يرى بعضهم أن العولمة نظام اقتصادي جديد تماماً تولد، فوراً، من الثورات في مجالات الاتصالات والمعلوماتية والتكنولوجيا الفضائية. وراح يحدد سماتها استناداً الى تلك الثورات العلمية والتكنولوجية بمعزل، أو بفصل كامل، عن مختلف العوامل التي تحدد النظام الاقتصادي العالمي مثل عوامل موازين القوى العسكرية والتكتلات الدولية والمصالح القومية للدول فضلاً عن العوامل المتعلقة بمسائل الثقافة والهوية وارادات الشعوب. فالعولمة، بنظر هؤلاء البعض، هي القدر الآتي بالنسبة الى العالم كله لا محالة، والأهم ان صورة النظام الاقتصادي العالمي والنظام السياسي والثقافي على مستوى العالم ستتشكل على ضوء ما تريده الشركات العملاقة الكبرى متعدية الحدود والجنسين، والتي راحت تتأسس برؤوس أموال تتعدى عشرات المليارات بالنسبة الى كل واحدة منها. ولكي يعزز هذا الاستنتاج، أو هذا التوقع القاطع الصارم، راحت الأضواء تسلط على ضخامة الاندماجات التي أخذت تحدث اسبوعياً بين بنوك عالمية عملاقة، أو بين شركات نفط كبرى، أو بين شركات انتاج الطائرات والأسلحة وما الى هنالك من اندماجات تتحدث عن رؤوس أموال وأرباح ومناطق نفوذ تتضاءل أمامها الموازنات، أو الدخول القومية، للدول من الطراز المتوسط ناهيك عن غالبية دول العالم الثالث. أما النتيجة التي يراد الوصول اليها فهي ان العالم أصبح "قرية صغيرة" أي لم يعد متعدد القارات والدول والشعوب. وأصبح محكوماً بالعولمة، أي لم تعد فيه غير مصلحة واحدة وغير قرار واحد وهو مصلحة الشركات العملاقة متعدية الحدود والجنسيات وقرارها. والسؤال الآن هل هذه الصورة صحيحة أو دقيقة؟ وهل النتيجة المترتبة - من وجهة النظرة المستقبلية - صحيحة أو دقيقة بدورها؟ أولاً، ينسى هؤلاء أن العولمة التي يتحدثون عنها انبثقت من النظام الرأسمالي العالمي، وان الشركات التي تندمج الآن لتشكل الشركات العملاقة الجديدة هي الشركات التي سادت النظام الرأسمالي العالمي طوال القرن العشرين. والأهم هو نسيان حقيقة أخرى وهي ان كل شركة من الشركات الكبرى التي كونت الاندماج الجديد كانت بدورها نتاج اندماج سابق حوّلها في حينه الى شركة عملاقة سميت بالتروتستات والكارتيلات واطلق لينين عليها في كتابه "الامبريالية أعلى مراحل الرأسمالية" اسم الرأسمالية المالية. وكانت علامتها المميزة اندماج الرأسمال الصناعي بالرأسمال المالي البنكي. ومن ثم فإن ما نشاهده الآن هو استمرار لمسار الرأسمالية نحو المزيد من الاستقطاب والاحتكارية على المستويين العالمي والقومي في بلدان المتروبول. لكن هذه الاستمرارية لا تعني عدم الانتقال من مرحلة الى مرحلة. فكما شكل تحول الرأسمالية الحرة التي سادت في القرن التاسع عشر في الغرب الى الرأسمالية المالية في القرن العشرين تحولاً نوعياً له سماته المميزة فإن التحول من الرأسمالية المالية الآن الى الرأسمالية المالية العولمية يجب أن ينظر اليه باعتباره تحولاً نوعياً له سماته المميزة وان لم يتبلور بعد تماماً. الأمر الذي يفترض رفض المقولة التي تسلخ الرأسمالية المالية العولمية عن الماضي وعن الاستمرارية التاريخية التي حكمتها وانبثقت منها فراحت تعاملها كأنها حالة ولدت فجأة. لكنه يفترض، في الوقت نفسه رفض المقولة التي لا ترى من جديد في هذا التطور للنظام الرأسمالي تحت الحجة القائلة انها هي الرأسمالية نفسها لكن برؤوس أموال أكبر، وبوحشية هيمنية أشد. اذا كان التحديد الأولي القائل انها الرأسمالية - المالية الامبريالية تتحول الى العولمية الراهنة حاملة جوهرها، بما فيه العالمية، وعدداً من سماتها الأساسية معها فإن وصولها الى مرحلة فرض العولمة الراهنة سيواجه بكل التناقضات. والصراعات التي عرفتها الرأسمالية المالية في المرحلة السابقة حين فرضت نفسها سواء كان ذلك التناقضات والصراعات على مستوى الدول الكبرى ام كان على مستوى الدول المتوسطة والعالم ثانية. ولهذا كل من يعتبر المرحلة الجديدة قد انجزت، أو انها ستُنجز حتماً، على الصورة التي تقررها العلاقة بين العولمة والثورات التكنولوجية بمعزل عن العوامل الأخرى. اي ستقرر على الصورة التي يصورها المنبهرون بضخامة القوة المالية والتقنية والسياسية والثقافية والعسكرية طبعاً للشركات المدمجة الجديدة، ومن ورائها الولاياتالمتحدة الأميركية عموماً. وهو انبهار يصل الى حد القول ان ما على دولنا وشعوبنا في العالم الثالث، وأساساً، في البلاد العربية، إلا الاندماج المهرول الى العولمة، والهرولة مطلوبة حتى لا يفوتنا القطار، ونخرج من التاريخ. والنصيحة هي ان نقبل بكل شروط البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ونوقّع على كل الاتفاقات الجديدة المبرمة خصوصاً اتفاقات "الغات"، وبديلها الآن السعي لدخول منظمة التجارة العالمية فضلاً عن التوقيع على الاتفاقات الجديدة المتعلقة بالملكية الفكرية وبراءات الصناعة والتكنولوجيا وغير ذلك. وعلينا أن نلاحظ هنا أن كل هذه الاتفاقات تمت من خلال ممثلي الدول وهي ذات صفة سياسية. ولم تتم بسبب انعكاسات التكنولوجيا على النظام الاقتصادي تلقائياً. بل يمكن أن تراجع الصراعات التي صاحبت النقاشات التي سبقت أية اتفاقية من هذه الاتفاقيات. ومن ثم ان كل العوامل التي يسقطها أكثر المدافعين عن العولمة هي التي قادت عملية التوقيع على هذه الاتفاقات، إلا إذا تصورنا ان ممثلي الدول عكسوا، بصورة تبيسيطية مخلة، مقتضيات التطورات التكنولوجية التي تريد تحويل العالم، أو حولته كما يقولون الى "قرية صغيرة". وغابت استراتيجيات الدول التي يمثلونها. ولو أخذنا مثلاً ما دار من صراع بين أوروبا، خصوصاً فرنسا، واميركا في اجتماعات "الغات"، لا سيما حول المنتجات الزراعية والثقافة سنلحظ صراع المصالح والهوية الذي يخفي وراءه صراعات استراتيجية تقرر موقع كل دولة وشعب في النظام العالمي الآخذ بالتشكيل. ولو أخذنا، مثلاً آخر، ألا وهو موقف قمة "مجموعة ال 15" الذي عقد في القاهرة أخيراً فسنجد فيه اعتراضاً بليغاً على نظام العولمة الذي وصف بأنه يراعي مصلحة دولة واحدة في العالم ولا يأخذ في اعتباره مصالح الدول الأخرى. ولنأخذ مثلاً ثالثاً وهو ذاك الذي يمثل ارهاصات شعبية وعلى مستوى عدد من النخب الثقافية في نقد النظام العالمي الجديد الذي تقترحه الولاياتالمتحدة سواء على مستوى ما يحمله من سحق للثقافات الأخرى، وللابداع الثقافي، بل للثقافة من حيث أتت وذلك بتحويل الثقافة الى سلعة، ومعاملتها كما تعامل الطماطم والهواتف والتلفزيونات، أم على مستوى ما سيجره من ويلات اجتماعية وانسانية حين يعتبر ان الحكم الفيصل هو للمنافسة التي تحكمها شروط القوة والهيمنة مالياً وتكنولوجيا وعسكريا واتصاليا وإعلاميا، ومن ثم سيلقى بالملايين وعشرات الملايين بل حتى ألوف الملايين من البشر الى وحدات البطالة والتشرد والى ما تحت خط الفقر، ناهيك عن ازدياد مخاطر انتشار الفساد والجريمة والمخدرات. لو أخذنا هذه الارهاصات وتعبيراتها المتواضعة من خلال بعض التظاهرات أو تشكل اللجان والجمعيات، أو صدور عدد من الكتب والنشرات، سنلحظ ان مرحلة جديدة من كفاح الدول والشعوب والنخب ضد العولمة في طريقها الى النمو والتبلور. أما على الضفة الأخرى من "النهر" فيجب ألا نرى ظاهرة الاندماجات الكبرى فحسب وانما ايضاً، يجب ان ندقق في ما ستحمله مستقبلاً من تناقضات عميقة وصراعات بين الشركات الكبرى المدمجة نفسها. وهي مسألة حتمية الا إذا حسم الأمر في مصلحة احتكار شامل في كل مجال. وهو ما سيؤدي، بدوره، الى تفجير نظام العولمة نفسه. لأن اقتصاديات دول كبرى هنا ستتحطم تحت ضرباته، هذا من دون الاشارة الى ما سيثيره الاحتكار من صراعات ذات أبعاد أعمق من تلك التي جرت تحت سقف حرية المنافسة ومنع الاحتكار. المسألة الجوهرية التي يراد ابرازها نتيجة لما تقدم، هي رفض المقولة التي تدعو دولنا العربية وشعوبنا الى الانخراط في العولمة وفقاً لشروطها ومن دون أية محاولة للاعتراض، أو النقد، أو التعديل، أو أية محاولة لاقتراح نظام اقتصادي عالمي جديد، أو الكفاح في سبيله. وبداية يجب أن يلاحظ ان ما من دولة تحرص على سيادتها وتراعي مصالحها، وهوية شعبها وثقافته يحق لها أن تسلم نفسها لنظام العولمة كما يسلم الميت نفسه لمغسله. لأن ذلك يعني أكثر من التحول الى نمط التبعية الذي عرفته المرحلة السابقة، فهو يعني الالحاق الاقتصادي الكامل ووضع كل مقدرات البلاد تحت رحمة ديناصورات المال العالميين، من دون الاشارة الى المسائل المتعلقة بالسيادة والثقافة والقيم والهوية. اما النتيجة فهي فقدان ما تجمع من "قشطة" في الأموال والثروات، على تواضعها، وفي بعض البلدان على كبرها نسبياً، والانتقال الى حالة المدين المحجوز على ممتلكاته ودخوله لعشرات السنين ناهيك عن حالة الفوضى الاجتماعية التي ستدخل البلد في أزمات خطيرة من كل طراز لذلك فإن النصيحة، اذا جاز التعبير، التي يجب أن تقدم لدولنا هي عدم التعامل مع العولمة باعتبارها قدراً لا معدّل أو راد له. والطريق الى ذلك هو العمل أولاً على المستوى العربي فالمستوى الاسلامي فالمستوى العالم ثالثي، وثانياً على مستوى عالمي عام على أساس الحد الأدنى الذي طالبت به قمة الدول ال 15 في القاهرة وهي المطالبة بنظام اقتصادي عالمي يراعي المصالح الأساسية والتعددية الثقافية لدول العالم وشعوبه وليس النظام الذي لا يراعي الا مصلحة دولة واحدة، ومصالح الشركات متعدية الحدود والجنسية. اما الطريق الى اجراء التعديلات الضرورية فمفتوح ومتاح وهو أخذ موقف صحيح وقوي في المنظمات والمؤتمرات وازاء كل الاتفاقات التي يراد منها ان تصوغ قوانين النظام العالمي الجديد. يمكن أن يلاحظ هنا ان خطة كل من الولاياتالمتحدة وبريطانيا هي التوصل الى اتفاقات في منظمة التجارة العالمية وفي المنظمة العالمية للحقوق الفكرية وغيرهما من المنظمات المشابهة تجعلها قوانين النظام العالمي الجديد وتكون مهيمنة على القوانين القومية المحلية لكل بلد منضم اليها أو سينضم اليها. لذلك يجب اعطاء أهمية قصوى للنقاشات والمساهمات في هذه المنظمات وصياغة اتفاقاتها، وهو ما تفعله كثير من الدول التي تتصدى، أو تقترح بدائل، لمشاريع الاتفاقات التي تتقدم بها كل من الولاياتالمتحدة وبريطانيا. وإذا كانت كل من الولاياتالمتحدة وبريطانيا قد استطاعت ان تهرّب من وراء ظهور أغلب دول العالم اتفاقات، مثلاً، "اتفاقية تريبس" وغيرها لتجعلها الواقع المفروض على الجميع فإن المطالبة بتعديلها، على رغم ان "الديموقراطية" هنا تعتبر التعديل غير وارد لأنها تمت وانتهى الموضوع، يجب أن تستمر خارج هذه المنظمات، وتعاد اثارتها داخل مؤتمراتها العامة، لا سيما مع ازدياد عدد اعضائها. كما يجب أن تؤخذ قرارات بديلة في المنظمات والهيئات الدولية من الجمعية العامة للأمم المتحدة الى حركة دول عدم الانحياز، الى كل منبر يتابع فيه الكلام. هذا الموقف لا يمثل نقيضاً للانفتاح على العالم ومتغيرات العصر وانما يمثل الانفتاح الحقيقي الذي يجعل من عالمنا مكاناً أفضل للعيش والتعايش ولكرامة الانسان والابداع الثقافي النابع من تعدد الهويات