تسابقت الصحف والمجلات الاجنبية لاجراء تحقيقات مع المدير الفني لمنتخب لبنان لكرة القدم الويلزي تيري يوراث، بعد النتائج الايجابية اللافتة التي حققها مع الفريق الذي تسلّم مقدراته في حزيران يونيو الماضي، ومضى في اعداده التدريجي للاستحقاقات المقبلة، وفي مقدمها تصفيات كأس الامم الآسيوية الحادية عشرة التي ستجرى نهائياتها في كانون الاول ديسمبر المقبل في دولة الامارات العربية المتحدة. يشارك لبنان للمرة الاولى في هذه التصفيات، وقد استهل تصفيات المجموعة العاشرة بفوز مميز على تركمانستان 3 - 1، فقضى على طموحاتها في متابعة المشوار، وباتت الموقعة المرتقبة تجمعه والكويت على صدارة المجموعة العاشرة... ولم يكن الفوز على تركمانستان وليد المصادفة، بل ثمرة الاعداد المتواصل والدؤوب. وبعد سلسلة انتصارات في المباريات الودية بلغ عددها 10 انتصارات، جعلت موقع المنتخب في التصنيف الدولي يتقدم اكثر من 60 موقعاً ليبلغ الموقع ال 98 في آذار مارس الماضي.. وبالتالي كانت خطوة الاتحاد في مشوار الاعداد فريدة من نوعها، لم تشهد ما يشبهها كرة القدم اللبنانية من قبل. بناء كرة القدم اللبنانية ويؤكد هذه المقارنة بيان اتحاد اللعبة عشية بدء تصفيات المجموعة العاشرة لكأس الامم الآسيوية، فقد جاء فيه انه "بعد جهادٍ مضنٍ استمر منذ 11 عاماً إشارة الى "حركة" 2 أيار مايو 1985 في الاتحاد من العمل اليومي القاسي من اجل بناء الكرة اللبنانية ودفعها قدماً للعب دور طليعي على المستويين القاري والدولي...". ووفق ما اعلنه امين عام الاتحاد رهيف علامة ل "الوسط" ان المنتخب دخل مرحلة متواصلة من الاستحقاقات، "فبعد تصفيات كأس الامم الآسيوية، هناك منافسات الدورة العربية وتصفيات كأس العالم 1998 حيث سيلعب لبنان في المجموعة السابعة الى جانب الكويت وسنغافورة..". واضافة الى التعاقد مع يوراث، وطّد اتحاد كرة القدم مرحلة البناء بتأهيل عدد من الملاعب، و"هي خطوة ستتطور سنوياً وان بلغت تكاليفها اكثر من 300 الف دولار.." علماً ان ميزانية مفتوحة واستثنائية ستخصص للمنتخب في حال التأهل للنهائيات الاسيوية في الامارات.. ويشير مدير المنتخب يوسف برجاوي الى ان التكاليف التقريبية قد تصل الى 350 ألف دولار حتى نهاية التصفيات "ما أوقع الاتحاد الاغنى في موارده بين الاتحادات الرياضية اللبنانية، في عجز...". ويرى برجاوي ان سر نجاح المنتخب يكمن في الترابط الاداري والفني، بصورة لم يسبق لها مثيل، "من هنا استقرار اداء اللاعبين مع التحسن الملحوظ من مباراة الى أخرى وبات تنفيذ خطط المدرب يتجاوز نسبة ال 80 في المئة في كل مباراة...". ويتابع برجاوي قائلاً: "لقد تخطينا كل العقبات، ويبقى تأقلمنا مع اللعب ليلاً، لأن الانارة الكافية غير متوافرة حالياً في الملاعب اللبنانية، وسنخوض لقاءنا في الكويت ليلاً 20 حزيران. وقبل هذه المباراة سنقيم معسكراً لمدة أسبوع او عشرة أيام في احدى الدول الخليجية، ليعتاد اللاعبون الاجواء عينها..". ومن خلال ما تقدم، اصبحت كرة القدم اللبنانية تؤرخ بعهد تيري يوراث، او ما قبله لان الاخير يشرف ايضاً على منتخبي الشباب والناشئين، القاعدة المستقبلية للفريق الاول، وهذه سابقة ايضاً.. بعيداً عن الارتجال منذ بداية كرة القدم اللبنانية على الصعيد الرسمي، لم يشهد المنتخب اية مرحلة اعداد منسقة، ويتذكر المدير الفني السابق، ومدرب الانصار واللاعب الدولي عدنان مكداشي الشرقي "ان التسميات كانت تعلن في اللحظة الاخيرة، لقد شاركنا مثلاً في تصفيات دورة مكسيكو الاولمبية 1968، التي اجريت في اليابان 1967. ذهب فريقنا الى طوكيو من دون استعداد، حتى أن المدرب الهنغاري البرت جوزف لم يرافقنا، وتولى المسؤولية جوزف نالبنديان، الامين العام السابق للاتحاد.. اما النتائج التي تحققت هناك ومنها الفوز على الصين 5 - 2 وعلى الفيليبين 11 - 1 والخسارة أمام اليابان 1 - 2، فانها لا تعكس المستوى العام للفريق، بل المهارات الفردية عموماً...". وبقول الزميل علي حميدي صقر، مؤلف كتاب "موسوعة كرة القدم اللبنانية" ان اتحاد اللعبة حزم أمره وباشر جدياً بناء المنتخب وفق برنامج اكاديمي احترافي منتظم بعيداً عن الارتجال، واعتمد الطريقة الهرمية منتخبات الفئات العمرية.. "ولان التحضير كان آنياً في الماضي، كانت معظم مباريات المنتخب تجرى تحت اسم منتخب بيروت، والسبب لا يخفى عن احد من متتبعي اخبار اللعبة وقتذاك، وهو حاجة المنتخب الدائمة الى اللاعبين الاجانب السوريين والفلسطينيين في الاندية، ليحقق النتائج المرجوة، وما حققه في حينه جاء بفضل هؤلاء اللاعبين.. ويلفت علي حميدي صقر الى نقطة هامة هي تجنيس اللاعبين "فمنذ قرار التجنيس الذي اتخذته الحكومة اللبنانية في الثلاثينات، لم يجنّس اي لاعب اجنبي حتى العام 1993، حيث جنّس جمال طه وبابكين ماليكيان من أعمدة المنتخب حالياً نظراً الى الحاجة الماسة لسدّ الفراغ الكبير في خط الوسط. ونحن على أبواب تصفيات كأس العالم. وحالياً وضع اتحاد اللعبة قطاره على السكة الصحيحة، واللاعبون في المنتخب مثل ارمين وفارتان وكيفورك وكوركين، الذين استفاد منهم ناديا الهومنمن والهومنتمن بفضل قانون التجنيس الاخير، افادوا المنتخب، فأضحت تشكيلته مزيجاً من نجومية وخبرة الاجانب السابقين والمحليين المميزين، وتيري يوراث عرف كيف يصقل هذه الخلاصة ويوظفها لتحقيق انتصارات للرياضة اللبنانية هي بأمسّ الحاجة اليها...". صاحب النظرة الثاقبة خاض تيري يوراث 46 عاماً 59 مباراة دولية مع المنتخب الويلزي منها 22 مباراة قائداً له، وهو رقم قياسي ويلزي، كانت أولاها ضد ايطاليا العام 1969 وآخرها ضد الاتحاد السوفياتي السابق للعام 1980 وسجل اصابتين فقط كما يذكر. وهو لعب مع نوادي ليدز يونايتد وكوفنتري سيتي وتوتنهام هوتسبر الانكليزية ونادي فانكوفر وايتكابس الكندي منتصف السبعينات واوائل الثمانينات، وكان أحد لاعبي ليدز الذين خسروا امام بايرن ميونيخ الالماني صفر/2 في باريس في 28 أيار 1975 مايو في نهائي كأس اوروبا للاندية البطلة وامام أ. سي. ميلان الايطالي صفر/1 في مدينة سالونيك اليونانية في 16 أيار 1973 في نهائي كأس الكؤوس الاوروبية. وضم ليدز في هاتين المباراتين اشهر لاعبي انكلترا واسكوتلندا وويلز وايرلندا امثال هارفي وستيوارت لحراسة المرمى وريني وفرانكي غراي وبيلي بريمنر وبول مادلي وهنتر وبيتر لوريمر وآلان كلارك وجو جوردان وجوني جايلز وادي غراي الذي حل محل يوراث اواخر الشوط الثاني من المباراة مع بايرن ميونيخ، وتشيري وبايتس وجو جونز وغوردون ماكوين بديل يوراث في المباراة مع ميلان. وبعد اعتزاله، عمل يوراث مدرباً لمنتخب ويلز من 1988 الى 1993. فضل يوراث المغامرة منذ اعلان تعاقده مع الاتحاد اللبناني. لكنه وصف انتقاله بأنه "خطوة متفائل يحب التحدي"، وان ما يقبضه اكثر مما يطمح في تقديمه. ونقلت وكالة "توتال فوتبول" عنه القول: "ان كثيرين اعتقدوني مجنوناً حين تسلمت مهمة تدريب منتخب لبنان، معتقدين ان لبنان بلد لا يمكن العيش فيه، لكن بعد تجربتي الناجحة أؤكد أن ليلة في بيروت أضمن من ليلة في ليدز...". وفي ضوء النقلة النوعية الاخيرة لمنتخب لبنان انتقدت الصحف في ويلز اقالة يوراث من منصب المدير الفني لمنتخب بلاده. وكتب أحد النقاد يقول: "أعتقد ان إقالة يوراث أخرّت تطور الكرة الويلزية لسنتين على الاقل، فتيري كاد ان يصبح احد افضل المدربين في كأس العالم الماضية، لولا اهدار احد لاعبيه ركلة جزاء بنالتي امام رومانيا، في المباراة التي خسرتها ويلز 1/2...". واضاف الناقد الويلزي واصفاً كرة القدم في بلاده بأنها تمرّ اليوم "بمرحلة احباط، في حين انتقل يوراث ليحيي منتخب لبنان ونجح في تجربته بعدما وُصِفَ بالجنون. فما رأيكم لو استرجعناه؟..". ومن يراجع التحاليل التي نشرت عن فرق كأس العالم الاخيرة يتوقف عندما قيل عن يوراث، فقد أجمعت وسائل الاعلام على أنه صاحب نظرة ثاقبة وانه لا يتفق مع آراء الناس "التي تعيش على الامجاد الماضية... والطريق الفضلى هي النظر الى المستقبل"من هنا تبدلت نظرة العام الى ويلز على صعيد كرة القدم منذ ان تسلم مهمة تدريب منتخبها، فاستطاع ان يهزم المانيا والبرازيل، وحقق 17 نتيجة ايجابية من اصل 20 مباراة خلال فترة قصيرة جداً. وسبب المباريات التي خسرها غياب نجوم الفريق الذين لم تحررهم انديتهم للمشاركة. واطلق على لاعبي المنتخب الويلزي لقب "القتلة" نظراً لنتائجهم الهائلة، وها هو يوراث يعتمد منهجية شبه مماثلة في مهمته الجديدة مع منتخب لبنان أي مزج الخبرة بروح الشباب، لان النجوم من خلال تحفيز ادائهم وتفعيله يعطون الدفع للاعبين الصاعدين، أوليس بروز زاهر العنداري وشادي كرنيب خير مثال على ذلك؟! ويعتبر يوراث ان منتخب لبنان يتمتع بروح قتالية، يجسدها من خلال اللعب الهجومي مع مساندة قوية من خطي الوسط والدفاع. لكن يوراث المتفائل يبقى واقعياً في طروحاته مفضلاً "الحيطة والحذر"، من هنا اقتناع الجميع بكفاءته ودخوله قلوب الناس. فهو قوي الشخصية في تعامله مع لاعبيه، دقيق في تعاطيه، ويعرف امكانات كل فرد منهم، ويعمل على هذا الاساس. وتبقى العبرة في المستقبل، لان وضع كرة القدم اللبنانية حالياً، نقيض ما كانت عليه في الماضي، ويختصر واقعها الناقد الرياضي العريق فريد خوري من خلال تعليقاته اليومية، وقد جاء في احدها "كرة زمان كانت غنية جداً بالنجوم، وفقيرة جداً بالملاعب والمدربين... والمال. اما اليوم، فاللعبة غنية جداً بالمال وبالملاعب والمدربين، وفقيرة جداً بالنجوم.." لذا فإن تحصين القاعدة واكتشاف المؤهلين من اللاعبين الصاعدين "مشاريع النجوم" حاجة ماسة واولوية ضرورية....