كميل أبو صوان، سفير لبنان السابق لدى اليونسكو، مثقف من الطراز الرفيع، وهاوي كتب متمرس يغوص في إرث الماضي على كنوز الحضارة البشرية، وخاصة ما يطال منها العالم العربي ولبنان. على امتداد سنوات من البحث الدؤوب كوّن أبو صوان مكتبة نادرة هي بين أهم المكتبات الفردية في الشرق وتعود بعض مجلداتها ومخطوطاتها الى القرن الخامس عشر. وهو يطرح ألف وخمسمئة عنوان من كتبه للبيع في المزاد العلني في "ساوسبيز" وذلك يوم 18 حزيران يونيو المقبل. للمناسبة كان لنا معه هذا الحوار. يصعب على المرء أن يدخل عالم كميل أبو صوان دون أن يصيبه الدوار، وتجرفه الحكايات التي لا حصر لها. حكايات تبدأ مع فجر التاريخ ولا تنتهي في زمننا، كأنها تطمع في مواصلة رحلتها الى المستقبل... فالسفير السابق للبنان لدى منظمة اليونسكو متعدد الوجوه والاهتمامات، يجر خلفه مسيرة متعرجة، متشعبة، غنية بالمكاسب والاكتشافات، عريقة في تجذّرها الثقافي وفي تحدّرها من ذاكرة تراكمت خلال أجيال. والحديث معه سرعان ما يجرّ المحاور الى دوامة من التفاصيل والمحطات التاريخية، من الشخصيات والملاحم... فيحار كيف يقدم هذا الرجل المتعدد الوجوه: الحقوقي والديبلوماسي والمثقف الموسوعي وهاوي جمع التحف النادرة التي تتعلق من قريب أو من بعيد بلبنان والحضارة اللبنانية. قبل أعوام وضع كميل أبو صوان كتاباً قيماً عن العمارة اللبنانية بين القرنين الخامس عشر والتاسع عشر، سبر فيه بدقة ومهارة أعماق الذاكرة اللبنانية، تناول تاريخ لبنان وعناصر شخصيته الثقافية والحضارية عن طريق استنطاق الحجارة، ودرس جماليات الفنون المعمارية في شتى المناطق والعصور. في اليونيسكو، كافح بصبر وأناة من أجل خدمة التراث اللبناني وإبرازه وإحيائه وإظهار ما طمس منه أو طواه النسيان أو هدده الاهمال. وما زال الجمهور العربي والفرنسي يذكر مشروعه الضخم الذي تجسد في معرض، وجمعت وثائقه الى جانب دراسات قيمة في مجلد بعنوان "لبنان والكتاب". والمشروع ثمرة جهد شخصي ورحلة بحث، طويلة النفس، عن المؤلفات والمراجع والمخطوطات والوثائق التي ترتبط بتاريخ لبنان القديم والحديث. فللكتاب، كما لا يخفى على أحد، موقع الصدارة من هذا التاريخ، الذي شهد ولادة أول مطبعة في الشرق، وحيث لعب عدد من المفكرين والمترجمين، منذ القرن الخامس عشر، دوراً بارزاً في نقل النصوص من العربية وإليها، وفي ترجمتها وحفظها. علاقة أبو صوان بالكتاب تستعصي على الوصف، كرس له عمره ووقته وماله منذ نصف قرن، حتّى غدا يملك مكتبة نادرة من أثمن وأبرز المكتبات الشخصية في المشرق العربي. وهذا الولع جعل منه اختصاصياً فريداً من نوعه، تحركه المتعة والهواية والفضول والرغبة. فاذا زرته في منزله المطل على نهر السين في العاصمة الفرنسية، دخلت عالماً خرافياً تسكنه المجلدات من مختلف الاحجام والاشكال، مطبوعة أو مخطوطة. مجلدات شهدت تعاقب العهود والقرون، انهيار الامبراطوريات وقيام الدول، وسافرَتْ بين الايدي البارزة والعائلات الحاكمة، تنقلت بين مكتبات المفكرين والعلماء والملوك... قبل أن تستقرّ على أحد رفوفه. مناخ أقرب الى الاحلام الادبية أو الى فيلم سينمائي، وأجواء تذكر بإلحاح بعوالم الكاتب الايطالي أمبرتو إيكو، صاحب "حكاية الوردة". أبي والحاج أمين الحسيني أغلب "جواهر" هذه المكتبة، مطروح للبيع في المزاد العلني يوم 18 حزيران يونيو المقبل في "ساوسبيز" في العاصمة البريطانية. وقد رأينا في المناسبة فرصة للقيام بجولة مشوقة في ذاكرة الرجل وسيرته الشخصية. هذه السيرة التي لا تكاد تنفصل عن سيرة كتبه ومؤلفيه المفضلين، يحتلون عالمه ويرتادون حياته ويقتسمون سهر لياليه، حين يغوص في المجلدات السميكة - المكتوبة بلغات "غريبة" أحياناً كال "كرشوني"- على تفصيل ناقص أو لغز لم يتم اجلاؤه تماماً. من أين نبدأ مع أبو صوان، وكيف نعتقله للحظات داخل نسق محدد هو حديث صحفي؟ فهو يفتح هذا المجلد أو ذاك يقرأ لك مقطعاً، ثم يبقيه مفتوحاً على الكنبة ويذهب الى المكتب، يُخرج بشغف من احدى الكدسات كتيباً ثميناً له حكاية طويلة، ما أن يبدأ بسردها حتى يترك كل شيء: "خذ تسلّى قليلاً بهذا الكتاب" ومفهوم المتعة والتسلية حاضر أبداً في تعاطيه مع الكتب ويذهب الى المصوّر، مشيراً إليه أن يركز على هذه الوثيقة أو تلك لاسباب يسهب في بسطها. ونحن نركض لاهثين، للاحاطة بعالمه والاقتراب من تلك الكائنات التي تحيط بنا، والتعرف عن كثب الى بعض الشخصيات التي تحتل حياته، كأن هذه الاخيرة ليست الا امتداداً لمكتبته، والمصائر الفردية والجماعية التي تنطوي عليها. "لا لست "هاوي مجموعات" - الفرنسية - لا أجمع علب كبريت أو طوابع! أنا هاوي كتب نادرة أقرأها وأعرف ما فيها وقيمتها ومعناها...". في تقديمه لكاتالوغ "ساوسبيز" الانيق الذي طبع بمناسبة المزاد، يبدأ أبو صوان من أسطورة قدموس الفينيقي، ابن أجينور ملك صور، سافر لاسترداد أخته أوروبا التي خطفها جوبيتير، فعلّم العالم الابجدية. "بعد ستة آلاف عام، عادت بعض أمهات المؤلفات التي تقف هذه الصبية اللبنانية وراء ظهورها، الى رفوف مكتبتي". لكن ما سرّ ولع كميل أبو صوان بالكتب الى هذا الحد؟ يجيبنا بابتسامة خفيفة، كأنه فكر ملياً بالمسألة: "ذات يوم، وكنت طالباً في مدرسة عينطورة، اكتشفت في مكتبة المدرسة كتاباً ل دو لا رو عن الشرق، فيه "غرافور" صورة محفورة على النحاس لفخر الدين. فتنتني الصورة، وفتحت آفاق الحلم للصبي الذي كنته. من يومها رحت أجمع ما تطاله يدي من كتب تحمل صوراً عن لبنان خلال القرون الماضية: السادس والسابع والثامن عشر. ثم توسع اهتمامي ليطال الالبسة الشرقية، وفرنسا تحتوي مكتباتها على أغنى مجموعة من الوثائق في هذا المجال. لم ألبث أن أطللت على النتاج الالماني والايطالي المهتم بكتب الشرق، إضافة الى الانتاج الانكليزي، وهو الاهم بلا شك على هذا الصعيد خلال القرن التاسع عشر. هكذا تزايد اهتمامي بالمراجع التي تشرح وتروي وتصور ما له علاقة بالشرق، في العصور الغابرة. واكتشفت الكتب النادرة، وبخاصة التي تحكي عن الحياة في صيدون وصور وبيبلوس قبل الميلاد. أفكر هنا مثلاً في كتاب فلافيوس جوزيف، وهو أول من ذكر في التاريخ الحياة اليومية في تلك البلاد. بعده جاء بلوتارك الذي روى عن الاعياد والاحتفالات في بيبلوس... أي الادونيات، التي كانت تحتفل بعيد أدونيس وبعودة الربيع. وكلا الكتابين في مكتبتي، معروضان للبيع في المزاد. غير أن حكاية كميل أبو صوان مع الكتب والنصوص القديمة والمخطوطات تعود، بما لا يترك مجالاً للشك، الى فترة زمنية ضاربة في القدم، تسبق اكتشافات المراهق في مكتبة "مدرسة عينطورة". فطفولته كانت محاطة بالكتب والمجلدات والمراجع، واحاديث الفكر والادب والتاريخ والقانون، إذ نشأ في كنف أب هو من مؤسسي السلطة القضائية المستقلة في لبنان أوائل القرن، وبيت عريق تعود علاقته بالكتب الى أجيال عدة. كان ذلك في القدس، في عهد الامبراطورية العثمانية. "جدي متّى، أو متيا أبو صوان كان يشغل منصب ال "درغمان"، أو "باش ترجمان"، أو "مارون عرب". وكانت كل السجلات والنصوص بين يديه بلغات عدّة، يكتب ويدون ويؤلف ويترجم... فهو كان درس في استانبول على يد كوديما دو كاربونيانو واضع أصول الصرف التركي، ويجيد خمس لغات: التركية، والايطالية، والاسبانية، والفرنسية، والعربية". من أحد الالبومات، يخرج لنا صورة للوحة تمثل الكونت دو فوربان وقد حلّ ضيفاً على متى أبو صوان في منزله، خلال زيارة قام بها الاول الى القدس عام 1816. ثم يزيد موضحاً: "كان جدي متى يحمل جوازات سفر عدة من النمسا وانكلترا واسبانيا وايطاليا تخوله مواجهة الحاكم التركي والتعاطي معه، ومع كافة السلطات المدنية والدينية. لقد كان الجميع يصغون اليه باهتمام نظراً للموقع الذي يمثله". هكذا انكب متى "الدرغمان"، صاحب الثقافة الشاملة، ومن بعده ابنه حنا وحفيده متيا اللذان شغلا المنصب نفسه، على نقل الكتب من العربية والانكليزية والاسبانية والفرنسية أو اليها. ومن هذه الكتب مؤلفات في القانون والطب والتاريخ... عن أحد الرفوف ينزل لنا كتاباً مخطوطاً في القانون نقرأ على صفحته الاولى: "قد صار ترجمة هذه النظامات من اللغة الفرنساوية الى اللغة العربية عن كراس مطبوع باللغة الفرنساوية في المطبعة السلطانية بالاستانة العليه فتم استنساخها بيد يوحنا أبو صوان ونجله متيا في اليوم التاسع والعشرين من شهر تموز 1867". ثم يضيف موضحاً "هذا الكتاب كان يحبه أبي، وهو بين قلة لم أطرحها للبيع". في ذلك الزمن كانت الكتب ثمينة ونادرة، لذا كان يتم استنساخها بشكل جماعي. وقد سمع الفتى كميل أبو صوان جدته تروي كيف كانت تتحول أجواء البيت العائلي في القدس الى ورشة عمل دائمة. "حين كان جدّي متيا يفرغ من ترجمة مؤلف ما، كان الخبر ينتقل بلمح البصر بين الناس: "متيا أبو صوان انهى ترجمته!". وما هي الا ساعات قليلة الا ويكون تحلق حوله عدد من المتطوعين، يملي عليهم نصّه ويمضون في التدوين. يذكر أبي أنه كان يشارك في هذه الورشة صغيراً، مع صبي آخر من عمره أصبح في ما بعد مفتي القدس، واسمه... الحاج أمين الحسيني". ويتابع بنظرة شاردة، كأنه يستعيد مشهد ضبابي بعيد: "هكذا ضم بيتنا مكتبة شاملة فيها مجموعة فريدة من الكتب، تشكل مرجعاً علمياً ثميناً. وكانت شخصيات مرموقة تأتي للعمل عندنا وللتعمق في هذا المرجع أو ذاك. ترجم جدي، غير ما ورثه عن جدّه وأبيه، ما يقارب المئتي عنوان. وقد بقي الجزء الاكبر منها في دار عمّي لطفي في القدس. أما ما وصلني، فقد ضاع منه الجزء الاكبر أو فقد خلال الحرب". الزلزال يبتلع مدرسة بيروت ويصل أبو صوان الى الكلام عن والده، ويعتبر من مؤسسي القضاء اللبناني الذي رافق بناء الدولة الحديثة. "كان المحامي الوحيد الذي يحمل شهادة من استانبول، وبلقب ممتاز... كما كان رئيس طائفة اللاتين في القدس ورئيس مجلس الملة، وكل ذلك اضافة الى صلات قربى مع نائب رئيس بلدية استانبول، أهله لاستلام مناصب عالية في الادارة. فاستقر في لبنان، حيث عهد اليه بتهيئة القضاء اللبناني، وكان أول رئيس لمحكمتها ثم وزيراً للعدل. أسس أبي مكتبة قانونية واسعة ومهمة جداً، وخلال اشرافه على القضاء كرئيس أول لمحكمة التمييز، كان يستند الى هذه المكتبة. وظل يرفدها بمراجع جديدة من فرنسا واستانبول ومصر وروما واسبانيا، بما في ذلك الكتب المتعلقة بالقوانين البحرية والجوية وقوانين الملاحة وشركات التأمين... لما بدأت بالمحاماة، وجدت في تصرفي مكتبة استثنائية في مجالات الحقوق، يضاف اليها مكتبة غنية بالادب الكلاسيكي العربي والمتوسطي يوناني والروماني خاصة.... في العام 1916 مع الانتداب الفرنسي استلم أبي من النائب العم التركي 300 ملف من العدلية. ما زال عندي الايصال، سأريك إياه يبحث عنه في درج مليء بالوثائق، لا يجده يعود الى مقعده. المهم، هذه الملفات سأسلمها بعد موتي، بطبيعة الحال، الى الدولة اللبنانية". كل ذلك وقصته الفعلية مع الكتب لم تبدأ بعد! يجرنا حديث القانون الى الكلام عن أحد أهم المؤلفات التي تضمها مكتبة كميل أبو صوان، وهي بين الكتب المدرجة على قائمة مزاد "ساوسبيز": إنه مؤلف جوستنيانوس الذي يعتبر في أساس كل القوانين والتشريعات الحديثة وعنوانه "كوربوس جوريس سيفيليس"، ما علاقة لبنان بهذا المؤلَّف؟ مدرسة الحقوق العريقة التي إزدهرت في بيروت بين القرنين الثالث والسادس: "ذلك العهد، شهدت الامبراطورية الرومانية ظهور مدارس حقوق في مختلف أنحاء الامبراطورية، كانت مدرسة بيروت أبرزها نظراً لاهمية الذين درّسوا فيها وأشهرهم أولبيانوس ابن صور وبابنيانوس ابن حمص. اشترك هذان الاخيران مع حقوقيين آخرين في وضع ال "كوربوس..." بناء على طلب الامبراطور جوستنيانوس، وكان يتضمن أجزاء عدة تتطرق لمختلف وجوه الشرائع والقوانين التي سبقت عهد الامبراطور المذكور والتي اجترحت في عهده. ثم جاء الزلزال ليبتلع مدرسة بيروت، لكن تلك المؤلفات تابعت حياتها في أماكن أخرى. وأقدم مخطوطة كاملة لكتاب الشرائع الذي أبصر النور في بيروت، تعود الى العام 1135، وانتقلت الى فلورنسا عام 1406، وقد طبعت في مدينة ليون الفرنسية عام 1516 للمرة الاولى، بدعم من أحد هواة الكتب الاثرياء في ذلك العهد". هذه النسخة بحوذة أبو صوان. يقلبها بمتعة ورضى، يمدها الينا ثقيلة، أنيقة التجليد، من الحجم الكبير، قبل أن يضيف "هذا النوع من الكتب تطلق عليه تسمية incunable أي "من المهد" لانها ظهرت في العقود القليلة الاولى لاختراع الطباعة". ويمضي بنا "عاشق الكتب" في رحلته عبر المدن والعصور: "قادني اهتمامي بكل ما له علاقة بمدينة القدس، الى توسكانا حيث ارتبط دوق دوك دو توسكانا الكبير مع الامير فخر الدين المعني الكبير بعلاقة صداقة، والى العلاقات التجارية بين لبنان والبندقية وتوسكانا من جهة... كما قادتني أبحاثي الى روما حيث تأسست في أواخر القرن السادس عشر مدرسة أمّها لبنانيون، ستشكل مفترق طرق حاسم في مسار الفكر في الشرق...". فمن هذه المدرسة، التي اسسها غريغوار الثالث عشر عام 1584، تخرج علماء ذوو ثقافة موسوعية شاملة وإلمام باللغات الاوروبية والشرقية واولها العربية والسريانية. ولعب هؤلاء دوراً كبيراً في نقل النصوص والمراجع المهمة من الشرق ومن الحضارات القديمة الى اللاتينية. هؤلاء يعرفهم أبو صوان واحداً واحداً، كأن بينه وبينهم "عشرة عمر": الحصروني، الباني، الحاقلاني، السمعاني، الغزيري، الصهيوني... وهذا الاخير له يعود مع آخرين، فضل وضع قاموس عربي-لاتيني لعب دور المرجع الرئيسي في حركة الترجمة والنقل التي ستشهدها القرون اللاحقة. علّم الصهيوني العربية والسريانية في "المعهد الملكي" في فرنسا سنوات طوال، وضع خلالها مؤلفاته في النحو وفقه اللغة وترجماته. وفي العام 1982 نجح كميل أبو صوان في لفت الانظار الى ذكرى هذا العالم اللبناني، إذ أقيم عامها احتفال رعاه عمدة باريس جاك شيراك، وتم خلاله وضع لوحة تذكارية عند مدخل العمارة الباريسية التي سكنها الصهيوني 23، كي دانجو. يشرح لنا أبو صوان: "عندما قام سفير فرنسا في روما سافاري دو بريف، بإنشاء أول مطبعة بحروف عربية، كان من الطبيعي أن يشرك جبرائيل الصهيوني ونصرالله العاقوري في مغامرته الطموحة. كان دو بريف هذا زار الجزائر، كما زار الشرق وتوقف في طرابلس وقنوبين، وهو في طريق عودته من منصب ديبلوماسي في استانبول، محملاً بالمخطوطات الثمينة. أما المطبعة التي اسسها، فتميزت بحروف عربية جميلة، عرفت ب "تيبوغافيا سافارينا"، وكا أول اصداراتها "المزامير" وكتاب آخر... ثم انتقلت المطبعة الى باريس، حيث أقنع سافاري الملكة ماري دو ميديسيس بالاهتمام بطبع المخطوطات والترجمات العربية". في مطبعة ميديسيس نشر "كتاب القانون في الطب" لابن سينا الذي يطلعنا أبو صوان على نسخته. ويروح يسرد بعض عناوين مكتبته التي تشتمل على كتب بلغات عدة، وأبرزها أول طبعة للقرآن الكريم عام 1693 في هامبورغ. هناك أيضاً مخطوطة "الرحلة من بيروت الى القدس" للكاتب الفرنسي لامارتين، "نزهة المشتاق في اختراق الآفاق" للادريسي، "دائرة المعارف" للمعلم بطرس البستاني، مخطوطة لمقامات الحريري، رسوم ألف ليلة... مؤلفات لليازجي والشدياق والشرتوني وشيخو أو ل أوفيد، أوقليدوس... و"كتاب المخروطيات" تأليف أبولونيس دو بيرغا، أحد أهم المراجع العلمية في عصره. وله، كالعادة، حكاية يرويها أبو صوان بطريقة مشوقة: "أبولونيس دو بيرغا من أعظم علماء الرياضيات ق.م.، وضع مؤلفات قيمة أبرزها "كتاب المخروطيات" وضاعت المجلدات 5 و 6 و 7 من هذا المرجع الذي احترق مع مكتبة الاسكندرية. مما بقي موضع استنكار وأسف علماء أوروبا سنوات طويلة. فاذا بالحقلاني يحمل معه نص الترجمة العربية للكتاب، ويعيد نقله الى اللاتينية" عام 1671. هذا الكتاب الذي أعرضه للمزاد، قال عنه بوريلي إنه إكتشاف العصر، وهو يثبت الدور الحضاري الذي لعبه العرب في حفظ بعض النصوص والمراجع القديمة من الاندثار". مجموعة من 1500 كتاب ستطرح في المزاد العلني يوم 18 حزيران يونيو المقبل. لكن هذه المؤلفات ستبقى تعيش مع أبو صوان وفيه ومن خلاله، فقد ترك عليها بصماته، بعد بصمات وآثار مالكيها السابقين. فالى جانب أختام الملوك والعلماء، وضع المثقف اللبناني أحد ختميه على كل كتاب في مجموعته، حسب تقليد يتبعه هواة جمع الكتب واصحاب المكتبات المهمة. وقد صمم الرسمة لكل من الختمين، فنانان عالميان هما دو ساينس وبلمير. "اليوم أحرف مطبعة سافارينا ومطبعة ميديسيا التي تلتها - يذكر كميل أبو صوان بإلحاح - محفوظة في المطبعة الوطنية ككنز نادر، وهي رسمت ونفذت بناء على اقتراح لبنانيين من بينهم الحقلاني والحصروني والصهيوني... وهذه التجربة هي التي ستمهد لظهور الطباعة في الشرق هذه المرة مع مطبعة مار قزحيا 1610 وبعدها مطبعة الشوير 1733". إذا كانت مطبعة مار قزحيا هي الاولى في الشرق، فهي كانت تطبع بالسريانية الكرشوني، وكان لا بد أن تأتي مطبعة الشوير بعدها بقرن، كي تبدأ الطباعة بالحرف العربي. وهذه المغامرة التي بدأت بكتاب "ميزان الزمان"، والتي ستكون لها النتائج الايجابية التي نعرف حتى عصر النهضة، مرتبطة باسم عبدالله زاخر. فقد لعب هذا الاخير دوراً حيوياً في مجال الطباعة والنشر، وتزامنت تجربته تقريباً مع نشاط مطبعة حلب في سورية 1702. إسم آخر لا بد من إضافته الى المتحف الشخصي لأبو صوان... ويمضي الرجل أمامنا في لعبة ملامسة الكتب ومخاطبتها: "أرأيت؟ هذا كتاب شويري نسبة الى مطبعة الشوير، تعرفه من هذه الدقة ومن جمال الخط والحروف...". قبل أن يلاحظ بأسى: "تصور، ليس هناك في لبنان اليوم أي أثر مخطوط أو وثيقة من أيام فخر االدين! أنا عندي مجموعة رسائل كان يوجهها التجار في لبنان ذلك العهد الى أقرانهم في البندقية" قبل أشهر أصيب كميل أبو صوان بهزة صحية، أقعدته طريح الفراش: "فيما أنا بين الحياة والموت على سرير المستشفى، كانت أفكاري تتجه الى هذه الكتب فأقلق على مصيرها. وأول ما فعلته بعد تماثلي الى الشفاء أنني قررت بيعها قبل أن تتبعثر وتقع بين أيدي لا تعرف قيمتها". وكيف لا يقلق الرجل على عناء العمر وتعبه وغلته الاثمن؟ أما كان على الدولة اللبنانية أن تعمل على شراء هذه الكتب، التي تجد مكانها الامثل على رفوف "مكتبة وطنية"؟ أم ترانا محكومين بالبدء مع كل جيل من نقطة الصفر، أي أن نعيش شعوباً بلا ذاكرة وبلا مستقبل؟...