لا أملك إلا أن أكرر نفسي، وأستمر في الكتابة عن الموضوع نفسه، لأن الحوداث تتشابه، ولأن الضحايا لا يختلفون سوى في الأسماء. تم إنقاذ الطفل عبدالرحمن أخيراً من براثن زوجة والده التي كانت"تؤدبه"- كما تدّعي - لأن أم والدته علمت بالموضوع فأسرعت هي وخاله لإبلاغ الشرطة، ولأنه أيضاً لا يسمع الكلام، ولأن الوالد - سلمه الله - سلمها الفتى لتحل فجأة مكان والدته فراحت تحرق جسده بالولاعة"وهذا ابتكار منها بارك الله فيها". أعود وأكرر مشكلتنا الكبرى تكمن في طريقة التفكير الذي اختلط كثيراً بين الفكر التأديبي المشوّه وبين التنفيس عن الغضب وبكل صدق وصراحة وشفافية"التلذذ بتعذيب الآخرين". أذكر المؤتمر الخاص بالعنف الذي حضرتُه في مستشفى الحرس الوطني في جدة، عندما شرعت المحاضِرة في عرض محاضرتها وبدأت تسأل الحضور عن الأسلوب الفعال في تغييرسلوكيات الأطفال غير المحببة، كانت الإجابات مذهلة"فمعظم الحاضرات أجمعن على أسلوب الضرب الفعال"...! وأذكر حينها كيف بدأن في الاستشهاد بالآية الكريمة واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن، [النساء 12]، في غير موضعها بحسب فهمنّ الخاطئ لها. وكيف بدأن في الأحاديث الجانبية مستهجنات ومستهزئات بكل من رفض أسلوب الضرب العقيم. نعم، هذا هو الفكر والثقافة السائدة للأسف في مجتمعنا، والتي أثبتت الحوداث المقيتة"ضرورة نسفها وتغييرها". الضرب قد يمنع السلوك غير المحبب لفترة، ولكنه لا يغيره، وسيُعيد الطفل السلوك نفسه كلما سنحت له الفرصة في وقت آخر، فالفائدة العائدة من الضرب إذاً لم تُحدِث تغييراً سوى تأثير وقتي، والضرب الذي حدث كان فقط لتنفيس مشاعر الغضب ليس إلا. مشكلتنا الكبرى الأخرى تكمن في طريقة الزواج الذي لا يهيئ الجو العام للتآلف والتناغم بين أفراد لديهم نية العيش معاً. أجدها ضرورة ملحة ان تعلم المخطوبة التي تستعد للزواج من رجل مطلق ولديه اطفال بأنها بصدد الدخول على بيت فيه أطفال لا تستطيع هي ولا غيرها محو والدتهم من خريطة حياتهم. لا يوجد في ثقافتنا ولا في اهتمامتنا فكرة ترك مساحة لمعرفة مدى قبول الطفل لزوجة والده. لا يوجد فكرة التدرج في العلاقة حتى تصل إلى مرحله التقبل. نعتمد كثيراً على سلوكيات المفاجئة، ولذلك يوجد النفور والكراهية وغيرها. فكرة قيام زوجات الأب"بالتأديب والتربية"فكرة مغلوطة جداً وتكرس الكثير من الكراهية والمفترض ان الأب هو الذي يربي"من دون ضرب"وزوجته تساعده في ذلك، ولكن أن يغيب الأب أو يُغيّب وتتولى هي مهمة التحكم والسيطرة على الطفل من جميع النواحي فهذا هو الخطأ بعينه. "الحمد لله"تم إنقاذ عبدالرحمن، ولكن ثقافتنا عن الزواج والتربية والطلاق تحتاج الى انتفاضة قوية لتعود مستندة على شرع الله، وقوانين الإنسانية، وقوانين وضعية تجرّم بكل حزم كل ما سبق. [email protected]