مركز الملك سلمان للإغاثة يوزّع (490) سلة غذائية    محمد بن عبدالعزيز: القضاء في المملكة يحظى بدعم واهتمام القيادة    الكلية التقنية التطبيقية للبنات بالرياض تدشّن النسخة الثانية من معرض «عمار» لمشاريع العمارة والتصميم    مؤشرات الأسهم الأمريكية تغلق على ارتفاع    تدشين البوابة الإلكترونية للمنظمات السعودية غير الربحية    فلسطين تشكر القيادة على تكثيف المساعدات إلى غزة    غالتييه: كان مفتاح المباراة في تحضيراتنا هو السيطرة على خط الوسط وقد نجح لاعبو الوسط في تنفيذ ذلك بشكل ممتاز    منتخب الريشة الطائرة يحقق إنجازًا عالميًا ويدخل قائمة أفضل 20 دولة    المملكة تدعم سيادة الصومال ووحدة أراضيه    نائب أمير القصيم :القيادة الرشيدة تولي التعليم اهتماما بالغاً    الاختبارات بين القلق والوعي    واحة الأمن نموذج وطني يجمع الأمن والتنمية في مهرجان الملك عبدالعزيز للإبل    أمير الشرقية يشهد اتفاقيات تعاون استراتيجية بجامعة الملك فيصل    جبل النور    مليون زائر يشهدون على عناية المملكة بالقرآن الكريم    تدشين مبادرة «حقهم علينا» بالمذنب    القيادة تعزي ملك الأردن في وفاة رئيس الوزراء الأسبق    إلزام الجهات الحكومية بطرح المنقولات عبر«اعتماد»    ثمن دعم القيادة المستمر للقطاع.. الفالح: الاستثمار محرك النمو ورؤية 2030 أساس النجاح    في ثاني مراحل رالي داكار السعودية 2026.. العطية يتصدر الترتيب العام.. والراجحي ثالثًا    في دور ال 16 لكأس أمم أفريقيا.. طموح الجزائر يصطدم بعقبة الكونغو    الأمير الشاعر والرأي الآخر    بريطانية تخسر منزلها بسبب «30 سنتيمتراً»    القيادة تعزي ملك المملكة الأردنية الهاشمية في وفاة رئيس الوزراء الأسبق    352 حالة إنقاذ بسواحل محافظة جدة خلال 2025    يحول خوذة دراجته إلى شرطي مرور    بالتعاون مع هيئة محمية الإمام تركي..«الفطرية»: إطلاق 124 كائناً مهدداً بالانقراض    أحبطت تهريب أسلحة بحضرموت.. «درع الوطن» تبسط سيطرتها الأمنية في المهرة    إعلان الفائزين بجائزة الملك فيصل غداً الأربعاء    SRMG شريكاً إعلامياً للمنتدى السعودي للإعلام    الإنهاك الصامت    بيع «سمكة زرقاء» ب3,27 مليون دولار    أشعة غير مرئية تسحب القمامة من الفضاء    دشن التصفيات الأولية للمسابقة.. نائب أمير مكة: جائزة الملك سلمان نهج راسخ لدعم تحفيظ القرآن    كلكم مسؤول    العليمي يدعو اليمنيين لنبذ الصراعات الجانبية والتفرغ لبناء الدولة    موسمان    الوصايا العشر لتفادي الأخطاء الطبية «1»    المركز الوطني لإدارة الدين يتم أول طرح دولي للسندات الحكومية في 2026 بقيمة 11.5 مليار دولا    أبها يعزز صدارته لدوري "يلو" لأندية الدرجة الأولى    جاهزية ملاعب الرياض وجدة لاستضافة منافسات كأس آسيا تحت 23 عامًا    41.6% نموا بفائض تشغيل المنشآت الصغيرة والمتوسطة    جمعية أدبي الطائف تطلق برنامج مديد بأمسية شعرية مميزة    تاسي يتصدر تراجعات الأسواق في 2025    نيويورك تحاكم مادورو والأمريكيتان تتصارعان    19 ألف جولة رقابية على مباني تبوك    وصال الهدف والرسالة    جامعة الأمير سطام.. إنجازات نوعية خلال عام 2025    قوات درع الوطن تبسط سيطرتها الكاملة على المهرة ومواقع استراتيجية في المكلا    جائزة الملك فيصل تستكمل تحضيرات اختيار وإعلان أسماء الفائزين لعام 2026    طريف ورفحاء تسجلان أقل درجة حرارة بالمملكة    حبوب Wegovy® التي تمت الموافقة عليها في الولايات المتحدة كأول دواء فموي من أدوية الببتيد الشبيه بالجلوكاجون-1 (GLP-1) للتحكم في الوزن    أمير القصيم يطمئن على صحة محمد ابن حجاج    «ملكية مكة» تدشّن «كلنا معكم»    «المظالم» يدرب طلاب الجامعات عبر منصة رقمية    لكيلا يضيع الإخلاص في زمن الضجيج    سماعة ذكية تتنبأ بنوبات الصرع    أمير منطقة جازان يعزّي أسرة فقيهي في وفاة ابنهم عميد القبول والتسجيل بجامعة جازان الدكتور "أحمد فقيهي"    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



اعتذار متأخر للإبل
نشر في الحياة يوم 26 - 06 - 2007

يقول المؤرخ وتيسيغر في كتابه"الرمال العربية"إن الشاعرية أو التأملات المحلقة غريبة عن البدوي، فهو يجزع من عمى إدلائه عن جمال الطبيعة.
ففي طريق عودتهم من الربع الخالي أكبر صحراء رملية في العالم كانوا يسيرون على مرتفع ينداح تحته سهل تكسوه خضرة مترعة"أليس هذا جميلاً"، يسأل وتيسيغر احد مرافقيه، نظر الرجل وأعاد النظر، ثم قال أخيراً كلا انه مرعى شيء، بل انه مرعى ملعون، كان هذا دليلاً عند وتيسيغر على أن للبدوي عيناً على ثراء لغته وحدها، لكنه خاوٍ تماماً من الإحساس بالطبيعة، فلون الرمال والغروب والقمر المنعكس في البحر، مثل هذه الأشياء لا تثيرهم، يفسر رحالة آخر هذه الملاحظة بأن عربي الصحراء واقعي إحساسه بما هو جميل، يحدده استعمال الأشياء استعمالاً عملياً.
فالخلق كله موجود ليفيد الإنسان، فتدرج الخضرة في بساط العشب ليس هو الحاسم في ما ترغب الإبل في أن تأكله، بل المذاق والقيمة الغذائية ولو حتى وجدها في نباتات وسويقات ذابلة تعيسة المنظر.
هذا التصادم الحضاري بين الرحالة الغربي وبدوي الصحراء في تذوق جمال الطبيعة، يلقي بضوء خفيف على اختلاف اكبر وأعمق جذوراً بين ثقافتين، الأولى تنفصل عن الواقع وتفرض معاييرها الخاصة عليه، والثانية هي نتاج طبيعي لهذا الواقع، راكمتها الخبرات والمعاناة عبر مئات السنين... فمعايير الجمال لدى البدوي تتناغم وترتبط بشكل مذهل مع الطبيعة نفسها، فهي تنبع منها، فانعكاس ضوء القمر على صفحة الماء لا يعني له شيئاً، فهو لا يملك تجربة واحدة تدفعه على الشعور بالسعادة لرؤيته مثل هذا المنظر، لذلك وبكل بساطة فهو لا يستطيع رؤية أي جمال في مثل هذا المنظر، ومواصلة التحديق في الضوء عندما يسقط على صفحة الماء، هو بمثابة التحديق في الفراغ.
فإذا كان الجمال وعد بالسعادة، على رأي الكاتب ستندال، فأي وعد يحصل عليه البدوي البسيط من انعكاس ضوء القمر على صفحة الماء بالنسبة للإنسان الأوروبي، فالجمال قيمة مستقلة لها معاييرها الخاصة التي لا ترتبط بالفائدة أو المصالح المباشرة، وعبر عنها جون راسكت بطريقة بالغة الوضوح، حين قال إن أجمل الأشياء في العالم هي ما لا يجدي نفعاً مثل الطواويس والزنابق.
في مجتمعنا المعاصر تحولت معايير الجمال بشكل كبير، فلم يعد ذلك البدوي الذي يملك رؤية ثاقبة للأشياء من حوله يعيش بيننا، ولو وجد فهو منطقة غير مرئية ولا يشعر به احد، انفصلنا عن واقعنا بحيث لم نعد نملك القدرة على معرفة ما هو جميل وما هو قبيح، أصبحنا كالعميان في حاجة لمن يمسك بيدنا ويوصلنا إلى الجمال، وليس أدل على ذلك من نظرتنا الناقصة والفارغة من المعنى لأجمل المخلوقات وأعلاها قدراً في هذه الدنيا، وهي الإبل مثل الكثير من أبناء جيلي، لم أكن أجد في الإبل ما يستحق الاهتمام، فالمناهج الدراسية لم تخبرنا سوى معلومتين تقريباً عن الإبل وهما أنها تصبر على العطش لفترات طويلة، والأخرى أنها تسمى سفينة الصحراء، وهذه بالطبع هي وجهة نظر أجنبية قاصرة، وكل ما نسمعه عنها بعد ذلك يأتي عادة في سياق حوادث مرورية ومآسٍ تتسبب بها، كما أننا تعودنا أن نشعر بالإهانة عندما نكون خارج المملكة، ويسألنا احد إذا كان لدينا جمل ننتقل عليه أو نأكل لحمه وغيرها من الأسئلة، التي نفهم منها أن المقصود هو الانتقاص منا وتذكيرنا بتخلفنا، باختصار أصبحت الإبل عبئاً علينا فلم يعد لها دور في حياتنا سوى التسبب في مآسٍ مرورية، أو أن الآخرين يستغلها للاستهزاء بنا.
لاحظت أخيراً أن هواية تربية الإبل والعناية بها بدأت تنتشر بشكل كبير مفاجئ وغير مفهوم، في البداية كنت اعتقد أنها مجرد موضة موسمية ترتبط بحب الوجاهة والمفاخرة بالثراء، أو لمجرد تأكيد الانتماءات القبلية وإعادة تفعيل وسوم القبيلة، ولكن مع مرور الوقت وازدياد انتشار هذه الهواية وتخطيها الحواجز المادية والسنية وحتى الخلفية الاجتماعية، شعرت بأن هناك ما هو أكبر وأعمق من مجرد لفت الانتباه وتأكيد الوجاهة، كما لاحظت أن من ينجرف لهذه الهواية لا يعود منها إلا مجبراً.
من خلال القراءات للقليل من الدراسات العلمية حول الإبل اكتشفت أنها فعلاً تستحق الاهتمام، فهي تملك مواصفات نادرة، فعلى سبيل المثال درجة حرارتها الطبيعية هي من 37 وحتى 44 درجة مئوية، لذلك فهي لا تشعر بالضيق حتى لو ارتفعت درجة حرارتها الى 44 درجة، كذلك فهي لا تفقد سوائلها بسهولة، إذ إنها تمتص من الهواء الرطوبة التي تحتاجها لجهازها التنفسي، كما أن وبرها هو بمثابة نظام عزل متكامل، يعمل وكأنه جهاز تكييف يقلل من قوة الحرارة، وإضافة إلى مواصفات أخرى نادرة، فإن حليبها هو الوحيد بين الثدييات الذي يحتوي على مضادات حيوية طبيعية، وهو سبب استحالة تحوله إلى لبن، لأن هذه المضادات الطبيعية تقضي على أي بكتيريا حتى لو كانت نافعة، وعلى رغم هذه المعلومات النظرية عن الإبل إلا أنني لم أجد فيها ما يثير الاهتمام ويستحق الاحترام، ولكن وكما هي الأشياء الجميلة لا تحدث إلا مصادفة.
اكتشفت أخيراً وبطريق المصادفة كم أنا مخطئ بنظرتي للإبل، تعودنا في كل مرة نكون في نزهة برية، وتقترب منا مجموعة من الإبل أن نشعر بالضيق ونبحث عن الراعي لنوبخه، وبمرور الوقت تعودت ألا أنظر للإبل، لذلك كنت على الدوام أتجاهلها وانظر من خلالها للراعي الذي يقودها، أو السيارة التي تسير خلفها، كانت هذه التفاصيل هي ما يشغلني على الدوام ولكن في هذه المرة، ولا اعلم لماذا بدأت أراقب الإبل وهي تسير وهي ترعى من الأعشاب الصغيرة المتباعدة، وبدأت اشعر بجاذبية غريبة لمواصلة التحديق فيها، شعرت وكأنني أراها للمرة الأولى، هناك سحر خاص يصعب وصفه تشعر به وأنت تراقب الإبل في مرعاها، فهي ترفع أنفها عالياً بكبرياء وتسير بهدوء عجيب، وكأنها لا تعبأ بشيء حولها، تلتفت إليك بأناقة بالغة وترمقك بنظرة قصيرة وكأنها تتأكد انك ما زلت تراقبها، ثم تواصل سيرها بالهدوء نفسه وكأنها لم تر شيئاً، تتوقف عند شجرة صغيرة فتنحني عليها وتشمها ثم تقبلها ثم تقطع بعض الأوراق الصغيرة، وكأنها فقط تتذوق طعمها ثم ترفع رأسها عالياً، وتواصل السير وهي تمضغ ببطء شديد، هي جميلة بالفعل لم أكن اعرف ذلك من قبل، ولا اعرف بالتحديد سبب انجذابي لها، هل هو هذا الكبرياء والأنفة التي أصبحت افتقدهما كثيراً بعدما أصبحت نادرة مثل ندرة العملات الصعبة في جيوب الفقراء، أم هي السكينة العجيبة التي شعرت أنها بدأت تنتقل إلي بمجرد مراقبتها؟ أم هي طريقتها في التقاط وريقات صغيرة من كل شجرة وكأن الجوع لا يخفيها؟ بدأت أتخيل أن قصة العشق الطويلة التي ربطت بين إنسان هذه الأرض وبين الإبل هي قصة حقيقية وليست أساطير فلكلورية كما كنت أتوقع، هذه القصة التي خلدتها آلاف القصائد الجميلة هي قصة حب وإعجاب متبادل بين الإنسان وبين مخلوق هو أكثر المخلوقات إثارة للإعجاب.
عندما استحضر صفات الإنسان العربي الأصيل التي نسمع عنها من النبل والشجاعة والجلد والكبرياء والأنفة التي لا تعرف الحدود، فاني اشعر بها ما زالت باقية يحتفظ بها هذا المخلوق الجميل، تشعر وأنت تراقبه وكأنه يحاول تذكيرك بها.
ولعلها مفارقة محزنة ألا تجد ما يذكرنا بأجدادنا الذين سادوا الأرض سوى مراقبة دربهم الذي بقي شامخاً لم يتغير، لم يكن الشنفري إذاً مبالغاً إذ قال قصيدته المشهورة:
أقيموا بني أمي صدور مطيكم
فإني إلى قوم سواكم لأميل
فقد حمت الحاجات والليل مقمر
وشدت لطيات مطايا وأرحل
وفي الأرض منأى للكريم عن الأذى
وفيها لمن خاف القلي متعزل
لعمرك ما بالأرض ضيق على امرئ
سرى راغباً أو راهباً وهو يعقل
[email protected]


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.