غادر السفير الفرنسي جان اوديبير الجزائر بعد انتهاء مهمته في منتصف ايلول سبتمبر الجاري، والعلاقات الجزائرية الفرنسية في حالة لا تحسد عليها. فقد اضطر سفير فرنسا وهو يجمع حقائبه الى الخروج عن تحفظه والرد على صحيفة اسبوعية محلية لم تتحرج من توجيه اتهام مباشر لفرنسا في عملية المطار التي أودت في 26 آب اغسطس الماضي بحياة 10 مواطنين وجرح اكثر من 120 مواطناً آخر. وقد وصف السفير الفرنسي هذا الاتهام بأنه خطير مؤكداً انه "مناف لابسط الحقائق". ويقول السفير في رده على مدير الصحيفة المذكورة: "لا تهمني معرفة الاهداف التي تسعى الى تحقيقها من وراء هذا القذف الذي يسيىء الى العلاقات الجزائرية - الفرنسية، لكن من حقي أن أعبر عن مخاوفي من ان تؤدي اشارتكم الى "اليد الخارجية" الى تعريض الفرنسيين المقيمين بالجزائر وكذلك الشركات والمرافق الفرنسية للتهديد، بل للانتقام المباشر"! مثل هذه الحالة لتدهور العلاقات الجزائرية - الفرنسية، لا يجد لها المراقبون شبيهاً الا في مطلع 1971، عندما قرر الرئيس الراحل هواري بومدين تأميم الشركات الفرنسية المسيطرة على حقول النفط والغاز انتاجاً وتوزيعاً وتسويقاً! وردت باريس يومئذ بقوة على هذا القرار، وحاولت فرض مقاطعة على البترول الجزائري الذي وصفه الاعلام الفرنسي ب "البترول الاحمر"! وكانت خلاصة الرد الفرنسي تتمثل في اعلان الرئيس الفرنسي آنذاك بومبيدو "اعتبار الجزائر دولة اجنبية اسوة بالبلدان الاخرى"، اي الغاء الطابع الخاص والامتيازات المتبادلة التي ما انفكت تميز علاقات البلدين منذ استقلال الجزائر سنة 1962. لماذا تدهورت العلاقات؟ ما هي أهم العوامل الكامنة وراء تدهور العلاقات الجزائرية - الفرنسية، في وقت تبدو الجزائر في حاجة الى فرنسا باعتبارها "وصية" على منطقة المغرب العربي في اطار النظام الدولي الجديد؟ هناك ثابتة في السياسة الفرنسية ازاء الجزائر تتمثل في عدم ارتياح قصر الاليزيه ل الرئاسة الفرنسية الى وجود "الوطنيين" على رأس السلطة في الجزائر. وقد تأكدت هذه الثابتة منذ 1974 على امتداد عهدي الرئيس جيسكار ديستان والرئيس فرنسوا ميتران. ويستمد عدم الارتياح هذا مصادره من الصراع الخفي والدائم بين "المشروع الوطني" و"المشروع الفرنسي" في الجزائر. ذلك ان انجاز المشروع الاول يتم أساساً على حساب المصالح الاقتصادية والثقافية الفرنسية. وكانت الغلبة في عهد الرئيس بومدين ولغاية 1976 لانصار المشروع الوطني، لكن بعد هذا التاريخ بدأ بومدين يشعر بتنامي نفوذ من كان يسميهم "حزب فرنسا" بالجزائر! وفعلا عاد هؤلاء بقوة في آخر حكومة شكلها بومدين وذلك في ربيع 1977 غداة اول انتخابات تشريعية في ظل نظام 19 حزيران يونيو 1965. لكن بعد وفاة بومدين في أواخر 1978 استعاد الوطنيون انفاسهم بعض الوقت، غير ان ذلك لم يدم طويلاً، ومنذ 1982 تمكن "حزب فرنسا" في الجزائر، تدريجياً من كسب "معركة مواقع" حاسمة مكنته من الخروج من "التقية" الى العمل جهاراً. وأصبح الرئيس الشاذلي بن جديد حليفاً موضوعياً لانصار "المشروع الفرنسي" ان لم نقل طرفاً واعياً فيه. ومنذ منتصف الثمانينات انتقل "حزب فرنسا" الى الهجوم مستغلاً بوادر الازمة الاقتصادية، ومراهناً على الانفتاح الاقتصادي الى ابعد الحدود. ويتمحور تحرك "الحزب الفرنسي" حول النقاط الآتية: محاولة تحييد أنصار المشروع الوطني بالقوة وبالاساليب السياسية معاً: - أولاً: بالقوة وقد حدث ذلك في تشرين الاول اكتوبر 1988 عندما عمل "الحزب الفرنسي" على تصعيد التوتر الاجتماعي اثناء فترة الصيف بواسطة التلاعب بالندرة والمضاربة على المواد الغذائية ذات الاستهلاك الواسع. وكان خطاب الرئيس الشاذلي بن جديد في 19 ايلول سبتمبر من السنة نفسها بمثابة محرض على تصريف هذا التوتر الاجتماعي الذي عملت جهات سياسية وأمنية من داخل الجهاز التنفيذي على تفجيره بدءا من 5 تشرين الاول اكتوبر. ولم تكن هذه الاحداث من صنع الاسلاميين، كما أشار الى ذلك الشيخ السحنوني في حديثه الى "الوسط" عدد 29، ولا من صنع جبهة التحرير الوطني التي كانت الخصم الاول "لحزب فرنسا" والضحية الاولى لاحداث تشرين الاول اكتوبر. - ثانيا: بالسياسة، وقد تجلى ذلك في إقرار التعددية السياسية كمحاولة من "حزب فرنسا" لاضفاء الشرعية الشعبية على نفسه. وهذا هو الخطأ الفادح الذي وقع فيه، لأن الانتخابات المحلية في 2 حزيران يونيو 1990 أبرزت قوة جديدة عملاقة اسمها "الجبهة الاسلامية للانقاذ" واكدت استمرارية جبهة التحرير الوطني، على رغم كل الحملات المشبوهة التي استهدفتها منذ احداث تشرين الاول اكتوبر 1988، وكشفت "حزب فرنسا" على حقيقته أقلية من النخبة المحظوظة التي ليست لها علاقة وثيقة بالشعب. استغلال الانفتاح الاقتصادي لدعم مواقعها الاقتصادية والاجتماعية، وذلك بالتحالف مع "الحركة" و"الأقدام السوداء". وكان أنصار "المشروع الفرنسي" في هذا الصدد يجتهدون لتسهيل عودة هاتين الطائفتين الى الجزائر كسند مادي وبشري لهم! وفعلا تم وضع عدد من المشاريع الصناعية والفلاحية والسياحية على هذا الاساس. تعطيل عملية تطبيع الامور على الصعيد الثقافي، باستعادة اللغة العربية مكانتها كلغة عمل وحضارة وانتماء. وقد تجلت هذه العملية اخيراً في قرارين: - تجميد العمل بقانون استعمال اللغة العربية، وهو قانون صادر عن البرلمان الجزائري بتاريخ 16 كانون الثاني يناير 1991، ويحدد تاريخ 5 تموز يوليو 1992 ذكرى استقلال الجزائر كآخر أجل لاستكمال تطبيق هذا القانون. 2- تجميد قرار تأخير تعليم اللغة الفرنسية في المرحلة الابتدائية الى السنة الخامسة، بعد ان كان في السنة الرابعة. رهان على جبهة الانقاذ ان تقدم انجاز "المشروع الفرنسي" بالجزائر كما أسلفنا، يفسر غضبة باريس بسبب "إقالة" الرئيس بن جديد - وهو اول رئيس يقوم بزيارة رسمية الى فرنسا - واعتبار الرئيس ميتران شخصياً عودة الرئيس محمد بوضياف "ضرباً من الارتجال" الذي يصعب هضمه، فميتران ما زال على غرار الكثير من ساسة الجيل القديم في فرنسا، يرون في امثال الرئيس الراحل بوضياف والرئيس الحالي علي كافي ورئيس الوزراء بلعيد عبدالسلام، اعداء محتملين وتهديداً دائماً لمصالح المستعمر السابق الاقتصادية والثقافية. وعلى هذا الاساس ما انفكت فرنسا تراهن على ظهور قوة بديلة مؤهلة اكثر للتفاهم معها "وتفهم مصالحها" على حساب جبهة التحرير الوطني وقيادات الحركة الوطنية ممن سبق ذكرهم... وقد فشلت في ذلك إبان ثورة التحرير، لكن يبدو اخيراً انها وجدت ضالتها في الجبهة الاسلامية للانقاذ. ويستند الرهان الفرنسي على الجبهة الاسلامية الى عاملين أساسيين: 1- إن برنامجها الغامض يعتبر اقل خطراً على المصالح الفرنسية من المشروع الوطني الذي يرتكز على خلفية تاريخية وايديولوجية ناضجة وتجربة سياسية هامة، بل تجربة انمائية كانت في بعض جوانبها في تناقض فعلي مع المصالح الفرنسية. 2- ان "الجبهة الاسلامية" فتحت صفوفها بلا تحفظ امام الذين يحملون حقداً دفيناً لجبهة التحرير الوطني التي تقمصت لغاية تشرين الاول اكتوبر 1988 المشروع الوطني من دون منازع. اي ان فرنسا مطمئنة على امكانية اختراق الجبهة الاسلامية بفضل وجود "المتعاونين" معها من الجزائريين اثناء الكفاح المسلح بأعداد كبيرة، في صفوفها. هذه المعطيات السياسية الاقتصادية والاجتماعية الثقافية يتجلى تأثيرها بوضوح في تردد فرنسا التي لا تبدي استعداداً كبيراً للاسراع بنجدة الجزائر، ومساعدتها لتجاوز ضائقتها الحالية في احسن الظروف. وهذا الموقف الفرنسي لا يعتبر مفاجأة للسلطات الجزائرية، لا سيما الثنائي علي كافي رئيس مجلس الدولة وبلعيد عبدالسلام رئيس الحكومة، فكلاهما لا يتوقع من باريس غير المصاعب والمشاكل! والواقع ان موقف الوطنيين الجزائريين من المستعمر السابق كان وما يزال يتميز بكثير من الواقعية والحكمة لانه يأخذ في الاعتبار تركة 130 سنة من الاحتلال الفرنسي، وما نتج عنه من علاقات متعددة ومتشعبة، كما يضع في حسبانه الوضعية الجغرافية السياسية للجزائر بكل ما تتضمنه من ضرورات امنية وغيرها. ويبدو ان الجانب الفرنسي لا يقدر هذا الموقف حق قدره، لذلك فهو يبحث دائماً عن بديل للوطنيين، سواء في الاوساط الاسلامية او في اوساط النخبة ممن يطلقون على انفسهم عنوان "المجتمع المدني". وهنا يكمن مصدر سوء التفاهم الدائم بين باريسوالجزائر الوطنية. وعلى هذا الاساس يبدو ان الوطنيين الجزائريين بقيادة الثنائي كافي - عبدالسلام في حرج كبير من الدور المسند لفرنسا ضمن النظام الدولي الجديد في منطقة المغرب العربي، واذا كانت الوصاية الدولية شر لا بد منه فمن الطبيعي ان يفضلوا وصاية اخرى غير الوصاية الفرنسية. - "الحركة" اسم اطلق اثناء ثورة التحرير الجزائرية على الخونة الذين ساعدوا جيش الاحتلال في حربه ضد الثوار. وقد التحق الكثير منهم بفرنسا بعد وقف اطلاق النار، لكنهم ظلوا على هامش المجتمع الفرنسي يعيشون في "غيتوات" خاصة بهم. - "الأقدام السوداء" اسم يطلق على المستوطنين الاوروبيين بالجزائر الذين غادروها قبل الاستقلال او بعده.