نفذت انقلاب 1990 الذي انتهى باعدامهم.
ولم يكن تسلل البعثيين الى القوات المسلحة مجرد "شطارة" حزبية، كما هي حال الاسلاميين مع الجيش. ذلك ان علاقات التعاون بين الجيشين السوداني والعراقي قديمة. وكانت بغداد توفر فرصاً دراسية وتدريبية لكبار القادة والضباط العاديين، وشمل ذلك قائد سلاح الجو السوداني السابق الذي اعدم اثر احباط انقلاب العام 1990. كما ان عدداً من ابرز ضباط الجيش تدربوا في العراق، ومنهم النائبان السابقان لرئيس الجمهورية الفريق عمر محمد الطيب والفريق عبدالماجد حامد خليل.
وعلى رغم مساهمات الحزب النشطة في المعارضة المناوئة لنظام الفريق البشير، اذ كان من مؤسسي "التجمع الوطني الديموقراطي"، الا ان "البعث" بدأ يشعر بتوتر علاقاته مع القوى الاخرى داخل البلاد اثر انقلاب 1990 الفاشل. وأدى تباين وجهات النظر حيال حرب الخليج والموقف من الغزو العراقي للكويت الى اتخاذ الزعيم التاريخي للحزب في الخارج - المحامي شوقي حسب الله ملاسي - قراراً بتجميد مشاركة "البعث" في "التجمع".
ويشار، بصفة خاصة، الى ان من اسباب الخلاف بين البعث" وبقية قوى المعارضة السودانية معارضة "البعث" تعديل ميثاق "التجمع" في 1990 للسماح بضم "الجيش الشعبي لتحرير السودان" الى تحالف المعارضة السودانية في الخارج. ورأى ملاّسي ورفقاؤه ان اي تعديل في ميثاق التحالف ينبغي ان يأتي مجمعاً عليه من الداخل، استناداً الى ان اللائحة التأسيسية للتجمع تؤكد مرجعية القيادة الداخلية وليس الخارجية.
وإثر اندلاع حرب الخليج وما اعقبها من استقطاب على الصعيد العربي، تبنى التجمع السوداني المعارض موقفاً معادياً لبغداد. واعتبر البعثيون السودانيون ان ميثاق التجمع يمنع اتخاذ مواقف لم يحصل اجماع عليها، خصوصاً انها لم تتخذ بقرار من قيادة المعارضة داخل السودان.
وواصل البعثيون السودانيون القيام بدور فردي ضد النظام، مضحّين بكوادرهم وقياداتهم التي سيقت الى المعتقلات على رغم ان الحكومة تقف رسمياً في صف بغداد. واستمروا في اصدار صحيفتهم "الهدف" سراً. غير ان التصدعات بدأت تظهر في صفوف البعثيين بعدما سعى القيادي البعثي عمر مهاجر الى مصالحة بين النظام و"البعث"، اثر وساطة نشطة من النقابي الشيوعي الراحل المهندس محمد احمد طه، وعندما اعلن البعثيون رفضهم لمبادرة مهاجر، استقال الاخير من الحزب وقبل عرضاً بالانضمام الى "المجلس الاعلى للسلام" مؤسسة حكومية وعين لاحقاً عضواً في المجلس الوطني الانتقالي برلمان معيّن.
وتلقى "البعث" ضربة أسوأ في 1994، حين اعلن قطبه المحامي تيسير مدثر شقيق زعيم الحزب المقيم حالياً في بغداد استقالته من الحزب لينضم - مثل رفيقه مهاجر - الى النظام. ويتردد في هذا السياق ان المحامي مدثر لم يكن على علم بخطط عسكر الحزب تنفيذ المحاولة الانقلابية الفاشلة في 1990، بل فوجئ - حسب مصادر بعثية مطلعة - بأنباء محاولة الانقلاب التي سمعها اثناء مشاركته في تشييع طبيب شاب اتهمت المعارضة السلطات بقتله.
غير ان البعث" السوداني بقي، على رغم خلافاته الداخلية وانشقاقاته، موحداً في موقفه ضد الحكومة السودانية، وذلك على رغم ان العلاقة بين الخرطوم وبغداد وثيقة حالياً الى درجة اشد مما حصل في عهد الرئيس نميري. وربما لذلك لم يؤثر خروج تيسير ومهاجر من "البعث" في سياسات الاخير المناوئة للنظام. ويرى ناشطوه ان انقسامه الاخير جناح جادين وجناح ابوراس يأتي امتداداً لأزمة اليسار بوجه عام بعد انهيار النظم الاشتراكية وانتصار التيارات الليبرالية.
وعلى رغم تبادل الاتهامات بين الجناحين في شأن الموقف من بغداد، الا انه يبدو واضحاً ان "البعث" السوداني - بجناحيه - مهموم حالياً بقضاياه الأساسية التي بقيت بلا معالجة منذ عقود، وأهمها:
- صياغة موقف واضح من النظام العراقي والقيادة القومية لحزب البعث "الأب" في بغداد.
- اعطاء الأولوية القصوى لمشكلة الديموقراطية في السودان، خصوصاً بعدما كتب انهيار الاتحاد السوفياتي النهاية لتوجهات الديموقراطية المركزية والمطامح اليسارية الأخرى.
اما في ما يتعلق بقائدي جناحي الحزب، فيذكر ان جادين ينتمي الى مجموعة الخلية البعثية الثانية، وهو بذلك اقدم زمنياً في عضوية الحزب من منافسه ابوراس. وكان آخر عطاء فكري له بحثاً قوّم فيه اداء التجربة الديموقراطية الثالثة في البلاد. وكان يشغل المركز الثالث في القيادة القطرية للحزب بعد زعيميه التاريخيين بدر الدين مدثر وشوقي ملاسي. اما ابوراس فهو كادر بعثي قديم ينتمي الى ما يعرف في الحزب بپ"مجموعة الأبيض" التي قامت بدور مهم في تاريخ البعث السوداني. وكان مسؤول النقابات والحركة الجماهيرية.
ويبدو من سياق البيانات والسجال بين الجناحين ان ابوراس اقرب الى الخط الرسمي للسياسة العراقية، بتشديده على الافق التعبوي وصمود النظام بوجه الهجمات الخارجية الشرسة. فيما يركز جادين وأتباعه على القضية السودانية، ويحاول التجرؤ على قضية الهوية الوطنية للبلاد.
وبالطبع فان اهم نقاط الخلاف بين الجانبين تتمثل في تمسك جناح جادين بأن الاطار السليم للعمل السياسي المعارض يجب ان يكون عبر "التجمع الوطني الديموقراطي"، فيما يدعو ابوراس الى قيام مركز آخر للمعارضة، خصوصاً انهم على عداء سافر مع تجمع قوى المعارضة السودانية


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.