أوحى هذا المكان المضمخ بعبق التاريخ، في العام 1939، للموسيقار الاسباني جواكين رودريغو، الذي يبلغ من العمر 96 عاماً، بتأليف "كونشيرتو آران خويز" الذي يعد أروع عمل موسيقي تفتقت عنه مواهب الموسيقيين الأسبان خلال القرن الحالي. وتعيد موسيقى هذا "الكونشيرتو"، الذي تتفجر داخله عذوبة القيثارة الاندلسية، إلى الوجود تلك الحياة التي عمر بها قصر "آران خويز" الملكي الاسباني في القرن الثامن عشر. وهذه جولة في أرجاء القصر وحدائقه الغناءة تصحبها في الخلفية موسيقى رودريغو. بني قصر "آران خويز" على الواحة التي تشكلت نتيجة التقاء نهري تاغوس وياراما ليصبح بحدائقه الغنّاء الملاذ المفضّل لملوك اسبانيا. وكان سحر هذا القصر قد ألهم الموسيقار الاسباني خوان رودريغو مقطوعة "آران خويز" الموسيقية الشهيرة في اسبانيا. يقع القصر على بعد 48 كيلومتراً الى الجنوب من مدريد، وسط حدائق غناء خلابة، من أشجار البلوط والبساتين والخضار والفواكه، على ضفاف نهري تاغوس وياراما. قصر السحر الأخّاذ في عام 1387م أمر دون لورنزو سواريش دي فيغارو الحاكم العسكري للمنطقة ببناء قصر مهيب. وحين صار الملوك الكاثوليك من بعده حكاماً وقادة للجيش أضحى القصر مقراً لهم. ولا شك في أن موقع ذلك القصر بعث قدراً كبيراً من الارتياح لدى الملك فيرديناند الذي أمر بتزيين سلالم القصر وقاعاته وجدران غرفه بالشعارات العسكرية. وحين تولى تشارلس الخامس العرش أحب القصر فكلف مهندسه المعماري لوي دي فيغا باضفاء صبغة ريفية وترويحية على المبنى المهيب الذي كانت تحيط به آنذاك أشجار الزيتون والحدائق والمراعي العشبية. وفي نحو العام 1540 شرع دي فيغا في بناء "سد البايس" ليرفع منسوب مياه النهر، ثم لجأ الى ابن أخيه جاسبار دي فيغا لمساعدته في زراعة صفوف الأشجار الباسقة في المنطقة. وقد أحب فيليب الثاني القصر حباً جماً لا سيما بعدما كتب له الشفاء من الجدري إثر اقامته فيه مع والدته الامبراطورة في ربيع العام 1531. قصر فيليب الثاني عندما تولى فيليب الثاني العرش في 1560، قرر بناء قصر جديد، فكلّف خوان باتيستا دي توليدو برسم الخرائط لكنيسة القصر الجديد. وأمرالملك بالشروع أولاً في بناء الكنيسة. لكن البناء تأخر فترة لأن الملك اختار ما بين الشروع في البناء أولاً أو تأمين الملاحة بأمان في نهر تاغوس قبل البناء. وهكذا تأجل البناء حتى العام 1574، عندما كلف المعماري هيريرا بوضع الخطط الجديدة للقصر. وبوفاة الملك اكتمل البناء الذي كانت تتصدره ساعة موسيقية خاصة بقيت في مكانها حتى فترة قريبة. بعد ذلك توقفت أعمال البناء والعمران في القصر لأكثر من قرن كامل أي حتى تولى فيليب الخامس العرش. وفيليب الخامس هو حفيد لويس الرابع عشر، مما يعني أنه كان أول ملك من أسرة البوربون يحكم اسبانيا. وفور توليه الحكم أصدر أوامره الى دون بيدرو كارو ايدروغو بمتابعة أعمال هيريرا. وشرع في هدم القصر القديم وبناء قصر جديد، فاكتملت واجهته الغربية. أما الجزء الأساسي من القصر الذي نعرفه اليوم فقد بني بأرصفته ومصاطبه على الجانب الشرقي. أجمل الحدائق وفي عهد فيرديدناند السادس تعرضت بعض أجزاء القصر للنيران، مما دفع الملك الى تكليف سانتياغو بونافيا بإعادة ترميمه، فبنى السلالم الرئيسية فيه وادخل تعديلات على واجهته، كما أضاف أقواساً وأعمدة جديدة لتحمل الشرفات التي أقيمت على الطابق الثاني من القصر، وأمر ببناء ثلاثة تماثيل لكل من فيليب الثاني وفيرديناند السابع وفيليب الخامس. كان من البديهي أن يؤدي تطور الأذواق والفنون الى ادخال تغييرات وتعديلات مهمة على الديكور الداخلي للقصر. ومن أهم تلك التعديلات الذي أمرت به الملكة باربرة دي برانزا، وكذلك التعديلات التي أمر الملك كارلوس الرابع بادخالها أيضاً مع الملكة ماريا لويزا. وحين وجد الملك كارلوس الثالث أن القصر لا يتسع لحاشيته وموظفيه، قرر اضافة جناحين في شمال بلازا دي آرما وجنوبها، باشراف المعماري فرانشيسكو دي سباتيني الذي أضاف الى القصر مدخله الذي يشبه حذوة الحصان عملاً بالتقليد السائد آنذاك في أوروبا وقصورها الضخمة مثل فرساي ودريسدن وبيترسبيرغ. إن حدائق هذا القصر ذائعة الصيت. ومن المعروف عن الملوك والملكات في اسبانيا أنهم كانوا يعشقون قضاء أوقاتهم في تلك الحدائق الغنّاء. ولهذا لا غرو في ان يطلقوا اسم "صالون الملوك الكاثوليك" على الميدان الصغير الواقع عند مدخل الحدائق. وحين قرر فيليب الثاني اعادة هندسة تلك الحدائق واضافة ممرات وازقة اليها، وزراعة الخضروات والزهور، كلف خوان دي فلاندارز بالمهمة، فعزز جمال الحدائق بإضافة مزيد من التماثيل الحجرية والبرونزية والنوافير. وفي 1744 اقيم جسر حجري قرب الواجهة الشمالية للقصر، ونصبت فوقه تماثيل مختلف الملوك والابطال. والى جوار الجسر تقع نافورة هرقل التي بُنيت في 1661. ومن تلك النافورة تتفرع ممرات عدة وأزقة. وفي احد تلك الممرات دفنت انابيب الريّ بالقطر والرش. وهناك عدد كبير من النوافير التي تحمل اسماء فينوس ودايان ونيبتون وباخوس. وعلى مقربة من كل ذلك كان الامراء والملوك يستمتعون بالتجذيف في قواربهم في بحيرة هونتيغولا. وفي وسط البحيرة توجد جزيرة حالمة اقيمت خصيصاً للاحتفال بالمناسبات المهمة واقامة الحفلات وعرض المسرحيات. وكثيراً ما كان الملوك يمارسون هوايتهم المفضلة في صيد الاسماك ومشاهدة لعبة مصارعة الثيران. مكانة تاريخية مهمة وفي عام 1805 صادق الملك تشارلز السادس على معاهدة آران خوز التي اقامت التحالف رسمياً بين اسبانيا ونابليون في حربهما ضد انكلترا، وعندما جرت مظاهر واضطرابات واسعة النطاق في 1808 ضد غودبي رئيس وزراء تشارلز السادس، توجهت قوات نابليون من فرنسا في طريقها الى مدريد لكنها مُنيت بالهزيمة. وفي الجزء المعروف بحديقة الأمير من بساتين القصر أقيمت "دارة الحرّاث" التي كان بناؤها تلبية لنزوة من الملك كارلوس الرابع. وتتميز هذه الدارة بمدخلها الرخامي الذي يرمز الى شخصيات تاريخية وبقاعة تماثيلها وقطع التحف الاثرية التي جلبت من العهد الاغريقي والفسيفساء الرومانية وساعتها المصنوعة في باريس. ويعجّ هذا القصر بالاثار والتحف والمجموعات الفنية القيّمة والادوات والقطع الذهبية والنحاسية والبرونزية والتماثيل والسجاد وما الى ذلك. ومن اشهر غرفه قاعة العرش التي تطلّ على الحديقة بأثاثها التاريخي الفريد، والقاعة العربية التي يعود ديكورها الى الملكة ايزابيلا الثانية التي استلهمته من قاعة الشقيقتين في قصر الحمراء ومكتبة الملك، وقاعة الملكة الموسيقية التي لا يزال يوجد في وسطها بيانو اهدته الامبراطورة يوجين دي مونتيو الى ايزابيلا الثانية، وغرفة نوم الملك. ولهذا لا عجب بعد كل هذا الجمال والتاريخ والمهابة ان يؤلف خوان رودريغز الذي يبلغ الآن 96 عاماً من عمره اجمل المقطوعات الموسيقية الاسبانية في التاريخ من وحي القصر في 1939