يحتار المريض عندما يمرض مرضاً خطيراً أو معقداً في من يلجأ إليه من الأطباء وبخاصة في القطاع الخاص، حيث إن إتاحة خيارات عدة للمريض هي جزء من استراتيجيات ذلك القطاع، هل يبني الخيار الصحيح على ألقاب الدكتور العلمية أم على ترشيح موظف الاستقبال والمواعيد أم على المادة الإعلانية في الصحف أم على ترشيح مرضى سابقين؟ هذا سؤال يحير الكثيرين من المرضى وآن الأوان للإجابة عليه بصورة علمية دقيقة. ماذا يحدث في الواقع؟ عندما يمرض مريض فإنه غالباً ما يشكو أمره لأقربائه وكثيراً ما يشير هؤلاء عليه بالعلاج لدى طبيب ارتاحوا له، والمشكلة هنا أن ذلك الترشيح ليس مبنياً على معايير علمية ولا يأتي حتى من أصحاب خبرة وتكون القضية أصعب عندما يكون الطبيب خارج المملكة ويضطر المريض للسفر إليه، وأحياناً تؤدي تلك الترشيحات إلى مشكلات لا تحمد عقباها، وفي أحيان أخرى يختار المريض طبيبه، بحسب ما يقترح عليه موظف المواعيد، وقد تدخل في اقتراحات ذلك الموظف اعتبارات تجارية أو منافسات بين الأطباء ليست في مصلحة المريض، أحد الطرق الأخرى لاختيار الطبيب هي المادة الإعلانية في الصحف، سواء عن طريق أخبار ذلك الطبيب بأنه أنجز أول عملية على مستوى المملكة في مجال ما، أم مادة إعلانية مباشرة كأن يعلن مركز طبي عن انضمام ذلك الطبيب إليه ويعطي نبذة عن أنواع العلاج التي يقدمها ذلك المركز، وفي أحيان عدة تكون تلك المادة الإعلانية غير دقيقة وتعطي للمريض معلومات مبهرة عن إمكانات ذلك الطبيب، فمثلاً عند ذكر كلمة ليزر في أي إعلان تجاري ينجذب المرضى لذلك الطبيب، مع أن الليزر قد يكون أحد الخيارات السيئة للعلاج كعلاج البواسير مثلاً، إذ إنه ثبت علمياً عدم فائدته في هذا المجال. الألقاب إن لقب استشاري معناه أن ذلك الطبيب قد تلقى تدريباً كافياً في تخصصه وتسمح له الجهات المسؤولة في المملكة بأن يقدم العلاج من دون الاعتماد على طبيب آخر، وهو بالتالي طبيب متمكن من تخصصه، أما الاختصاصي فهو أقل مرحلة من الاستشاري ويسمح له بتقديم العلاج بعد مشاورة الاستشاري، وأما الأطباء المقيمون والمسجلون فهم في بدايات تدريبهم الطبي المتخصص ويجب عليهم الرجوع لمن هم أعلى منهم كالاختصاصي أو الاستشاري في كل خطوات العلاج والتشخيص للمرض. البروفيسور هو لقب له أهمية عند المرضى السعوديين لكنه في دولة متقدمة مثل الولاياتالمتحدة ليس بعامل جذب للمرضى، إن لقب بروفيسور يعني أن ذلك الطبيب يعمل في كلية الطب وقد أجرى عدداً معيناً من الأبحاث أو طبع عدداً معيناً من المقالات العلمية في مجاله الطبي، وبالتالي لا يدل ذلك بصورة مباشرة على كفاءة ذلك الطبيب في عمله العيادي أو الجراحي. إن لقب زميل جمعية يعني أن ذلك الطبيب عضو في تلك الجمعية يحضر مؤتمراتها السنوية، نظير اشتراك مادي سنوي ليس إلا، وهو ليس بشهادة من تلك الجمعية بأن ذلك الطبيب كفء في مجاله، أما إن كان زميل كلية ما فهي تعني أنه اجتاز اختباراً بنجاح في تخصصه لكنها لا تشهد له بأنه طبيب متمكن يحق له التعيين كاستشاري، وفي المملكة تقوم هذه الشهادة بمستوى طبيب مسجل في السنة الثالثة من تدريبه على مستوى تخصص الجراحة مثلاً، حيث يستمر التدريب 5 سنوات في ذلك التخصص. إن لقب رئيس قسم أو إدارة ليس له علاقة بكفاءة الطبيب في مهنته بل هو تنظيم إداري بحت، ففي كثير من المراكز الطبية يتداول رئاسة القسم بصورة دورية كل الاستشاريين الموجودين فيه. لعل خريج"البورد"السعودي أو العربي أو دول أميركا الشمالية وأحياناً بصورة نادرة الدول الأوروبية هو أهم لقب يدل على مستوى التدريب الطبي الذي ناله ذلك الطبيب، وعادة ما يدل هذا اللقب على أن الطبيب قد نال تدريباً كافياً في مجاله يؤهله لأن يصبح استشارياً في تخصصه وبالتالي هو طبيب متمكن. معايير اختيار الطبيب إضافة إلى التخرج من"بورد"معين فإن هناك دلائل تدل على كفاءة الطبيب في مجال تخصصه وأحد أهم هذه المعايير هي أن يكون ذلك الطبيب طبع نتائج علاجه الجراحي أو الطبي في مطبوعة علمية متخصصة، مبيناً المضاعفات التي حدثت من ذلك العلاج ونسبة نجاحه، فاتحاً المجال بذلك للجميع لرؤية عمله وتمحيصه بصورة دقيقة وموضوعية، هذه المقالات متاحة للجميع على الإنترنت في أماكن عدة أهمها www.pubmed.com ويوجد في هذه المواقع المقالات المطبوعة لجميع الأطباء حتى العاملين في السعودية. طريقة عرض الطبيب للعلاج هي أحد أهم المحاور التي يمكن من خلالها الحكم على الطبيب، غالبية المرضى تسأل عما إذا كان الطبيب قدم هذا النوع من العلاج سابقاً وما نسبة نجاحه، وعادة ما يجيب الطبيب بنعم باقتضاب وقد يزيد بأن العلاج ناجح من واقع خبرته أو أنه عالج الألوف وأن كل مرضاه في صحة جيدة، هذه إجابة تعطي راحة نفسية للمريض ولكنها ليست جيدة وفي أحيان أخرى تكون دعائية أكثر منها علمية، ولعل الطبيب يعتقد بأنه بإعطائه معلومات مفصلة للمريض قد يؤدي إلى نفوره وخسارته لذلك المريض بل لهروبه مع أن المريض يحتاج للعلاج بصورة ملحة. أعتقد من المهم جداً الالتزام بالمعايير العالمية المعتمدة التي تلزم الطبيب بأن يعرض على المريض ما يسمى بخيارات علاج المرض، مبتدءاً بخيار عدم أخذ العلاج وما مضاعفاته، ثم يتدرج لخيارات العلاج الأخرى، مبيناً مساوئ كل علاج ومحاسنه و ما إذا كان هناك خبرة محلية أو شخصية لكل خيار، ويمكن تزويد المريض بالطرق الملائمة للقراءة عن مرضه، ويطلب الطبيب بعد ذلك أن يقابله المريض مرة ثانية لمناقشة هذه الخيارات مرة أخرى والتوصل إلى قرار نهائي بالعلاج، لعل هذا الطبيب الملتزم بهذه المعايير أحد أفضل المتخصصين في مجاله لصدقه وإعطائه صورة مبسطة وحقيقية عن العلاج وما يمكن أن يحدث من مضاعفات وإيجابيات، تبعاً لذلك العلاج، وهنا تتولد بين الطبيب والمريض علاقة مبنية على الصدق والأمانة العلمية التي تجعل المريض لا يفاجأ إذا حدثت مضاعفات معينة وبالتالي لايفقد ثقته بالطبيب والعملية العلاجية. الرأي الآخر هو أحد البدائل التي يلجأ من خلالها المريض إلى طبيب آخر أملاً في أن يسمع منه خيارات العلاج، كما سمعها من الطبيب الأول لكي يتأكد من صحة تلك الخيارات، وهي بالتالي لا تعطي المريض فكرة عن كفاءة الطبيب الأول أو حتى الثاني، وفي المملكة حيث توجد كمية محدودة من الأطباء المتخصصين لا يتوافر خيار الرأي الآخر للمرضى في كل التخصصات، وتظهر هذه المشكلة في القطاع الخاص نتيجة ضغط التكاليف فلا يمكن تعيين أكثر من طبيبين في التخصص نفسه، ومن ناحية أخرى فإن الغالبية من هؤلاء المتخصصين هم سعوديون يعملون في القطاع الحكومي ولا يتوافرون للمرضى بسهولة، حيث إن ذلك القطاع لا يبنى على فكرة أن المريض يختار طبيبه. الخبرة أيضاً سلاح ذو حدين، فكثير من المرضى ينظر لكمية الشعر الأبيض في رأس الطبيب ليقيس مستوى خبرته، وهو أسلوب غير صحيح، أما عدد سنوات الخبرة فهي معيار مهم لكنها ليست دائماً مقياساً جيداً في الطب، فكلما ازدادت خبرة الطبيب ازداد في الوقت نفسه قدم طريقته في العلاج، ما يحرم المريض من آخر ما توصل إليه الطب في مجالاته المختلفة، لا سيما في نطاق العمل الجراحي. كم عمل الجراح من جراحات مشابهة لما اقترحه للمريض هو سؤال يسأله كل المرضى، وهو أيضاً سلاح ذو حدين، فقول الطبيب باقتضاب أنه أدى الكثير أو الألوف ليست بإجابة جيدة بجودة لو بين عدد الحالات التي أداها، مع بيان للمضاعفات التي حدثت ونسبة الشفاء من المرض، ومن ناحية أخرى فإن جراحاً حديث التخرج عمل 100 جراحة من نوع معين في سنتين هو أفضل من جراح آخر ذي خبرة 20 سنة عمل الكم نفسه من الجراحات على مدى 20 سنة، الأول يمتلك حداثة الأسلوب وديناميكيته وخبرة تأتت من ممارسة كثيفة لتلك الجراحة، وعموماً فإن الدراسات العلمية أثبتت أن أي جراح يكون قد تمكن من نوع معين من الأساليب الجراحية بعد 50 عملية ويرتفع الرقم إلى 125 عملية في عمليات السرطان. كثيراً ما يلجأ المريض إلى أصدقائه ومعارفه لكى يدلوه على طبيب آخر يبين له مدى كفاءة الطبيب الذي سيؤدي الجراحة، وكثيرا ما يعطي ذلك الطبيب رأيه بناء على ماسمعه عن الجراح أو بناء على موقعه الإداري أو ألقابه، وبالتالي فهو رأي غير علمي وغير مبني على رؤية للطبيب أثناء عمله الجراحي أو نتيجة اطلاع على عمل ذلك الطبيب في المطبوعات العلمية، ولذلك فإن هذا السؤال لا يعود بفائدة كبيرة على المريض، وفي أحيان نادرة يتمكن المريض من الحديث مع زملاء ذلك الطبيب في التخصص نفسه، وإن كان محظوظاً ولم يكن هناك نوع من الاحتكاك أو الغيرة بين الزملاء في المهنة فإنه قد يحصل على معلومات تفيده، لكن هذا الاحتمال ضئيل والمعلومات المعطاة غير موثقة. نخلص أن أفضل طريقة لاختيار الطبيب الكفء هو مقابلة ذلك الطبيب وسماع خيارات العلاج بالتفصيل مع بيان سلبيات كل علاج وإيجابياته مع نبذة عن الخبرة المحلية والشخصية لتلك العلاجات، هذا الطبيب الذي يعطي معلومات صادقة ويبتعد عن نسبة 99 في المئة و100 في المئة هو الطبيب الكفء الذي يجب أن لا يهرب المريض منه بل يقبل على العلاج عنده بثقة واطمئنان.