يظل الصراع على لقب "فارس القبيلة" هو ذات الصراع ويظل الاعتماد على المقاييس "اللونية" حتى وإن تطورت الآليات واختلف"التكنيك"هو نفسه، فعنترة لا يصلح"فارساً"لأنه من لون آخر، إما إذا جاء موعد"الإنجازات"وتقدم وضرب بسيفه يمنة ويسرة وخلص القبيلة من وزر"الهزيمة"وانتشلها من أزمة"الخسارة"تضطر القبيلة مرغمة على الاعتراف ب"أفضليته"وتمنحه لقب فارس القبيلة، متناسية الفارس السابق، بينما يظل الكثير من أبناء القبيلة ينظرون إليه نظرة أقل وأدنى فهو من لون لا يمكن أن يستحق معه لقب"فارس الفرسان". أتساءل أحياناً - وهذا سؤال مشروع - ألم يكن في"بني عبس" فارس غير عنترة... ألم يكن هناك فرسان آخرون... هل من المعقول أن يكون عنترة.. أو سوبرمان بني عبس.. هو وحده من هزم جيوش القبائل الأخرى... أم أنه التاريخ العربي الذي أغفل الجميع وتذكر عنترة فقط كحالة عشق للتراجيديا وحب في التغني ب"الأفضلية المطلقة"التي لا يمكن أن يتربع عليها سوى شخص واحد... وتظل العقلية العربية هي ذاتها، فلا يمكن أن يجتمع فارسان في قبيلة واحدة، فلا بد من"فارس أوحد"يسجله التاريخ ويكتبه في صفحاته وتتناقله القصائد والأشعار بينما تنطوي أفعال وقصائد بقية الفرسان في القبيلة ذاتها في صفحات منزوية يمحوها الزمان وتتناساها الأجيال، وهذه العقلية التي فرضت إلغاء كل الفرسان والتغني بفارس واحد هي التي أذكت الحروب على لقب"فارس القبيلة"، خشية السقوط في دائرة"النسيان"و"الحذف من التاريخ". حتى في المجال السياسي مثلاً، فجميع الثورات العربية في الستينيات والسبعينيات الميلادية لم تصدر لنا سوى شخص واحد كان هو قائد الثورة وملهم الجماهير وضمير الأمة ومحرك الشعوب، أما بقية الشركاء فكانوا من المنسيين في غياهب الأصوات العالية التي ظلت تصدح ليل نهار ب"لا زعيم سوى الزعيم". العقلية العربية القديمة تظل كما هي وتبرز في صور شتى، فلا تقبل بال"تيم وورك"ولا تعترف بالأجنحة العسكرية أثناء المعركة إنما تشخص الأبصار دائماً باتجاه فارس القبيلة الذي كان في قمة الحروب والمعارك يفكر في نزواته الشخصية فيتذكر عبلة التي تشبه لمعة خدها لمعة السيوف والتي يشبه لون الدماء المسكوبة في ميدان المعركة لون شفاهها المتوردة. في المسلسلات التاريخية سئمنا من صورة فارس القبيلة الذي يرد الماء ويتوافق ذلك مع حضور"العذراوات"فيخطف قلب"أجملهن"التي للمصادفة تكون ابنة شيخ القبيلة لكن المقطع الثاني كان دائماً هو الأهم بالنسبة إلي، فعندما كان هذا"الفارس المغوار"يحارب لم يكن ذلك من أجل أن ينتصر قومه بل من أجل أن يكون"الفارس الأول"ويحقق الهدف الأدنى وهو الزواج من عبلة والعيش معها في سبات ونبات لتخليف الأولاد والبنات. أخيراً، ألا تشعرون أن صراع الأفضليات يندرج تحت منظور"فارس القبيلة"ذاته وفق الرؤية العقلية العربية الأصيلة ذاتها. [email protected]