نبأ فصل أدونيس من "اتحاد الكتاب العرب" في دمشق وقع كالصاعقة على الاوساط الادبية والثقافية في العالم العربي. هناك من استغرب انتماء الشاعر البارز الى الاتحاد المذكور، وهناك من تأسف لسيادة منطق الاقصاء والالغاء، في حين أن المطلوب هو مدّ جسور الحوار، والبحث عن الحقائق الملتبسة خارج دائرة البديهيات والمسلّمات. وهناك من استنكر هذا اللغط وتلك السطحية في التعامل مع القضايا المصيرية، وسط ضبابية الرؤيا وفوضى المصطلحات وتسرّع الاحكام، وحذّر من وقوع الطليعة الفكرية في مطبّ الغيبية والتعميم. لهؤلاء جميعاً - وأغلبهم أكد موقفه الجذري من السلام المطروح حالياً في الشرق الاوسط - فتحنا باب النقاش، إذ دعونا عدداً من الكتاب والمبدعين الى الادلاء برأيهم انطلاقاً من السؤال التالي: على هامش فصل أدونيس من "اتحاد الكتّاب العرب" في سورية، بحجّة مشاركته في "لقاء غرناطة"، كيف ينبغي اليوم برأيك أن يطرح النقاش حول "التطبيع الثقافي"؟ و"الوسط" اذ تنشر المساهمات والردود تباعاً، الى جانب الكلمة التي ألقاها أدونيس في غرناطة، تطمح الى المساهمة في استجلاء ملامح المستقبل وسط خضم المتغيرات والتحديات المطروحة، وعند هذا المنعطف الفكري والثقافي الحاسم المتأرجح بين مقاومة وانفتاح، بين نزعة مواجهة "العدوّ" والرغبة في التفاعل مع "الآخر". سعدالله ونوس : أتخلى عن عضويتي من دون أسف ! إني أتخلى، ومن دون أسف كبير، عن عضويتي في "اتحاد الكتاب العرب" احتجاجاً على طرد الشاعر أدونيس من هذا الاتحاد. فحسب علمي، وبحدود ما تسمح لي حالتي الصحية من المتابعة، لا أعرف ان أدونيس يدعو الى التطبيع. لو وجّهت إليّ شخصيّاً الدعوة الى "لقاء غرناطة" لرفضت المشاركة، وهذا مرتبط بتقويمي الشخصي لكل عملية المفاوضات التي بدأت في مدريد بعد حرب الخليج. لكنّني قرأت الكلمة التي ألقاها الشاعر المعروف في ذاك اللقاء، ولم أجد فيها ما يدعو الى التطبيع، كما لم أجد فيها ما يشي بأي مهادنة مع الفكر الصهيوني راجع كلمة أدونيس التي تعيد "الوسط" نشرها، في مكان آخر من هذا الملف. اذا لم تخني ذاكرتي كانت الكلمة تنطوي على شيء من التحدي للآخر الاسرائيلي، كي يعبر فوق عداواته المرضية ويتعرف على العمق الحضاري والانساني عند الآخر العربي، وليلمس - في السياق نفسه - الحق المهدور ويفهم البعد التاريخي للمأساة التي سببها وجوده. أنا لا أدافع عن الذهاب الى غرناطة. ولا أدافع عن اللقاءات الاحتفالية التي تتم منذ سنتين في هيصة المفاوضات واتفاقات الاستسلام التي تمخضت عنها مدريد. ولكن هل يحق لنا، نحن المثقفين، ان نتصرف حيال بعضنا بعضاً كما تتصرف الجماعات الارهابية فنكفّر ونُعدم ونلغي؟! انه ليحز بالنفس ان يدفعنا انهيار الأوضاع وضيق الأفق الى التصرف كهذه الجماعات، على الصعيد الذي يفترض انه بديل الارهاب وبديل اللاعقلانية وبديل الطغيان، وأعني الصعيد الثقافي، والحوار قاعدته المقدّسة. ألا يذكرنا هذا أيضاً بتخلينا المتسرع والأهوج منذ بضع سنوات عن أهم روائي عربي، وأعني نجيب محفوظ؟ أعتقد ان قرار طرد أدونيس وبالتالي محاولة الغائه هو قرار متسرع، وأخشى انه لن ينال من أدونيس بقدر ما سينال من الاتحاد نفسه. ومنذ علمت بنبأ طرد أدونيس ساورتني أفكار كثيرة وشعرت - مع انني لا اتفق مع أدونيس في كثير من آرائه النظرية - بالحياء والخجل، لأننا على رغم كل الهزائم التي توالت علينا لا نزال نتصرف في الثقافة كتصرف جهاز أمني يقسم الناس بين خونة ووطنيين، من دون الاهتمام بخصوصية الثقافة ومن دون الشعور بالتناقض مع خطاباتنا التي نملأ بها المجلات والصحف حول الديموقراطية وضرورة التعددية. وهذا القرار سابقة ستكون لها ذيول ردىئة. وهو فوق ذلك ينطوي على مفارقة وقصر نظر: النخبة السياسية الحاكمة في سوريا نخبة مثقفة وتمارس بمعظمها الكتابة أيضاً، وليس سراً ان وزير دفاعنا هو كاتب وعضو في اتحاد كتابنا. لنتصور اذاً ان المفاوضات التي تجري بيننا وبين اسرائيل التي تقودها سورية بكثير من الحكمة والحزم الوطني، اقتضت ان يشارك فيها ذات يوم السيد وزير الدفاع. فهل يتنادى أعضاء المكتب التنفيذي ومجلس الاتحاد لعقد اجتماع طارئ لطرده من الاتحاد؟! كم كان يتمنى المرء لو ان اتحاداً من هذه الاتحادات العربية كان لديه الوعي التاريخي والاحساس بالمسؤولية الكافيين لكي يطرح ومنذ مدريد مسألة التفاوض مع اسرائيل شامير ورابين، الواضحة الايديولوجيا والسياسة. متى نناقش مسألة التفاوض مع اسرائيل بجدية وعمق، ونفتح حواراً حقيقياً حولها في جو من الحرية والمسؤولية؟ كان المرء يتمنى لو ان هذه الاتحادات لم تتستر على السياسيين ولم تمالئهم بالقول ان للسياسي ان يناور ولكن على المثقف ان يفعل ويفعل. فالتجمّعات والمؤسسات الثقافية، بمداراتها للسياسيين وتحاشيها مناقشتهم، انما تزيف اللحظة التاريخية وتجعل من الثقافة المشكلة الرئيسية التي نتبادل حولها الخصومات والمشاحنات والنزاعات، فيما يوقع السياسي في أوسلو ترتيباً للسياسة والاقتصاد والثقافة ومجمل المستقبل. ترى هل فاتت الفرصة حقاً؟ ان المثقف ينبغي ان يحاول دائماً على رغم كل الضغوط والاحباطات القيام بدوره الريادي والنزيه في تاريخه ومجتمعه. لكن لكي يتم ذلك ينبغي ان نتعلم حقاً كيف نحترم اختلافاتنا، وكيف نكون ديموقراطيين مع انفسنا ومع الآخرين. وينبغي ان يكون لدينا من الحرية ما يجعلنا نواجه مشكلاتنا المصيرية بما تستحق من العمق والشجاعة والسخاء الأخلاقي... لا بالصبيانيات، وتصفية الحسابات، واراقة الجهد في المشكلات الزائفة التي تخفي المشكلات الحقيقية وتغرق المثقفين والمجتمع في نفق لا مخرج منه. طرد مع أدونيس كاتب آخر هو هشام الدجاني واذا لم أذكره في هذه العجالة فان ذلك لا يعني اني لا أحتج على طرده، لكن المسألة هي اني لا أعرف بالفعل أي شيء عن ملابسات قضيته. * كاتب ومسرحي سوري، أصر على المشاركة في الملف على الرغم من وضعه الصحي الصعب، ووعدنا بالعودة الى مناقشة مسألة التطبيع الثقافي في عجالة مستقلة. إميل حبيبي : إحم ، إحم ! و"الحِدِق" يفهم... لا حاجة بنا، نحن المثقفين المتنورين العرب الفلسطينيين، الى الشعور بالخجل ازاء ما يقوم به بعض زملائنا في بعض الأقطار العربية من "صيد الساحرات" الهستيري ضد كل ساع الى احترام ارادة شعبنا العربي الفلسطيني وقراراته الفلسطينية المعتمدة على قدراته العينية - "صيد الساحرات" هذا الذي بلغ في الهستيريا الى حد الاعلان عن طرد الشاعر والمفكر الكبير، أدونيس، من صفوف "اتحاد الكتاب العرب" في زمن أصبح فيه اصدار الأوامر والفرمانات على أهل الثقافة عاراً ومسبّة وتصرفاً ديناصورياً يُثير القرف أكثر مما يثير السخط. لا حاجة بنا الى الخجل من هذا العهر غير الثقافي، نحن الفلسطينيين، لأننا ابتُلينا بهذا الظلم الأشد مضاضة طول أعمارنا حتى أصبح من حق الواحد منا ان يُردد شعر أبي الطيب المتنبي: "رماني الدهر بالأرزاء حتى فؤادي في غشاءٍ من نبال"! فهؤلاء انما يجترّون - شأنهم شأن "جمال البويعا" - مواقف قديمة أصبح أصحابها يستحون من ترديدها منذ أن حَلّت بشعبنا العربي الفلسطيني الكارثة الكبرى. فكفّرونا وحللوا دماءنا، لا على موافقتنا على التعايش مع دولة يهودية في قسم من فلسطين كما ادعوا، بل على تأييدنا لقيام دولة عربية فلسطينية في القسم العربي في فلسطين! اننا لا نطلب من هؤلاء المثقفين ان يراجعوا تاريخ المأساة الفلسطينية ويستخلصوا العبر الصحيحة من هذا التاريخ. وذلك لأنه لا يحق الطلب من شخص القيام بعمل فوق طاقته. بل لا نلومهم على تهربّهم من قول الحقيقة عن هذا التاريخ. فلا هم "عنتر عبس" في بلادهم، وقد لا يكون هذا الأمر محمود العواقب بالنسبة اليهم في بلادهم الآن! ومع ذلك لا يحق لهم التصرّف معنا كما يتصرّف الزوج المتهوّر مع زوجته: يفش خُلقه، عمّا أصابه من قهر طول يومه، بزوجته وبأطفاله حين يعود الى بيته. فلا نحن "ملطة" لأحد، ولا شعبنا العربي الفسطيني ولا قيادته ولا نهجها المولود من رحم النكبة: عائدون، عائدون ولو الى جهنّم! ماذا قال شوقي؟ "يا ريح، يا ابن السبيل، ما عرفت ما السكن. هب جنّة الخلد اليمن، لا شيء يعدل الوطن"! وقد لا يصلح، رداً على هذه "الجرأة" في طرد الشاعر والمفكر العربي العالمي أدونيس من "اتحاد للكتاب العرب" في سوريا، سوى ترديد أسطورتنا الشعبية عن جحا في قوله: "إحم، إحم، والحدق يفهم"! اننا نتمنى لكم طول العمر حتى يتغيّر الحال في أقطاركم. فيتغيّر، بالتالي، حالكم هذا. او تجدون انفسكم - بعد فوات الأوان - في وضع ذلك "الخوري بلا طائفة". فمنذ عجيبة يشوع بن نون لم تحدث عجيبة وقف قرص الشمس في كبد سماء أريحا! اما أدونيس، وصحبه، فيُشرّفهم ان تأتي مذمتهم من هؤلاء الكَتَبَة. ولا يؤسينا سوى انجرار العديد من الزملاء الطيّبين وراء هذه الهستيريا المبرمجة والتي تستهدف، وربما عن صفاء نيّة، الحيلولة دون المثقف العربي والقيام بدوره الأساس في مسيرة شعبنا الحضارية الجديدة. ولكن، هيهات! فنحن هنا ومعنا الحقيقة. * كاتب فلسطيني جمال الغيطاني أين العيب في حضور "مؤتمر غرناطة"؟ بداية أنا واحد من المثقفين الداعين الى الحفاظ على ذاكرة الأمة ومقاومة الشكل الذي تتم به عملية الدعوة الى التطبيع الثقافي مع اسرائيل، لأن ما يجري الآن هو مطالبة بتدمير ذاكرتنا الوطنية والقومية واخضاع الثقافي لما هو سياسي، وبناء عليه أود ان أوضح موقفي بالنسبة لموضوع فصل ادونيس. أنا ضد فصل ادونيس بالشكل الذي تم به في اتحاد الكتاب العرب في سورية، واعتقد ان هذا القرار غير موفق لاعتبارات عديدة، أدونيس قيمة شعرية كبيرة ومثقف عربي كبير ويجب عدم معاملته كصغار الموظفين. وإذا حتى كنا نختلف في بعض آرائه او مواقفه فعلينا ان نناقشه وأن نحاوره لا ان نصدر قراراً بالفصل. ويذكرني هذا القرار بالقرار الذي اتخذ ضد الاستاذ نجيب محفوظ والذي أصبح يثير السخرية عندما صودرت "الثلاثية" و"الحرافيش" وأعماله التي كتبها في الثلاثينات والأربعينات والخمسينات بحجة موقفه من كامب ديفيد. هناك نوعان من المثقفين، نوع مواقفه مبدئية وناتجة عن قناعات حقيقية، علينا ان نحاورها حتى وإن اختلفنا معها، وهناك نوع آخر - الآن - انتهازي يحاول استغلال ظروف تحول صعبة في العالم العربي لتحقيق فائدة شخصية او نوع من الدعاية السهلة. أريد ان أقول ان أدونيس واحد من الذين لهم موقفهم الشعري والانساني الواضح، وافترض انه اختلف مع اتحاد الكتاب العرب او اتخذ من المواقف ما يمكن ان يكون موضع ملاحظة فيكون الحوار هو الأفضل في هذه الحالة، وبالنسبة لمؤتمر غرناطة بالتحديد، ففي حدود معلوماتي كان الداعي اليه هو منظمة اليونسكو. ونحن نحضر جميع هذه المؤتمرات الدولية، والمهم هو موقف الكاتب وكيفية تعبيره عنه، أنا ضد قرار فصل أي كاتب إلا إذا ثبت خيانته، وأنا لست ضد المعرفة ولكن مع معرفته - الطرف الآخر - أما خدمة أهدافه العدو هو الخيانة. أعي ان ظروفنا صعبة، في السنة الأخيرة شاهدنا محاولات بذلت من كتاب متوسطي الموهبة لخطب ود اسرائيل، بعضهم يتصور ان هذا سيساعده في "مرض" الوصول الى العالمية ككاتب مسرحي محدود يحلم بالعرض في مسارح برودواي كحد أدنى وبجائزة نوبل كحد أقصى. أنا ضد هذا وسأقاومه بكل قوة لأن هذا تشويه، لكن ادونيس لماذا أفصله؟ كلنا نحضر مؤتمرات عالمية، ليس عيباً، ولكن كيف تصرفنا؟… وماذا قلنا؟ * كاتب مصري. رئيس تحرير جريدة "أخبار الأدب" القاهرية. محمد الاشعري : نفاق مثقفي السلطة لعل أهم ما في قرار "اتحاد الكتّاب العرب" في سوريا، ليس الطرد بحدّ ذاته، بل المعلومة الثمينة التي يشملها ضمناً: أدونيس عضو في الاتحاد السوري! والآن علينا ان نجزع على مصير الشاعر الذي طرد من جنة الاتحاد، وعلينا ان نتوقع الأسوأ، فننسى الى الأبد امكانية حصول صاحب "أغاني مهيار الدمشقي"... على جائزة نوبل بعد ان أصبح مغضوباً عليه في دمشق! ولا شك، ان "اتحاد الكتاب العرب" في سورية يحس اليوم باعتزاز كبير، ليس فقط لأنه قام بواجبه القومي أحسن قيام، ولكن أيضاً لأنه استطاع ان يطرد من صفوفه شاعراً كبيراً مثل أدونيس، مفضلاً خسارته في الشاعر على خسارته لنفسه. ولكن ماذا فعل ادونيس حتى يستحق هذا "العقاب"؟ انه لم يوقع اتفاقية صلح، ولم يؤجر أرضاً عربية لاسرائيل، ولم يسلم مفاتيح القدس للكيان الصهيوني، بل جلس بحضور رئيس الدولة الفلسطينية الى مجموعة من المثقفين الاسرائيليين في حوار دعت اليه منظمة "اليونيسكو" وجرى في مدينة غرناطة. هذه هي "الواقعة المشبوهة" التي جعلت اتحاداً أوسع من الاتحاد السوري، هو "الاتحاد العام للكتاب والأدباء العرب" يصدر على لسان أمينه العام بيان ادانة في حق أدونيس، بل وبياناً يدعو فيه ادارة مهرجان جرش الى الامتناع عن دعوة الشاعر للدخول الى التراب الأردني. ليس القصد مما ورد أعلاه الدفاع عن أدونيس، فهو فعل ذلك بنفسه قبل شهور. ما يهمنا اساساً هو الدفاع عن فكرة مقاومة التطبيع، وهي فكرة عادلة وضرورية، وذات أولوية قصوى في الوقت الراهن. ولكن لا شيء يفسد صواب هذه الفكرة أكثر من نفاق مثقفي السلطة وردود فعلهم المتناقضة التي تهلل للأنظمة وترفع سيوفها بجرأة خشبية ضد المبدعين. أما قرار الاتحاد الذي يرأسه علي عقلة عرسان، فيهدف برأينا أساساً الى ارضاء السلطة، لا الى اغضاب أدونيس. ذلك ان مقاومة التطبيع الثقافي من حيث هي دفاع عن الحق الفلسطيني، لن يقوم بها بفعالية وذكاء موظفو السياسة، بل المبدعون الحقيقيون القادرون على التأثير في تربتهم الثقافية، وفي مواقع الثقافات الأخرى، من دون مزايدة ولا ادعاء. * شاعر. رئيس "اتحاد كتاب المغرب". علي عقلة عرسان: سنبقى على موقفنا لقد قرر اتحاد الكتاب فصل ادونيس والدجاني لأنه يدعو بشكل مباشر وصريح للتطبيع مع العدو، وجاء القرار بعد تصويت في المؤتمر السنوي وصوت تسعون شخصاً مع القرار فيما امتنع عشرون عن التصويت وارتأى 15 شخصاً التريث لمناقشة المسألة والتأكد من التهمة. وان قرار الفصل لا يعني أن أدونيس ليس كاتباً مهماً بل يعني أنه اختلف مع ميثاق المثقفين العرب الذي أقر في عمان العام 1993 ومع النظام الداخلي للاتحاد ومع المرسوم التشريعي الذي أسس بموجبه الاتحاد والذي ينص على أنه "تزال العضوية عمن يخالف أهداف الاتحاد ومنها مقاومة العدو الصهيوني وعدم التعامل معها ومقاومة من يلتقي مع الصهاينة أو يروج لأدبهم". نرفض في الاتحاد الاعتراف باسرائيل وتطبيع العلاقات معها وكل من يخرج على ذلك يكون خارج المؤسسة، سنبقى على موقفنا رافضين التطبيع مع العدو الصهيوني حتى وان اعترفت جميع الدول العربية باسرائيل وطبعت العلاقات معها. سنتوجه من حصن الثقافة الى أمتنا وأجيالنا ندعو للمحافظة على الثوابت المبدئية والأخلاقية والقيمية للأمة، وللتمسك بحقوقها وكرامتها. ان اتحاد الكتاب العرب أكبر من أي فرد فيه لنا موقف ونلتزم به. كاتب. رئيس اتحاد الكتاب العرب، في سورية. حنا مينه: رسالة استقالة أوجّه من خلال "الوسط" هذه الرسالة الى رئيس "اتحاد الكتاب العرب"، طالباً تجميد عضويتي في الاتحاد. وهذه العضوية مجمدة أصلاً منذ 15 عاماً. وذلك في انتظار قبول استقالتي من اتحادكم، احتجاجاً على الممارسات اللاديموقراطية من قبل قيادته، واستنكاراً لطرد المبدع العربي السوري الكبير الشاعر أدونيس، من عضوية هذا الاتحاد. هذا الطرد الذي يتنافى مع حق ابداء الرأي والحريات التي كفلها دستور الجمهورية العربية السورية. انتظر جوابكم بقبول استقالتي تحريراً من هذا الاتحاد الذي كنت احد أعضاء لجنته التأسيسية، وعضواً في مكتبه التنفيذي لدورات عدة، لم يقع فيها ايما اجراء متعسف ومنافٍ لحرية الرأي مثل الاجراء الذي اتخذ بحق الشاعر أدونيس. وأؤكد مع التشديد على انني كنت ولا أزال ضد أي نوع من التطبيع مع اسرائيل، في مجال الثقافة وسائر المجالات. وموقفي هذا ضد التطبيع معروف اعلامياً في كل أنحاء الوطن العربي والعالم. * روائي سوري. نبيل سليمان: سؤال التطبيع بين الفصل والوصل في الدورة الماضية لملتقى ابن رشيق في مدينة القيروان، كان لي مع أدونيس حديث حول كلمته في "لقاء غرناطة"، وما استتبع ذلك من قول في الخطى التطبيعية للشاعر الكبير، وفي قضايا أخرى. وحضر الحديث كمال أبو ديب وكمال بلاطة وبشير القمري ومحمد الباردي وأحمد دحبور وآخرون. ونشرت خلاصة ذلك الحديث تحت عنوان "أسئلة السلام على الثقافة" الحرية - 6/11/ 1994، مبيّناً ما أختلف فيه مع أدونيس، بدءاً بالمفردة الأولى من كلمته في غرناطة، على الرغم من الايضاحات التي جلاها حديثه لي، وقبل ذلك بيانه الى أصدقائه. فاسرائيل بالنسبة إلي لا "تنتمي" الى هذه المنطقة، إذ أقيمت عام 1948، ولم يبد طوال قرابة نصف قرن انها تشتغل على هذا الانتماء، على الرغم من الدعاوى التاريخية العتيدة المضللة، وعلى الرغم من الانتاج الثقافي الذي يعترف بالعربي وبالفلسطيني ويعارض العنصرية في الصهيونية، مما يرسله يساريون إنسانيون اسرائيليون ويدوّخ رؤوس يساريين انسانويين عرب. بل انه ليبدو الآن بخاصة، ودعوى السلام تصدح، ان اسرائيل تشتغل على استكمال الهيمنة العسكرية والسياسية على المنطقة، عبر الهيمنة الاقتصادية والثقافية، بعيداً عن دعوى الانتماء، وضد الهوية العربية المنفتحة والسمة الحضارية والتركيبية التمازجية للمنطقة، كما يصفها أدونيس. والآن وقد فُصل أدونيس من "اتحاد الكتاب العرب"، استذكر ما تقدم، وما كان من احتمال الفصل في العام الماضي من "اتحاد الكتاب اللبنانيين"، وما كان طوال العام إياه بين أدونيس و"الاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب". لأسباب خاصة لم أحضر المؤتمر الذي قرر فصل أدونيس بعدما أخفق اقتراح ذلك في مجلس الاتحاد. ولئن كنت أثمّن موقف الاتحاد، ومثله موقف "الاتحاد العام للأدباء العرب" من الصراع العربي - الاسرائيلي، ومعارضة هذا السلام الأميركي - الاسرائيلي الذي تنحني له العواصم العربية وهامات حكام ومثقفين، فإنني في الآن نفسه لست مع الذين قالوا بفصل أدونيس. ليس لأنه شاعر كبير ومفكر كبير - وهو كذلك حقاً - وبالتالي فهو فوق المساءلة: اذ لا كبير على الوطن ولا فوقه. وليس لأنني من عصبة أدونيس أو مؤسسته، وأنا من يختلف معه كما كتبت للتو، وكما كتبت منذ خمسة عشر عاماً عن انتاجه الفكري والنقدي، وليس وليس… أعارض الفصل انطلاقاً من قناعتي بأن التركيع هو السبيل الأمثل الى التطبيع. وهذا ما دأبت المؤسسة العربية الحاكمة عليه حتى انتج هذا الراهن وهذا السلام - الاستسلام القائم والمقبل. إن التركيع بما هو نفي الاختلاف والحوار والتعددية والزمنية ليس سمة تلك المؤسسة وحسب، بل هو أيضاً سمة طاغية في من يعارضها، فرداً كان أم مؤسسة، ولعل في ذلك واحد من أكبر أسرار هزال مقاومة التطبيع. فالأولوية هي للجذب لا للنبذ، للاختلاف والحوار لا للأحادية والصراخية والنسخ الكربونية. وليس من هذا البتّة ميوعة المواقف والكتابة وزلقهما. ليس من هذا البتة ان يستوي الذين يهرولون الى لقاء غرناطة أو الى اسرائيل أو الذين يقدمون رجلاً ويؤخرون اخرى… مع الذين لا تأخذ بلبهم شهرة موعودة وأموال مأمولة وهوان وظلم يتسميان بالسلام. ليس من هذا البتة ان يستوي من يضللون بكتاباتهم ومواقفهم المتزوقة بالحضاري والانساني ويقفزون فوق واقع عياني محدد، أو يؤثرون الانتظار أو يخشون المواجهة أو يعوّمون أنفسهم والموضوع الثقافي عامة فوق تطورات وتعقيدات الصراع العربي الاسرائيلي… مع الذين يكشفون الزيف والتزوير والاستبداد والعنصرية في صناعة السلام الجارية الآن. كما هو معلوم، ثمة في هذا الاتحاد أو ذاك من اتحاد الكتاب العرب هذا العضو أو ذاك ممن ركبوا الطائرة الى مدريد أو سواها، أو التحقوا بركب ياسر عرفات، دون ان تطالهم المساءلة المؤسساتية، فلماذا أدونيس دون سواه؟ هل يكفي التعلل المضمر أو المعلن بالمنصب الرسمي لفلان أو لعلاّن أو بخصوصية وضع هذا الفلسطيني أو ذاك؟ وهل هذه الأسئلة تعجيز أو تمييع أم انها بحث عن الانسجام والشجاعة؟ في أواخر السبعينات فُصلت، ولسنوات، من اتحاد الكتاب العرب، بسبب روايتي "جرصاتي" التي أعمل منذ أيام على اعادة طبعها. ولقد بُلغت بالفصل بعد سنة ونصف، وكان تم من دون ان أُسأل بسبب ما عدّ خروجاً على أهداف الاتحاد. والآن اذ اذكر ذلك فمن أجل تفحص صناعة القرار. ولا أحسب أن بيننا من يجهل سهولة اتخاذ مثل هذه القرارات. فلنلاحظ هذا التناقض الأولي بصدد قرار فصل أدونيس: مجلس الاتحاد المنتخب من المؤتمر العام، والممثل له بين دورة ودورة، والقيّم على المكتب التنفيذي وعلى الاتحاد كما هو مفترض، هذا المجلس لم يوافق على الفصل. بالطبع، القرار النهائي للمؤتمر. ولكن هل يعني ما حصل ان مجلس الاتحاد بعيد عن ايقاع أو نبض المؤتمر في مسألة هامة وأساسية كمسألة الموقف من التطبيع؟ هل يشكك ذلك في الثقة الممنوحة للمجلس؟ ولو نحينا جانباً وموقتاً شرعية الأرقام مع كامل الاحترام، ودققنا في الأسماء التي اعترضت على الفصل، فما الذي يجعل أصحابها يعترضون على فصل أدونيس؟ أهي العصبوية ومنهم من بينه وبين أدونيس من الخلاف ما هو قديم وجديد ومعروف؟ أهي غشاوة سلام هذه الأيام مقابل جلاء البصر والبصيرة لدى من أيدوا الفصل؟ أم تراها رؤية أخرى لادارة الصراع على الجبهة الثقافية، لكل مقام فيها مقال، ولا كبير فيها على الوطن ولا فوقه؟ * ناقد وروائي سوري. سليم بركات : تطاول فكاهي أستنكر شخصياً، ذلك التطاول الفكاهي من "اتحاد الكتاب العرب" على الشاعر أدونيس. وهو اتحاد عرف، أبداً، بعجزه عن رفع صوته دفاعاً عن كاتب حُجبت حريّته، أو مُشرّد. * شاعر وروائي سوري أنطون المقدسي : لعب بخس على أمور مقدسة الكتاب جلهم ضد التطبيع؟ قلت: بلى، وأنا بينهم. ولكن ماذا بعد؟ رفض التطبيع هو رفض اسرائيل، أية اسرائيل؟ اسرائيل رابين، شامير… بن غوريون؟ أم رفض اسرائيل بإطلاق المعنى؟ في المطلق، المواقف كلها جائزة. أما في النسبي على الأرض حيث تأكل وتكتب، فلا يمكنك الا ان تفكر بالعواقب. قال: الكاتب المبدع يحدد الهدف الأبعد وعلى السياسي ان يجد الوسائل. قلت: أتعرف سياسياً واحداً أصغى - مجرد إصغاء - الى كلام كاتب؟ أو سياسياً وقف موقفاً لائقاً من كاتب، الا اذا كان اللهم صديقه؟ قال: أولا تثق بالانتفاضة؟ قلت: نحارب حتى آخر فلسطيني؟!… قال: وبأحفادنا وأحفاد أحفادنا الذين سيواصلون النضال. قلت: تلقي المسؤولية على الآخر البعيد لتريح وجدانك؟ الا تتوازن الوسائل مع الأهداف، فتلك، يا سيدي، هي ال "دون كيشوتية". قال: وفصل أدونيس الذي أقام الدنيا وأقعدها عندنا وفي العالم، أليس عملاً اجرائياً هائلاً؟ قلت: ومن أعطى لمؤتمرنا العام الحق بإدانة الناس؟ فلا أعرف في التشريعات الناظمة لعمل الاتحاد مادة واحدة تجيز لنا ذلك. قال: بلى! الترويج لأفكار العدو كما جاء في النظام الداخلي للاتحاد. قلت: ان حكامنا - جلهم طبعاً ، أكثريتهم الساحقة - هم الذين يلهثون وراء التطبيع، وبعضهم طبّع منذ ربع قرن على ما يبدو؟… قال: الحكام سياسيون وتطبيعهم عمل سياسي. أما أدونيس فيروج ل "التطبيع الثقافي". قلت: الدعوة للتطبيع، ثقافياً كان أم اقتصادياً أم سياسياً موقف سياسي لا ثقافي. ومن ثم فإن محكمة "قراقوش" تستمع الى المجرم الذي ضبط بالجرم المشهود قبل ان تنطق بالحكم. وأضفت: قل لي أقامت الدنيا وقعدت معنا أم علينا؟ فما قرأت من تصريحات وأجوبة واستفتاءات على فصل أدونيس - أو تعليق عضويته كما قيل - كان جلّه اتهاماً لاتحادنا. الحكيم هو الذي يدير لسانه في حلقه سبع مرات قبل ان يتكلم، فما بالك اذا كان الكلام كلام الكتاب العرب المجتمعين في اتهام وادانة شاعر هو بيننا وعالمياً الشاعر العربي الأول بلا منازع. أو نسينا ان الشعر العربي بقي جاهلياً يتردد في القرن العشرين بين الحداثة والمحاكاة - حتى مجلة "شعر" التي كان أدونيس أحد أركانها، وهو الذي واصل رسالتها بعد زوالها؟ كان موقف أدونيس أكثر لياقة من موقفنا بكثير. اذ عندما طلب منه ان يعلق على قرار الفصل أجاب: لا تعليق!… ليس موقف المؤتمر العام لاتحادنا بالأمر المستغرب. فهو ظاهرة من ظواهر الاضطراب وأحياناً الانهيار الذي أحدثته الحضارة الحديثة، حضارة الآلة المؤتمتة، من اختلال في توازننا الفردي والجماعي نحن العرب. فردود أفعالنا انفعالية تصدر عن لاشعور أفلت كلياً من ضوابط العقل أو هي جملة منعكسات غريزية. إن التطبيع بمعناه الأوسع هو صراع - سباق حضاري على كل مستويات الوجود، ليس مع اسرائيل، بل بين الأمة العربية بمختلف أقطارها وبين الحضارة الحديثة. فالمطلوب منا في المرحلة الراهنة هو الصمود كي نلتقط أنفاسنا ونستأنف مسيرتنا. ولا أظن ان اسرائيل أحسن حالاً منا، أقله في المجال الثقافي. أما المعركة فهي في فلسطين. فلو فرضنا ان الدول العربية تحقق، كل منها أو كلها مجتمعة صلحاً مع اسرائيل، وبقيت فلسطين - وفي قلبها القدس طبعاً - موضع صراع، فالسلم باطل والتطبيع كلام فارغ. هذه هي المعركة الفعلية، وبالقياس اليها كل المعارك الأخرى جانبية وهامشية، وقد تكون مؤذية أحياناً. وهي في كل الأحوال "لعبٌ بخس على أمور مقدسة". * مفكر سوري. في العدد المقبل مساهمات كوليت خوري، عبدالقادر الشاوي، رياض عصمت، ادوار الخراط وعباس بيضون.