يقول توفيق الحكيم:"كل قوة تتضخم تريد ابتلاع غيرها، ففي المجال السياسي والاجتماعي أرادت الرأسمالية ابتلاع العمل...الاستعمار أراد ابتلاع الشعوب... الطبقة القوية أرادت ابتلاع الأمة... الغرب أراد ابتلاع الشرق..."، وبهذا المنوال نقول وما الرجل إلا قوة تريد ابتلاع المرأة، ولا يزال الرجل يؤكد للمرأة العربية المتعلمة المثقفة الواعية رجولته بأفعال وأقوال سلبية، خذ على سبيل المثال نسبة زواج الرجال المتعلمين المثقفين من مهندسين وأطباء ومحامين وما يعرفون بالنخبة المثقفة من نساء متعلمات وعاملات في المجال نفسه، وفي المستوى الاجتماعي نفسه، ستجدها ضئيلة، في حين ? وللمفارقة- أن نسبة زواج الرجال المتعلمين ذوي الدخل المحدود من نساء متعلمات وعاملات مرتفعة قد تصل إلى 40 في المئة أو تزيد، وهو ما يحدد موقف الرجل المتعلم من قصة عمل المرأة، ففي حالة اقتداره لم يهمه عملها أو مستوى تعليمها، ولكن في حالة قلة اقتداره فلا مانع من تقبل عملها وعائده المادي، فإذا كان هذا هو موقف الرجال المتعلمين المثقفين، فلا عجب من منظور التجار ورجال المال في اختيار نسائهم. هذا التوجه بالذات وثّقت المرأة فيه بصمة أكثر جرأة وأصدق وعياً، فالمرأة المتعلمة المثقفة غالباً ما ترفض الارتباط بمن هو أقل منها فكراً وعلماً وخبرة، ذلك أن الرجل الذي لا يجذبها إليه برباط عقلي وروحي وإنساني لا شيء يجبرها على الارتباط به، إلا في حالات استثنائية لا يقاس عليها، وهو ما يفسر ارتفاع نسبة بقاء النساء المثقفات المدركات بلا زواج، بينما الرجل وكما أشرنا لا تهمه هذه المقاييس عند الزواج، فأول ما يسأل عنه في المرأة هو جمالها الذي يعميه عن أي معيار آخر، فماذا يفعل بجمالها أمام جهلها أو اختلاف طباعها عنه مثلاً؟ الإجابة عن هذا السؤال عادة ما تأتي متأخرة ومعها ورقة الطلاق وكم طفل في"السِكة". الأمر الذي يدل على أن المرأة العربية مثلت مفهوماً للحرية والرقي البشري أعمق مما يمثله الرجل العربي، الذي ارتضى لنفسه وهو في قمة علمه وثقافته وارتياده المؤتمرات أن يبقى سلبياً مكتفياً بمكاسبه المتوارثة..لا يسعده سوى الزواج بمن تصغره سناً وعلماً وثقافة وكفاية، حتى ينتشي ويشعر بذكورته وبلعب دور الوصي، فمن سيحرر أبناءنا ويعلمهم كيف يكون العيش بكرامة ووعي إذا كانت الأم نفسها لم تتحرر؟ والمشكلة أن الرجل لا يزال يجهل أنه يجهل ويتجاهل أهمية دور المرأة في بيته ومجتمعه كقوة بشرية قادرة على التقدم والتحضر. ولا نزال نجهل جميعاً ? رجالاً ونساء- مفاتيح الحضارات، وأن وراء المال والعلم والثقافة نوعية من الإنسان ونوعية من الشخصية تعي كيف يكون الاختيار وعلى أي أساس يكون! الإنسان العربي في حاجة إلى تحرير نفسه من نفسه المزيفة أولاً، فهاهو قام بثورته على حاكمه فماذا تغير؟ ولو انتقل من خلف السور إلى أمام السور فماذا سيتغير وهو يحمل نفسه معه هنا وهناك بكل عقدها وموروثاتها؟ فهل ناقشها مع نفسه؟ هل غربلها مع نفسه؟ ولا أظن أن عبء التغيير الجوهري والحقيقي إلا من مسؤولية المرأة لا الرجل، الذي لا يزال متشبثاً بمكاسبه وفرديته ولا يريد التنازل عن أي منها، لإحساسه أنه في موقع غير خاسر بالنسبة إلى المرأة والمجتمع الذي يسانده في مفهوم الوصاية، فكما قلنا الرجل لا يزال يجهل أنه يجهل. المرأة اليوم تقف حائرة متشككة ومستنفرة، لا تعرف بالتحديد ماذا عليها أن تعمل أو بماذا عليها أن تبدأ في مطالبها! فهل الرجل خصم لها وعليها انتزاع حقوقها منه؟ أم أنه مثلها مغلوب على أمره وهناك أطراف أخرى تزاحمها حريتها وسلب حقوقها؟ هل حان وقت المرأة لتتبادل الأدوار مع الرجل أم عليها الانفصال عنه؟ وهل تستقيم الحال بمعسكر للرجال وآخر للنساء؟ أم أن الحل في الإيمان الأكيد بمصير مشترك واحد؟ باختصار ما التعريف الإجرائي للإنسان العربي الجديد رجلاً كان أم امرأة؟ على اعتبار أن شخصية العربي اليوم بدأت تتشكل وتختلف معالمها عن ذي قبل، أو على الأقل هذا ما يبدو! كاتبة سعودية [email protected]