المعاناة تتكرر كل عام، كوارث مائية لا تميز، تقضي على كل ما هو في طريقها، ما الذي يحدث سنوياً في جنوب غرب السعودية؟ لماذا لم تقف المأساة عند حد؟ يتجدد الموعد كل عام مع الألم والأحزان، أرواح تزهق، قرى تحاصرها المياه وتهجر، انعام تنفق طرق تخرب، منازل تهدم. أين تذهب المياه في زمن الصراع على الماء؟ لماذا تدمر وتقتل بدلاً من أن تزرع وتسقي؟ كيف يمكن أن تتحول هذه الكوارث إلى ثروات..؟. "الحياة"زارت تلك المناطق ميدانياً وخرجت بهذا التحقيق. السيول من الظواهر الطبيعية التي تحدث أثناء دورة المياه في الطبيعة، حيث تتبخر مياه البحار والبحيرات مشكلة السحب، وتهطل على شكل أمطار على رؤوس الجبال فتتدفق في تجمعات مشكلة السيول بين حوافي الأودية، لتعود من جديد إلى البحر. لكن السؤال المطروح لماذا الساحل الجنوبي الغربي للمملكة؟ درس عدد من الجغرافيين طبيعة الشريط المتاخم للبحر الأحمر جنوب غربي المملكة المنحصر بين جبال السروات، والبحر الأحمر، أو كما تعرف بسهول تهامة، وأبرزهم الخبير في جغرافيا المنطقة حسن الطويلي الذي شرح هذه الظاهرة:"تتكون تهامة من الجزء الشاطئي بشريط من السبخات الملاصقة للشاطئ، يليه الشريط السهلي الخبتي الرملي، تخترقه أودية تهامة الشهيرة، مثل حلي، ويبه، وقنونا، والأحسبة، ودوقة، وأخرى جنوب محافظة القنفذة وشمالها، منحدرة من الأنهار الجافة التي شكلتها الأودية ثم سفوح الجبال التهامية والآكام الصخرية والرملية". ويفسر الطويلي بداية الظاهرة قائلاً:"تصطدم الرياح الموسمية الجنوبية الغربية المحملة ببخار انهار أفريقيا والبحر الأحمر عندما تمر بسفوح الجبال، أو كما يطلق عليها مسمى منطقة ظل المطر، فتسقط على شكل أمطار في فصلي الشتاء والصيف، لتتدفق بعد ذلك الأودية بالسيول المتجمعة من هذه الأمطار متسببة في الكثير من الكوارث الطبيعية، التي تؤثر التركيبة القشرية للتربة بجوار حروف الأودية، وعلى المنبسطات الخبتية حيث ترسب كميات كبيرة منها مشكلة ما يشبه الدلتا في نهاية كل واد عند شاطئ البحر الأحمر". ويتابع الطويلي، بعد أن اخرج بعض من مكتبته التي تكدست فيها آلاف الكتب، بعض الصور التي وثق بها كوارث سابقة:"على رغم أن هذه الظواهر تسببت في تدمير الحياة و قتلها في مناطق، إلا أنها أسهمت أيضاً في قيام حياة سكنية مستقرة، لوقوعها جنوبمكةالمكرمة تخللتها طرق الحج، والتجارة أبرزها طريق رحلة الشتاء والصيف التي ذكرت في القرآن الكريم". تاريخ الكوارث ويعود الطويلي للتركيز على كوارث القنفذة، مستعرضاً تاريخها:"مر في المنطقة كثير من السيول المدمرة لكن أكثرها تأثيراً وبقي عالقاً في أذهان الناس سيل سمي"سارح الاثنين"وقع عام1947، غير أن الدمار الذي أحدثه لم يكن كسيل"حشران" عام 1954 حيث قضى على قرى بكاملها. وبعد 43 عاماً تكررت المعاناة في أواخر عام 1997، حيث شهدت المنطقة سيلاً دمر منازل من الإسمنت المسلح وغيّر حتى ملامح الأراضي الزراعية ومسح حدودها، وحمل سيارات من أماكنها ووجدت في مناطق بعيدة وراح ضحيتها عدد من الأرواح، وسمي"جمعان"نسبة إلى يوم الجمعة الذي جاء فيه". وشارك الطويلي في لجان عدة لتقويم وضع هذه الكوارث، واقتراح حلولاً لتفادي تكرارها مستقبلياً، كان أهمها:"إقامة سدود للمحافظة على المياه التي تهدر، وبدل أن تكون سبب كارثة تصبح ثروة في زمن التصارع على مصادرها، وكثرة الأبحاث والدراسات التي تؤكد أن العالم سيعاني من أزمة مياه خطرة في نقص هذا العنصر المهم مستقبلاً". ويوافق هذا المقترح مدير إدارة الدفاع المدني في حافظة القنفذة العقيد حسن علي القفيلي إضافة إلى نقاط أخرى يرى أنها لا تقل أهميةً:"بعد كل كارثة تمر، نجتمع ونضع حلولاً،لأن مهمتنا في الدفاع المدني لا تقتصر على الإنقاذ، بل ندرس الوضع ونقترح الحلول لتفادي وقوع أي خطر في المستقبل، وكان منها نقل بعض القرى من مواقعها الحالية، عدما باتت مناطق خطرة، ووضع حد للتعديات في بناء العقوم الترابية للمزارع التي تقع على حوافي الأودية". ويتابع"تسببت هذه التعديات في تعديل مسار جريان السيول، حيث كانت الأماكن التي تعبرها معروفة، والآن تغير الوضع، فالقرى التي كانت في أمان أصبحت في خطر بسبب تغير هذه المسارات". وهنا يقول مدير فرع وزارة المياه في المحافظة المهندس عمر بن سعيد ليبين:"نمنح المزارعين رخص تسوية، لإنشاء العقوم الزراعية، ولكن للأسف يبنونها بطرق عشوائية لري مزارعهم فقط، من دون التفكير في الخطر الذي ينجم من هذه التصرفات، ونجري جولات ميدانية، ونبلغ لجنة التعديات في المحافظة عن الوضع التي تقوم بدورها في فرض عقوبة على هذه الممارسات". ويعود مدير الدفاع المدني للحديث وسط نبرة حزن على زملائه الذين فقدهم قبل 48 ساعة من إجراء اللقاء معه في كارثة سيول يوم 25 كانون الأول ديسمبر الماضي مكملاً حديثه:"من الضروري وجود جهاز ينبه الناس عن الكوارث فضلاً عن تعاون الجهات الأمنية مع الدفاع المدني، لمنعهم من سلوك الطرقات التي تغمرها السيول". كيف يواجهون الموت ويتوقف حسن القفيلي كما يحب أن يعرف بنفسه عبر الهاتف من دون لقب عقيد، ليرد على الهاتف مطمئناً على سير عملية جمع مبلغ مالي لتقديمه إلى أسرتي زميليه الشهيدين، ثم يتابع:"ترد إلينا دورياً معلومات عن هطول أمطار على سفوح الجبال عبر زملائنا في منطقة عسير والباحة، ثم نهيئ فرق السلامة بالمعدات استعداد للانطلاق إلى حواف الأودية، وننسق مع زملائنا في الدوريات الأمنية، ومهمتنا أن ننقذ أي محتاج للمساعدة ولا نعرف في قاموسنا كلمة"لا نستطيع المساعدة"والتضحية بالأرواح هي عملنا الحقيقي". ويلوم البعض الدفاع المدني لحدوث بعض الأخطاء، باعتبار أنه أصبح لدى العاملين في هذا الحقل خبرة في التعامل مع هكذا كوارث لكن القفيلي يرى"الخبرة هي في استخدام الآليات وتطبيق بعض ما تعلمناه في السابق ولكن السيول لا تجدي معها الخبرة فهي تأتي كل عام بشكل جديد وطرق مغايرة للسابق، ونحن نعمل جدياً على تلافي أي أخطاء فالغلطة في مجال عملنا تساوي الكثير، وأؤكد أننا نجتهد". ويستعيد العقيد القفيلي خطوات مواجهتهم لهذه الأحداث:"ننطلق ضمن خطة بمتابعة غرفة العمليات، ونتجه بصورة سريعة إلى مواقع المحتجزين والمحتاجين إلى المساعدة ونستخدم آلياتنا الحديثة وطاقاتنا البشرية في الوصول إلى أي موقع وإذا احتاج الأمر إلى استخدام الطائرات العامودية ننسق مع المديرية العامة للدفاع المدني في منطقة مكةالمكرمة التي نتبع لها إدارياً وتوفرها لنا سريعاً". ويطالب المراقبون والمتحدثون في هذا التحقيق بضرورة بناء السدود، التي أنجزت تصاميمها ودراساتها منذ عامين لكن لم يبدأ تنفيذها باستثناء"سد وادي حلي"، ويرون أن بقية الحلول"مطمورة"على الأوراق والتقارير النائمة في الأدراج منذ سنوات، في حين أن الأرواح لا تزال تزهق، والوضع الشاذ يطاول أيضاً أودية محافظة الليث مناطق كثيرة من تهامة وجازان.