قبل فترة ليست ببعيدة كان فكر المعلم واهتمامه منصبَّين في المدرسة على الانشغال بالتحضير والشرح وتصحيح الدفاتر وتنظيم الصف، وبالنشاطات غير المنهجية والإسهام في رفع جوانب القصور المعرفي لدى الطالب ومعالجة السلوكيات الخاطئة. أما اليوم فقد انقلبت الحال، فاختفت الدفاتر وضاع دفتر التحضير، وعلتْه الأتربة بين أوراق كثيرة، ولم نعد نرى فوق الطاولة سوى بعض الصحف اليومية المتراكمة، إذ ارتبط فكر المعلم كلياً بمتابعة حركة الأسهم، حتى الرياضة لم يعد لها ذلك البريق إلا من بعض الأفراد، فحصل انفصال واسع ملحوظ في فكر المعلم عن جو المدرسة، فأصبح جسداً تتحرك روحه أمام شاشة الأسهم، وقلَّما تجد معلمين اثنين أو أكثر إلا والحوار في ما بينهم لا يخرج عن دائرة الأسهم، ما ارتفع منها وما نزل، يصاحب ذلك بعض النصائح المجانية. وفي مجال الاتصالات أصيب المعلم كغيره بداء آخَر أكثرَ ضرراً، وهو ما يعرف ب"البلوتوث"، حيث يقضي بعض المعلمين أوقات الفسح وحصص الراحة في تبادل رسائل لا تخلو غالباً من تفاهات المراهقين، ولا تليق بمكانة المعلم. وعوداً إلى الحديث عن"حُمَّى الأسهم"في المدارس، نستطيع أن نعرف نسبة المعلمين الغائبين والمستأذنين من خلال صالات تداول الأسهم، إذ ينطلق كثير من المعلمين إلى غرف قد تكون غرف"إنعاش"، وهذا هو الغالب، أو"انتعاش"، بحسب حركة تداول الأسهم ارتفاعاً أو انخفاضاً، فيعود المعلم بأحد الوجهين، ما يؤثِّر في مستوى عطائه الذي يتبعه مستوى تحصيل الطالب، وحينما ينشغل الفكر بقضيةٍ ما تقِلُّ درجة التركيز فيضعف العطاء، فضلاً عن الوقت الذي يصرفه بعض المعلمين بعد ورود اتصال يقطع بسببه درسه، ويخرج دقائق، قد تطول، بعدها يدخل المعلم بغير الوجه الذي خرج به. وحين نوجِّه مثل هذه الملاحظات لا نعترض سبيل أحد في العيش وتحسينه، فالأرزاق مقسومة والآجال معلومة، إلا أن الأمور لا بد من أن تعود إلى نصابها، وتبقى مهنة التعليم أشرف وأجلَّ من أيِّ مهنة. علماً بأن المعلم ليس هو وحده في هذه العاصفة الترابية التي تقِلُّ فيها الرؤية، وإنما خصصت المعلم، لأنه العنصر الأهم في بناء العقول، فأحببتُ قرعَ الأبواب لعل الغافل يتنبَّه، فيتدارك عمق الوحل الذي تحت قدميه، وكذلك التنبيه على بعض الظواهر السلبية التي نتمنى ألاَّ يطول انتظار زوالها. فمتى يعود المعلم إلى دفاتر طلابه وإلى فصله، وقد شُفِيَ فكره تماماً من"حُمَّى الأسهم"و"البلوتوث"؟؟ سؤال نأمل ألاَّ تتأخر الإجابة عنه. الرياض عبيد الدوسري [email protected]