فُجع عشاق الموسيقى الاندلسية الجزائرية برحيل الفنانة رينات الوهرانية، آخر الاحياء من جيل الرواد الذين ساهموا، خلال الثلاثينات والاربعينات، في تأسيس تيار الموسيقى الشعبية التي تمزج بين الموسيقى التراثية البربرية الجزائرية، وبين الموسيقى العربية واليهودية الوافدة من الأندلس. وكانت رينات، واسمها الاصلي سلطانة داود، وُلدت في مدينة تيارت، قرب وهران، سنة 1931، من عائلة يهودية جزائرية. وفقدت البصر، وهي لم تتجاوز العامين. باشرت بالغناء في الاعراس منذ نعومة أظفارها، وفي سن السادسة عشرة، الحقها والدها بپ"المعلم" الوهراني الشهير سعود المديوني الذي علّمها العزف على العود. وضمها الى فرقته التي كانت تغني في مقهى شهير، في اواخر العشرينات ومطلع الثلاثينات، في حي "الدرب" حي اليهود في وهران. وفي بداية الاربعينات، قرر "المعلّم" الانتقال الى باريس، مصطحباً فرقته التي كانت رينات المرأة الوحيدة فيها. لكن الحنين الى وهران سرعان ما استبدّ بهذه الأخيرة، فقررت العودة. وواصلت احياء الحفلات في المقهى ذاته في حارةپالدرب، بعد ان اسست فرقة جديدة برفقة زوجها، ضابط الايقاع الشهير جورج العياني. وخلال تلك الفترة، أعتقل سعود المديوني في باريس، وكانت الحرب الثانية في أوجها، فتم ترحيله الى معتقل "اوشفيتس" الرهيب، حيث مات في "غرف الغاز" النازية. وكان لتلك الحادثة وقع شديد في نفس رينات، إذ ظلت حتى أيّامها الأخيرة تعاني من عقدة ذنب لأنّها "تخلّت" عن المعلّم"، بدافع الحنين الاناني الى مسقط رأسها في وهران. وقد خلّدت ذكرى المديوني في اغنيتها الشهيرة "نشكر الكريم" التي تعدّ اليوم من امهات القصائد الكلاسيكية لموسيقى "الشعبي". وبعد فترة قصيرة من نهاية الحرب الثانية، انتقلت رينات وزوجها جورج العياني الى مدينة الجزائر، حيث أقاما في بيت متواضع في شارع "ميدي"، في حي "القصبة" التاريخي. وتشاء المصادفة ان يكون في الشارع ذاته مقر "فرقة الفخارجية" التي تعد ابرز مدارس الغناء الاندلسي الجزائري قاطبة. لم تلبث رينات ان تعرفت على "معلم" الفرقة الشيخ محمد بلحوسين الذي تتلمذت على يديه، وصارت تغني ضمن فرقته، في القسم العربي من الاذاعة الجزائرية. ثم التحقت اواخر الاربعينات ب "فرقة الحاج محمد العنقا"، الأب الروحي لموسيقى "الشعبي"، منشدة وعازفة على العود، برفقة ثلاث فنانات اخريات هن: اليس فيتوسي، مريم فكاي، وفضيلة دزيرية. وكانت تلك الفترة من اخصب مراحل عمرها. لكن فرحة الاستقلال التي غنت لها رينات ضمن فرقة الحاج العنقاء، الأغنية الشهيرة "الحمد لله ما بقاش استعمار في بلادي"، سرعان ما انقلبت الى خيبة كبيرة، حين تمّ احراق كامل ارشيف الغناء اليهودي - العربي في الاذاعة الجزائرية، وحظر بث اعمال الفنانين الجزائريين المنحدرين من اصول يهودية. هكذا إنفضت فرقة العنقاء، واضطرت رينات الوهرانية وأليس فيتوسي للهجرة الى باريس. عاشت رينات بعد ذلك في عزلة تامة الى منتصف الثمانينات، حين اعيد اكتشافها من قبل اذاعة"راديو - بور" العربية في باريس التي قامت ببث اغانيها القديمة. شجع النجاح الفوري رينات على كسر عزلتها، فعادت مجدداً الى احياء الحفلات. وكانت أبرز اطلالاتها من على خشبة مسرح "الأولمبيا" الباريسي العريق سنة 1989، حين ظهرت لأول مرة منذ الستينات أمام الجمهور العريض، بفستانها الازرق الاسطوري ونظاراتها السود، والعود الذي لا يفارقها. وصاحبها في العزف زوجها ضابط الايقاع جورج العياني، ورفيقها السابق في فرقة العنقاء الموسيقار مصطفى اسكندراني الذي يعد اول من ادخل آلة البيانو الى الموسيقى الكلاسيكية الاندلسية. وفي سنة 1995، اصدرت رينات برفقة الثنائي ذاته، شريطاً غنائياً بعنوان "مذكرات"، ضم خلاصة تجربتها الفنية الفريدة والمتميزة