الصندوق السعودي للتنمية يوقع قرضين بقيمة 367.5 مليون ريال لتمويل إنشاء مدارس وطرق في أفغانستان    جيبوتي تستنكر إطلاق صواريخ بالستية باتجاه مدينة جيزان    الرئيس الأفغاني يغادر جدة    الرئيس الأفغاني يستقبل الشيخ سعد الشثري    فيتوريا: لست متأكدا من مشاركة حمدالله أمام السد .. أمرابط يطالب بحضور جماهير النصر    أكثر من ثلاثة ملايين عملية نفذتها كتابات العدل خلال العام الجاري    “الجوازات”: يمكن للمواطنات الحجز عبر خدمة المواعيد الإلكترونية لإصدار أو تجديد جواز السفر    “الحج والعمرة”: مغادرة 911 ألف حاج بعد أداء المناسك    بمشاركة السعودية.. «الأسد المتأهب» يتصدى للإرهاب وطائرات «الدرون»    “الإسكان”: اكتمال إنشاء أكثر من 170 ألف وحدة سكنية في النصف الأول من 2019    أمير حائل يتابع تنفيذ مشروعين بالمنطقة.. وتعهُّد بالانتهاء منهما في الوقت المحدد    أمير الباحة: نقف صفاً واحداً لمن يحاول المساس بالوطن    أمين عام الجامعة العربية يؤكد لرئيس وزراء لبنان إدانة الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة    «هيئة الصحفيين» تعلن غداً عن منتدى وجائزة الإعلام السعودي    شيري تُعلن طلاقهما من الداعية معز مسعود عبر «فيسبوك»    الرئيس الأفغاني يستقبل الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربي    بدء توافد فرق بطولة «سوبر جلوب»    23 % نسبة الإنجاز بمشروع دوار الفلك.. والانتهاء خلال 10 أشهر    مهرجان الرمان بالباحة الشهر المقبل    ضبط وافد تسلل إلى مجمعين للاتصالات في الرياض    الأحوال المدنية في عسير تمدد فترة العمل    «موسم الطائف» يسهم في تدريب وتأهيل 1522 شاباً وفتاة    مدرج الذهب يزين الدوري من الجولة الأولى    "يقلب الله الليل والنهار" محاضرة بتعاوني العارضة غدًا    «ولي العهد» يوجه بدراسة إقامة مزاينات المناطق    الجسمي في عكاظ : «الإماراتي لأخو نورة حزام»    سمو رئيس الاتحاد السعودي للهجن يستقبل مجموعة من المتطوعين    ال7 تحذر الملالي.. وماكرون: لم أفوض بالتحدث معهم    اتفاقية تفاهم بين كلية محمد بن سلمان للأمن السيبراني و"إنسبر"    بدر بن سعود : القوة الخاصة لأمن المسجد الحرام تكمل استعداداتها لموسم العمرة    البورصة العراقية تغلق على انخفاض    رئيس منظمة الحج والزيارة الإيرانية ينوه ل«بنتن» بالخدمات المقدمة لحجاج بلاده    احذر.. ملاحقة سيارات الإسعاف مخالفة.. وهذه قيمتها    وزير التعليم مغرداً: مرحباً بالمعلمين والمعلمات في بداية عامٍ دراسيٍ جديد    الصقور السعودي : إقامة معرض الصقور والصيد 11- 15 أكتوبر    سمو نائب أمير المنطقة الشرقية يلتقي مدير جامعة الإمام عبدالرحمن بن فيصل    سمو أمير مكة المكرمة يستقبل مدير عام التعليم بجدة    "الأرصاد".. أتربة مُثارة وأمطار رعدية على المدينة المنورة وعدد من محافظاتها    “الوطنية لنقل الكهرباء” تغطي كافة ارجاء المملكة بأطول شبكة نقل 84 ألف كلم    "اللغة العربية في آسيا الوسطى" ندوة ضمن فعاليات مهرجان سوق عكاظ    سمو أمير منطقة الجوف يستقبل أعضاء المجلس المحلي والبلدي ومدراء الإدارات الحكومية بمحافظة طبرجل    الحائلي: جماهير الاتحاد العلامة الفارقة    ليبرون جيمس يعلق على تألق صلاح    الهند تسعى لحظر كامل على السجائر الإلكترونية    حالة الطقس المتوقعة اليوم الأحد    مجموعة "قادر" بتبوك تقيم ورشة عمل لأسر مرضى الذهان    قرقاش: التحالف السعودي الإماراتي ضرورة إستراتيجية.. والمملكة هي التي تقرر استمرار دورنا في اليمن    ضبط شخص دخل بشكل مخالف لمحمية التيسية بالرياض.. والعثور على 54 طائراً بحوزته    استقبل وزير الشؤون الإسلامية.. رئيس الشيشان:                «ملتقى ومعرض العمرة» يستقطب 20 ألف زائر    أغذية ومشروبات تضعف تأثير الأدوية    التكميم يزيد خصوبة الرجل 10%    منصور بن مشعل يطالب لاعبي الأهلي بالعودة لطريق الانتصارات    قصة أغنى أمرأة في أمريكا .. دخلت موسوعة غينيس في البخل وكانت تنام وبجوارها مفاتيح خزنها ومسدسها    زار الملحقية العسكرية السعودية في لندن    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





دعوا فيه إلى إنشاء معاهد لتخريج مفتين أَكفاء ... وحذروا من هوس "التلفيق" . الفقهاء يصدرون أول ميثاق لهم ... حملوا فيه على فتاوى "زعزعت الأمن" ويسرت بلا ضوابط
نشر في الحياة يوم 25 - 01 - 2009

كشف الميثاق الأول الذي تتفق عليه مؤسسات الإفتاء وقيادات العالم الإسلامي الدينية عن مضامين يمكن أن تثير جدلاً بين الفقهاء من الدرجة الثانية، وبين الأوساط الفكرية والتجديدية والليبرالية، خصوصاً إذا ما اكتسبت وصاياه صفة"الإلزام"مستقبلاً، كما يتطلع الفقهاء المخرجون له. أحد تلك المضامين جاء في البند الثالث، الذي عرف مجالات الفتوى بأنها معنية بالعلاقات الدولية في السلم والحرب، إلى جانب العبادات والمعاملات.
وقال:"تشمل الفتوى جميع تصرفات العباد، لا يخرج عنها اعتقاد، أو قول، أو عمل، وهذا يشمل علاقة المكلف بربه، وبنفسه وبغيره، وبالدولة التي يعيش فيها، وعلاقة الدولة بغيرها من الدول في زمن السلم والحرب. أي أن الفتوى تتصل بمختلف المجالات: العقيدة والعبادة والمعاملة والمال والاقتصاد والأسرة والسياسة والحكم والقضاء وغير ذلك".
وفي الباب الثاني الذي ناقش مشكلات الفتوى وأسبابها وآثارها، اعتبر أبرز مشكلات الفتوى في ابتعاد بعض رجالاتها"عن نهج الوسطية المبني على الكتاب والسنة وسلوكهم أحد طريقين: إما التشدد وإما التساهل المفرط". ما نتجت منه آثار خطرة مثل:"تحريم الحلال وتحليل الحرام، وبروز القول بالتكفير بالمعصية وتحليل دماء المسلمين والخروج على ولاة الأمر، وتشويه صورة الإسلام والتنفير منه". إلى جانب"حصول الفرقة في بعض المجتمعات الإسلامية، وانقسام المسلمين إلى فرق وأحزاب، وزعزعة الأمن والاستقرار، وإشغال الأمة عما هو أهم وأصلح للمجتمع".
وشدد الميثاق على أن بين الآثار السيئة التي أفرزتها الفتاوى المتشددة والمتساهلة أيضاً"ظهور الريبة والشكوك بين أفراد المجتمع وولاة أمورهم، وإضعاف جهات الفتوى المعتبرة، والتسبب في عدم القناعة بها لدى بعضهم، والنيل من العلماء الربانيين، ورميهم بالجمود والتشدد في الفتوى".
وخصص الباحثون الفصل الثالث من الميثاق لما اعتبروه حلولاً وضوابط حذروا فيها من"أية ضغوط قد تؤثر في المفتي في بيانه لحكم الله في المسألة، فالذين يبلغون عن الله لا يخشون إلا هو". كما دعوا إلى الحذر من"الفتاوى الضالة المضلة التي تدعو إلى سفك الدماء المعصومة بغير حق". وبدا واضحاً من الميثاق انزعاج الفقهاء ممن ينعتونهم بدعاة"التيسير غير المنضبط". وخصصوا أكثر من بند في الضوابط للتحذير من نهجهم الذي ربما وصف بالمعتدل من جانب البسطاء. لذلك نبه الباحثون إلى أن"ما قد يظن مصلحة مما يصادم النص ليس في الحقيقة مصلحة، بل هو أهواء وشهوات زينتها النفوس، وألبستها العادات والتقاليد ثوب المصالح".
وفي هذا الصدد شددوا على أن التيسير ليس مقصداً وحيداً للمفتي بل عليه مراعاة مقصد آخر وهو"إخراج المكلف من اتباع هواه إلى طاعة مولاه"، وحذروا من"التساهل في الفتوى، سواءً أكان عن طريق التساهل في طلب الأدلة وطرق الأحكام، أم عن طريق التساهل بطلب الرخص وتأول الشبه".
في جانب مراجعة المفتين لاجتهادهم، نصح الميثاق المفتين بعدم"النزوع إلى تغيير الفتوى لأول سانحة من حاجة أو مصلحة غير معتبرة شرعاً، كما يجب عليه عدم البقاء على فتواه في كل حال".
ورأوا أن"تغيير الفتوى سواء أكان بسبب تغير الأعراف والعوائد، أم بسبب المصالح الطارئة المعتبرة، أم بسبب فساد الزمان وأهله، وما تقتضيه السياسة الشرعية، مشروط بعدم معارضة النصوص القطعية والكليات الشرعية، والمبادئ الأساسية، والمقاصد والغايات التي جنسها مراد لله ورسوله عليه الصلاة والسلام".
وأضافوا:"قد أخطأ من ظن أن الأحكام تتغير بتغير الزمان، على وفق ما تقتضيه مصالح موهومة، ولو أدى ذلك إلى مخالفة نص أو إجماع".
أما التوصيات التي تمنى الباحثون أن تنفذ من جانب الدول الإسلامية، فكان أبرزها"منع غير المؤهلين للفتوى والمتساهلين فيها، وأهل الأهواء والحيل الباطلة من ممارسة الفتوى حماية للدين والمجتمع".
لكن الباحثين لم يوصوا باحتكار الفتوى على المرخصين من المفتين، كما لم يقترحوا عقوبات محددة لتأديب أهل الأهواء كما يسمونهم، وإنما دعوا إلى"إنشاء معاهد عليا للإفتاء يدرس فيها المتفوقون من خريجي كليات الشريعة، ليتأهلوا لهذا الشأن".
استعرض المشاركون في"المؤتمر العالمي للفتوى وضوابطها"أكثر من 40 بحثاً، أعدتها نخبة من العلماء المتخصصين، تناولت محاور:"الفتوى وأهميتها. الفتوى وتأكيد الثوابت الشرعية. الاجتهاد الجماعي وأهميته في مواجهة مشكلات العصر. تغير الفتوى. الفتاوى الشاذة وخطرها. التلفيق. تنظيم الفتوى..أحكامه وآلياته. فتاوى الفضائيات وآثارها".
وبعد الاستماع إلى الأبحاث والمناقشات المستفيضة حولها والنظر في المقترحات والآراء المقدمة لأمانة المؤتمر، انتهى المؤتمرون إلى إصدار ميثاق للفتوى، يتكون من ثلاثة أبواب و41 مادة، يتواصى المؤتمرون على التقيد بها، ويدعون ولاة أمر المسلمين وعامتهم إلى العمل بها. وذلك على النحو الآتي:
الباب الأول
مبادئ وأساسيات
حقيقة الفتوى، ومجالاتها، وأهميتها، وحكمها، وشروط المفتي، وصفاته، وآدابه، وآداب المستفتي
1- الفتوى هي: الإخبار بحكم الله عن دليل لمن سأل عنه.
وهي من البيان الذي أوجبه الله على العلماء في قوله: وَإِذَ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ آل عمران187.
وحذر سبحانه من كتمانه، قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ البقرة 159.
كما حذّر نبيه صلى الله عليه وسلم من ذلك في قوله: من سُئل عن علم فكتمه ألجمه الله بلجام من نار يوم القيامة أخرجه أبو داود والحاكم.
2- المفتي هو: المخبر بحكم الله عن دليل لمن سأل عنه.
3- مجالات الفتوى: تشمل الفتوى جميع تصرفات العباد، لا يخرج عنها اعتقاد، أو قول، أو عمل، وهذا يشمل علاقة المكلف بربه، وبنفسه وبغيره، وبالدولة التي يعيش فيها، وعلاقة الدولة بغيرها من الدول في زمن السلم والحرب. أي إن الفتوى تتصل بمختلف المجالات: العقيدة والعبادة والمعاملة والمال والاقتصاد والأسرة والسياسة والحكم والقضاء وغير ذلك.
4- أهمية الفتوى: الفتوى شأنها عظيم، فالمفتي مخبر عن الله وعن رسوله صلى الله عليه وسلم، وبقدر عظم شأن الفتوى وشرفها وأجرها يكون عظم خطرها واشتداد ضررها - إذا تصدى لها من ليس أهلاً لها - على من يستفتيه، وعلى سائر الأمة.
قال صلى الله عليه وسلم: من أُفتي بغير علم كان إثمه على من أفتاه رواه أبو داود واللفظ له والحاكم وصححه.
وقال صلى الله عليه وسلم: إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رؤوساً جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا متفق عليه.
ولهذا كان السلف رحمهم الله مع غزارة علمهم، وحرصهم على تعليم الناس وإجابة أسئلتهم يردون السائل إلى غيرهم ليكفيهم عهدة الفتوى.
5- للفتوى الصادرة عن أهلها أثر كبير في بيان حقائق الإسلام وتفنيد أباطيل خصومه، وتأكيد أن الشريعة الإسلامية صالحة لكل زمان ومكان، وصالحة لتنظيم مختلف نواحي الحياة الخاصة والعامة: السياسية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية والإدارية وغيرها، على أتم الوجوه وأعدلها.
6- حكم الفتوى: الأصل في الإفتاء أنه فرض كفاية. قال تعالى: فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ التوبة 132
وتجب الفتوى وجوباً عينياً على المفتي المؤهل في بعض الأحوال، نحو ألاّ يوجد مؤهل غيره.
7- يحرم على المفتي الفتوى في الأحوال الآتية:
إذا كان لا يعلم حكم المسألة أصلاً. ولا يستطيع استنباط حكمها وفق الأصول الشرعية.
إذا كان الإفتاء بهوى من المفتي.
قال تعالى: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ الأعراف 33.
وقال الله تعالى: وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمْ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ، مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ النحل: 116و117.
وقال تعالى: وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا المائدة المائدة 48.
ج - إذا كان منشغل الفكر، وفي حال لا يتمكن معها من التأمل والنظر.
د- إذا خشي غائلة الفتوى بأن تؤدي إلى مآلات غير محمودة.
ويجوز امتناع المفتي عن الفتوى في الأحوال الآتية:
أ - إذا خشي لحوق ضرر به.
ب- إذا قام غيره مقامه.
ج- إذا كانت الفتوى مما لا نفع فيها للسائل.
د- إذا كانت المسألة المسؤول عنها غير واقعة.
8- شروط المفتي: يشترط في المفتي شروط، لا يجوز له التصدي للإفتاء قبل تحققها، ولا يحل لأحد أن يستفتيه بدونها، وهي:
أ - الإسلام.
ب - البلوغ.
ج - العقل.
د - العلم بالأحكام الشرعية من أدلتها.
ه- العدالة، فمن اختل دينه، أو فسدت مروءته لم يصلح للفتيا، وذلك لعدم الوثوق بقوله.
9- من كان من أهل الاجتهاد، وجب عليه الإفتاء بما أداه إليه اجتهاده.
ومن لم يبلغ رتبة الاجتهاد من أتباع المذاهب الفقهية وكان من أهل التخريج أو الترجيح جاز له الإفتاء تخريجاً على أقوال المجتهدين، أو ترجيحاً بالدليل من هذه الأقوال.
ومن كانت رتبته دون ذلك، جاز له الإفتاء بما علمه بدليله، من مذهبه أو مذهب غيره.
10- من أهم الصفات التي ينبغي أن يتصف بها المفتي:
أ- أن يكون صحيح التمييز، قوي الفطنة، يتوصل بذكائه إلى إيضاح ما أشكل وفصل ما أعضل.
ب- أن يتصف بالأناة والتثبت والحلم والمهابة والوقار.
ج- أن تكون له معرفة بأحوال المستفتين وبالواقع الذي يعيشون فيه، إما بنفسه أو بمن يستعين به من أهل الخبرة.
د- أن تكون لديه خبرة في تنزيل الأحكام على الوقائع، وذلك بالتتلمذ على من صقلتهم التجربة، والاطلاع على فتاواهم، والتأمل في مآخذها، وكيفية تنزيل الأحكام على الوقائع.
11- من أهم واجبات المفتي وآدابه:
أ- الإخلاص لله تعالى، ومراقبته.
ب- مشاورة أهل العلم والاختصاص عند الالتباس.
ج- التوقف عن الإجابة عند عدم ظهور الحكم له، وعدم التحرج من قول: لا أدري.
د- عدم التردد في الفتوى عند ظهور الحكم له.
ه- المحافظة على أسرار المستفتين.
و- دلالة المستفتي على ما ينفعه، ومراعاة الجوانب التربوية والتوجيهية في فتواه.
ز- عدم التعرض لشخص المفتي عند مناقشة رأيه الشرعي.
12- من آداب المستفتي:
أ- اجتناب السؤال عما يؤدي إلى الارتياب في دينه وعمله.
ب- البحث عن المفتي الأهل، إما بنفسه إن قدر، أو بخبر العدل، أو نحو ذلك.
ج- الحرص على العلم بالحكم المبرِّئ لذمته، وليس البحث عمن يفتيه وفق رغبته وهواه.
د - التأدب مع المفتي، وعدم التلبيس عليه.
الباب الثاني
مشكلات الفتوى، وأسبابها، وآثارها
13- أهم المشكلات التي تواجه الفتوى في العصر الحاضر:
أ- ابتعاد بعض المتصدين للفتوى عن منهج الوسطية المبني على الكتاب والسنة، وسلوكهم أحد طريقين متطرفين: إما التشدد، وإما التساهل المفرط.
ب- صدور بعض الفتاوى بآراء شاذة عارية عن الدليل الصحيح المعتبر.
ج- انفراد بعض المتصدين للفتوى بالإفتاء في نوازل تمسُّ المجتمعات، وتتصف بطابع العموم، والتشعب الذي تخرج به الفتوى عن حيز الفن الواحد إلى حيز الفنون المتنوعة، ما يجعل أمر استيعابها وتصورها على حقيقتها معتركاً صعباً لا يستطيع خوض غماره الواحد بمفرده.
د- صدور بعض الفتاوى المخالفة لأصول الاعتقاد، وكليات الشريعة، ومبادئ الأخلاق، وما شرع من الأحكام بنصوص ثابتة قطعية.
ه- التصدي للفتوى ممن لم تتحقق فيه شروط المفتي وصفاته وآدابه.
و- اجتراء من ليس من أهل العلم الشرعي على فتاوى العلماء الربانيين، وقرارات المجامع الفقهية والتشكيك فيها.
ز - تعارُض بعض الفتاوى في المسائل المتجانسة، وما يؤديه ذلك أحياناً من الحيرة والشك لدى العامة.
ح- توسع بعض المفتين في ذكر الخلاف دون بيان الرأي المختار.
14- أهم أسباب مشكلات الفتوى في العصر الحاضر، ما يلي:
أ- ضعف العلم بالنصوص ودلالاتها، وبالضوابط والأصول الحاكمة للاستنباط والتفسير والتأويل.
ب- قلة عدد المؤهلين للفتوى الذين تتوافر فيهم شروط المفتي وصفاته وآدابه.
ج - التذرع بالمحافظة على المصالح وتلبية الضرورات والحاجات الموهومة.
د - دعوى التجديد ومسايرة العصر.
ه- طلب بعض وسائل الإعلام الفتوى ممن ليس أهلاً لها.
و- مراعاة المصالح الخاصة، والهوى والتشهي، أو حب الشهرة والظهور، أو عدم الخوف من الله ومراقبته.
ز- الفهم غير الصحيح لمعنى التيسير في الإسلام.
ح- عدم فهم بعض المتصدرين للفتوى فقه الواقع ومآلاته، وعدم مراعاتهم ما قد تحدثه هذه الفتاوى من المفاسد والأضرار.
15- أهم الآثار السلبية التي نتجت بسبب هذه المشكلات في حالات عدة:
أ- تحريم الحلال، وتحليل الحرام، الذي يعد من كبائر الذنوب، بل قد يخرج المسلم عن دائرة الإسلام.
ب- بروز القول بالتكفير بالمعصية، واستحلال دماء المسلمين والخروج على ولاة الأمر.
ج - تشويه صورة الإسلام، والتنفير منه.
د - حصول الفرقة في بعض المجتمعات الإسلامية، وانقسام المسلمين فيها إلى فرق وأحزاب.
ه - زعزعة الأمن والاستقرار، وإشغال الأمة عما هو أهم وأصلح للمجتمع.
و- ظهور الريبة والشكوك بين أفراد المجتمع وولاة أمورهم.
ز- إضعاف جهات الفتوى المعتبرة، والتسبب في عدم القناعة بها لدى البعض.
ح- النيل من العلماء الربانيين، ورميهم بالجمود والتشدد في الفتوى.
ط - الوقوع في الحِيل المحرمة، وتتبع الأقوال الشاذة المعارضة للأدلة المعتبرة، وسلوك منهج التلفيق غير الصحيح"اتباعاً للهوى وما تميل إليه النفس، والتماساً لرغبات البعض.
الباب الثالث
الحلول والضوابط
من أهم الحلول والضوابط لكي تحتل الفتوى مكانها اللائق بها ما يأتي:
16- تعميق الشعور لدى المجتمع والأفراد بأهمية منصب الإفتاء، وأنه ليس إبداء للآراء الشخصية، أو تحكيماً للعقل المجرد، أو استجابة للعواطف النفسية، أو تحقيقاً للمصالح الدنيوية المتوهمة، بل هو تبيين لما شرع الله سبحانه وتعالى لعباده من شرائع وأحكام بأدلتها.
17- تأسيس الفتوى على علم صحيح مبني على الكتاب والسنة أو ما يرجع إليهما من إجماع أو قياس صحيح أو أصل شرعي معتبر، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً النساء 59.
وقال تعالى: يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ 15 يَهْدِي بِهِ اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ المائدة 16.
وقال تعالى: اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ الأعراف 3.
وقال صلى الله عليه وسلم: عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضُّوا عليها بالنواجذ رواه مسلم. وقال صلى الله عليه وسلم: قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك، ومن يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً، فعليكم بما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين رواه أحمد واللفظ له وابن ماجه والحاكم.
18- الحذر من أي ضغوط قد تؤثر في المفتي في بيانه لحكم الله في المسألة، قال تعالى: الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا الأحزاب 39.
19- التحوط البالغ في الحكم بتكفير أحد من المسلمين، فلا يجوز تكفير مسلم إلا بإتيانه ناقضاً من نواقض الإسلام، لا يقبل تأويلاً، فإن تكفير المسلم من أعظم ما حذّر منه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حيث قال: إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر، فقد باء بها أحدهما رواه مسلم.
20- الحذر من الفتاوى الضالة المضلة التي تدعو الناس إلى سفك الدماء المعصومة بغير حق، والتأكيد على أن حفظها من أعظم مقاصد الشريعة الغراء، قال تعالى: مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا المائدة 32.
21- وجوب اتباع ما ورد فيه نص من كتاب الله أو سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، لأنه الحق والعدل، ولا حق ولا عدل في غيره، ولأنه المصلحة، ولا مصلحة فيما سواه، وما قد يُظن مصلحة مما يصادم النص ليس في الحقيقة مصلحة، بل هو أهواء وشهوات زينتها النفوس، وألبستها العادات والتقاليد ثوب المصالح، قال تعالى: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ الأحزاب 36.
وقال تعالى: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ النور 63.
وقال تعالى:وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا الحشر 7.
فالأقوال والأعمال توزن بميزان الكتاب والسنة الصحيحة، فما وافق ذلك قبل، وما خالفه فهو مردود على قائله وفاعله كائناً من كان.
قال الشافعي - رحمه الله -: أجمعَ الناسُ على أن من استبانت له سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يكن له أن يدعها لقول أحد.
22- الحذر من الحيل الباطلة للوصول إلى استباحة المحرمات في الشريعة، قال - صلى الله عليه وسلم -: قاتلَ الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها متفق عليه.
وقد نقل الثقات إجماع الصحابة على تحريم الحيل الباطلة، وإجماع الصحابة من أقوى الأدلة وآكدها.
23- أهمية تحرير عبارة الفتوى تحريراً رصيناً واضحاً بعيداً عن الإيجاز المخل، أو الإطناب الممل، مع ذكر الشروط والقيود التي تتعلق بالحكم"لئلا تُفهم الفتوى على وجه غير صحيح، وحتى لا يستغلها الذين يبغون إثارة الفتن بين المسلمين، قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا الأحزاب 70.
24- عدم التوسع في ذكر الخلاف الفقهي في المسألة، وعلى المفتَى عند ذكر الخلاف أن يختار من الأقوال التي ذكرها الأسعد بالدليل.
25- التحذير من الفتاوى الشاذة المصادمة لنصوص الكتاب والسنة، وما كان عليه سلف الأمة الصالح ومن الأخذ بها، أو تقليد صاحبها، أو نقلها والترويج لها"لأنها مخالفة للشرع. ولا تعد خلافاً معتبراً في المسائل الشرعية.
26- المنهاج الشرعي مبني على الوسط، لا على مطلق التشديد، ولا على مطلق التخفيف، والحمل على ذلك هو الموافق لقصد الشارع، وهو منهج السلف الصالح، قال تعالى وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا البقرة 143.
27- التأكيد على أهمية الثقة بفتاوى العلماء الربانيين والاطمئنان إليها، ونشرها في المجتمع"لما لها من أثر كبير في حمل الناس على المنهج الوسط في الاعتقاد والعبادات والمعاملات، وإبعادهم عن الغلو والتشدد، والتساهل والانحلال.
28- وجوب قيام المفتين بواجباتهم والتصدي للفتاوى الشاذة والرد عليها "لما في ذلك من مصالح للإسلام والمسلمين، ومنها:
أ- وحدة الأمة، وحفظ هويتها، واجتماع كلمتها على الشريعة الإسلامية.
ب- الحفاظ على وسطية الأمة في دينها، وإظهار الصورة الحقيقية للإسلام.
ج - اطمئنان أفراد المجتمع الإسلامي إلى ما يصدر منهم من فتاوى.
د- الحد من الغلو والتطرف، والتساهل والانحلال.
ه- تعرية المذاهب والشعارات الإلحادية والتكفيرية ونحوها.
و- استتباب الأمن في المجتمع المسلم، وحقن دماء المسلمين، وحفظ أموالهم وأعراضهم.
29- التأكيد على الفرق في الفتوى بين التيسير المنضبط بضوابط الشريعة، وبين التساهل غير المنضبط بتلك الضوابط، فالتيسير لا يقصد به التساهل، وإنما يقصد به الاعتدال وعدم إلحاق العنت بالسائل، وتقديم الأيسر على الأحوط في حال تساوي الدليلين.
30- الحذر من التساهل في الفتوى، سواء أكان عن طريق التساهل في طلب الأدلة وطرق الأحكام، أم عن طريق التساهل بطلب الرخص وتأوُّل الشُّبَه.
31- ليس التيسير هو المقصد الوحيد الذي يراعيه المفتي، بل يوجد مقصد آخر تجب مراعاته، وهو إخراج المكلف من اتباع هواه إلى طاعة مولاه.
32- من ضوابط التيسير في الفتوى:
أ - أن يكون وفق أصول الشريعة وأدلتها.
ب - ألا يفضي إلى التحلل من التكاليف.
ج - أن يكون المقتضي للتيسير متحققاً من دفع مشقة عامة أو خاصة.
33- لا يصير المفتي إلى التلفيق، أو القول المرجوح، ولا العمل بالرخصة الفقهية، إلا بعد تحقق شروطها.
34- يتغير الاجتهاد بتغير المناطات والمدارك، بحيث تحدث وقائع جديدة غير السابقة، فإذا تحقق المفتي من ضعف المدرك السابق أو زواله، أو ترجح غيره عليه لمصلحة معتبرة شرعاً وغير متوهمة، صح منه النظر في أمر تغيير الفتوى.
وعلى المفتي عدم النزوع إلى تغيير فتواه لأول سانحة من حاجة أو مصلحة غير معتبرة شرعاً، كما يجب عليه عدم البقاء على فتواه في كل حال، بل يسلك في ذلك طريق الراسخين في العلم ممن أخذ بالنصوص واجتهد في تنقيح مناط الحكم وتحقيقه.
35- تغيير الفتوى سواء أكان بسبب تغير الأعراف والعوائد، أم بسبب المصالح الطارئة المعتبرة، أم بسبب فساد الزمان وأهله، وما تقتضيه السياسة الشرعية، مشروط بعدم معارضة النصوص القطعية والكليات الشرعية، والمبادئ الأساسية، والمقاصد والغايات التي جنسها مراد لله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -. وقد أخطأ من ظن أن الأحكام تتغير بتغير الزمان، على وفق ما تقتضيه مصالح موهومة، ولو أدى ذلك إلى مخالفة نص أو إجماع.
36- أهمية المجامع الفقهية، وسائر مؤسسات الفتوى، والاجتهاد الجماعي، عملاً بسنة النبي - صلى الله عليه وسلم -، واستناداً لمنهج الخلفاء الراشدين، والسلف الصالحين.
37- القضايا التي تتعلق بمصالح الأمة، وتتصف بطابع العموم الذي يمس المجتمعات كافة، وتخرج عن القضايا الفردية إلى القضايا المتنوعة والعامة، تتطلب اجتهاداً جماعياً، يجمع بين فقهاء الشرع وخبراء العصر، قال تعالى: وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً النساء 83.
38- الاجتهاد الجماعي أقرب إلى الحق، وأدعى إلى القبول والاطمئنان من عامة المسلمين، وله أهمية بالغة لأسباب منها:
أ- أن مؤسساته وهيئاته تضم عدداً من الفقهاء المؤهلين وأهل الخبرة، فالفقهاء يعلمون النصوص ومدلولاتها ومقاصدها، والخبراء يعرفون الواقع ومآلاته، والحكم الشرعي مركب من العلم بالنصوص والعلم بالواقع.
ب- أن المناقشات في مؤسسات الاجتهاد الجماعي قد تبرز نقاطاً كانت خافية، وتجلي أموراً كانت غامضة، وتذكر بأمور كانت منسية.
ج- أن الاجتهاد الجماعي وسيلة لتنظيم الاجتهاد والفتوى، ومنع غير المختصين من الخوض في غير تخصصاتهم، وسد الباب أمام فوضى الفتاوى غير المنضبطة في وسائل الإعلام المختلفة.
د- تجنُّب ما قد يكون في الاجتهاد الفردي من قصور أو شذوذ، أو تأثر ببعض النزعات الخاصة.
ه- تقريب وجهات النظر، وتقليل مساحات الخلاف بين المسلمين.
39- الفتاوى القائمة على الضرورات ينبغي أن تنضبط بضوابط، منها:
أ- أن تكون صادرة عن اجتهاد جماعي إذا كانت مما يتعلق بعموم الأمة، ولا ينفرد بها الآحاد، إلا أن تكون الضرورة مما لا يختلف فيها.
ب- أن يستعان في تقدير الضرورات والحاجات في الأمور المتخصصة"كالطب والاقتصاد ونحوهما بأهل الاختصاص والخبرة. قال تعالى: فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون
ج- الفتوى الخاصة المبنية على أساس الضرورة لا تعم جميع الأحوال والأزمان والأشخاص، إذ إن الضرورة تقدر بقدرها، وهي حالة استثنائية تنتهي بمجرد انتهاء موجبها، ويجب السعي لإيجاد بديل عنها قدر المستطاع.
40- أهمية الاعتناء في الإفتاء للأقليات المسلمة بالقواعد الفقهية الميسرة بشروطها"وذلك محافظة على سلامة حياتهم الدينية وتطلعاً إلى الإسهام في نشر الإسلام.
41- يتأكد على المفتي عبر وسائل الإعلام وبخاصة البث المباشر أن يتصف بما يأتي:
أ- القدرة على استحضار أحكام المسائل وشروطها وضوابطها وموانعها في حال الإفتاء.
ب- التنبه للمقاصد غير المشروعة لبعض السائلين، ولا يفتي بالظاهر الذي قد يتوصل به السائل إلى مقصوده غير المشروع، وتفادي الحديث عن مسائل تخدش الحياء، أو لا يحسن عرضها على الجمهور.
ج- معرفة مراد السائلين وأعرافهم وأحوالهم المؤثرة في الأحكام قدر الإمكان، وتنزيل الكلام على حال المستفتي.
د- عدم الفتوى في المسائل القضائية التي تحتاج إلى سماع أقوال الأطراف الأخرى، وكذلك القضايا العامة التي تحتاج إلى نظر جماعي.
ه- الظهور بالمظهر اللائق، والحرص على عدم الوقوع في المخالفات الشرعية في أثناء عرض البرنامج.
و - إذا كانت الفتوى خاصة بالمستفتي فينص على ذلك.
التوصيات العامة
أوصى المؤتمرون بتوصيات عامة من شأن الأخذ بها العناية بالفتوى ودعم مؤسساتها في الأمة الإسلامية، وهي:
1- أهمية أن تعتني الدول الإسلامية بتطبيق الشريعة الإسلامية في نواحي الحياة كافة.
2- العناية بتدريس أصول الفتوى وضوابطها وما يتعلق بها من شروط المفتي وصفاته وآدابه في كليات الشريعة والمعاهد الشرعية العليا.
3- إدراج الفتاوى الجماعية المعاصرة في مقررات التعليم العام.
4- إقامة المجامع الفقهية ومؤسسات الفتوى والمعاهد والكليات الشرعية الندوات واللقاءات للتعريف بالفتوى، وضوابطها، وبيان أهميتها، وخطرها، وحاجة الناس إليها.
5- عناية الدول الإسلامية بمؤسسات الفتوى، وتوفير المفتين في أنحاء كل دولة، بحسب الحاجة، تيسيراً على الناس، ورفعاً للحرج عنهم.
6- اهتمام المجامع الفقهية وسائر مؤسسات الاجتهاد الجماعي إلى مجالات عملها، عبر ما يأتي:
أ - العمل على استيعاب القضايا والنوازل والإشكالات المستجدة في حياة المسلمين، مع إعطاء الأولوية لأكثرها إلحاحاً وشيوعاً وتأثيراً بين المسلمين.
ب - العمل على استفادة المجتمعات من الجهود والقرارات التي تصدرها، وذلك بتبليغها والمساعدة على تطبيقها.
ج- التواصل والتنسيق في ما بينها في واجباتها المشتركة، وتعزيز روح التعاون والتكامل، وتجنب الازدواجية والتعارض.
د - التأصيل الفقهي للعلاقات مع غير المسلمين في الواقع المحلي والعالمي في ضوء أحكام الشريعة وسماحة الدين.
7- دعم الدول الإسلامية والهيئات ذات العلاقة لمؤسسات الاجتهاد الجماعي مادياً وأدبياً بما يمكنها من أداء رسالتها، والقيام بواجباتها.
8- عرض المؤسسات الرسمية والشعبية في الأمة الإسلامية للنوازل المُشْكِلة والمستَجَدَّة على المجامع الفقهية وهيئات الفتوى المعتبرة وتنفيذ ما يصدر عن تلك المجامع والهيئات من فتاوى وقرارات.
9- قيام الدول الإسلامية بصيانة منصب الفتوى والمفتين بما يأتي:
أ - اتخاذ الوسائل الكفيلة بجعل المفتي الأهل المعين من قبل ولي الأمر مستقلاً في فتواه، بعيداً عن المؤثرات غير الشرعية.
ب - منع غير المؤهلين للفتوى والمتساهلين فيها، وأهل الأهواء والحيل الباطلة من ممارسة الفتوى، حماية للدين والمجتمع.
10- نشر وسائل الإعلام المختلفة لقرارات المجامع الفقهية وفتاوى مؤسسات الإفتاء المعتبرة، والتعريف بها، وعدم إتاحة المجال لغير المتخصصين في الشرع من التعرض لها والتشكيك فيها.
11- التزام القائمين على وسائل الإعلام المختلفة بما يأتي:
أ - عدم تمكين غير المؤهلين للفتوى علماً وعدالةً من ممارستها عبر الوسائل الإعلامية.
ب - عدم نشر الفتاوى الشاذة والترويج لها، والاستعانة بأهل العلم الموثوقين لمعرفة ما يجوز نشره وما لا يجوز.
12- استثمار العلماء والمتصدين للفتوى وسائل الإعلام المختلفة في نشر الفضيلة والعلم الشرعي، وما يؤدي إلى صلاح الأمة والنهوض بها.
13- استفادة المتصدين للفتوى وهيئات الرقابة الشرعية مما يصدر عن المجامع الفقهية وجميع مؤسسات الفتوى.
14- تدريس أساتذة الجامعات قرارات المجامع الفقهية ومجامع البحوث، وهيئات كبار العلماء والاستفادة منها في البحوث العلمية.
15- إنشاء معاهد عليا للإفتاء يدرس فيها المتفوقون من خريجي كليات الشريعة"ليتأهلوا لهذا الشأن.
16- التأكيد على ما سبق أن صدر من الملتقى العالمي الأول للعلماء والمفكرين المسلمين، المنعقد في رابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة، عام 1426ه-، بدعوته"الرابطة"إلى إنشاء هيئة عليا للتنسيق بين المجامع الفقهية ودور الفتوى في العالم الإسلامي.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.