لا تزال ملايين البشر تعيش أجواء الشقاء والحرمان، وهي تتلظى بنار اللوعة والأسى جراء فقد أقاربها أو ديارها في أعقاب الكارثة الكونية التي هبت على آسيا، وخلفت مدناً وقرى بأكملها خراباً، كأن لم تغن بالأمس. وفي وقت تفضلت التقنية على البشر أجمعين، إذ نقلت إليهم مآسي إخوتهم كما حدثت صوراً وآهات، تحركت ضمائر العالم، وخاض سباقاً في إعلان مساعداته وتضامنه وإن تباينت الآراء حول مدى التزام الحكومات بما تعهدت به من أرقام، وأهدافها الخفية إن هي التزمت بوعودها. لكن الجميل في كل القصة المأساوية عودة البشر إلى نقاط التلاقي بينهم من جديد، فيما أضحت الأطماع والحروب تمزقهم في كل ناحية. ومع أن أكثر المتضررين من الكارثة مسلمون إلا أن الدول الاسلامية والعربية، إذا ما قورن حجم تفاعلها مع الأزمة بما يربطها من علاقات الأخوة الدينية، يظل ما بذلته دون مستوى المأساة. إلا أن الأهم من حجم المساعدة هو رد الفعل الايجابي نحو الكارثة غير المسبوقة، والسؤال الذي يطرح نفسه الآن: لماذا يتضامن العالم مع الكوارث الطبيعية ويتضاد في مواقفه نحو كوارث أخرى خلقتها الحروب والمجاعات في أنحاء كثيرة من العالم؟ حول هذا التناقض يرى الكاتب السعودي حسين شبكشي"موضوع الكوارث الطبيعية له عنصر المفاجأة وتكفي الصورة المنقولة لتبرير ظرف الضحايا الانساني، بينما الحملات السياسية يسبقها الترويج بذرائع، وسلسلة من الحملات والدعاية التي تغلف الهجمة من منظور إيدلوجي إلى إنساني بعمل غسيل لذهنية المتلقي" موقف الغرب قيادي وشجاع ومع أن شبكشي أقر بأنه" عند رؤية التفاعل مع الحدث من منظور عقلاني نجد موقف الغرب شجاعاً وقيادياً"لكنه ذهب إلى أن" تعديات من قبل أميركا على برنامج الأممالمتحدة كشفت تنافساً أميركياً مع أوروبا للحصول على قدر أكبر من الاعانة للدول المتضررة، من أجل كسب موطئ قدم، والأثر الأعظم على تلك الدول والتدخل في شؤونها بعد تخفيف حجم الكارثة". ويعتقد شبكشي أنه"على رغم ترويج الدول المتنافسة للمفهوم الإنساني في مساعداتها نجد مصطلح الانسانية يحل بديلاً عن أسلحة الدمار الشامل كمبرر للتدخل السياسي في شؤون تلك البلدان بغلاف إنساني، مثلما جرى احتلال العراق بغلاف تطهيره من أسلحة الدمار الشامل التي طارت في الهواء"! وزاد"الحدث الكبير الذي أصاب مناطق متعددة من العالم غيّر بوضوح مفهوم العمل الإغاثي، فنحن لم نر التفاعل بهذا الشكل مع أزمات إنسانية كبرى في أكثر من موطن، لكن التحدي الأعظم هو كيف سيتمكن العالم من إيجاد منظومة إغاثية خالية من الشوائب السياسية حتى يتمكن المتلقي من التعامل معها بحسن ظن، وكي لا يسيس العمل الإنساني". وحول ما إن كانت مأساة آسيا الشرقية ستذكر العالم الحر مآسي أخرى لا تزال شعوب تكتوي بنارها قال"هذا التعاطف التي شهدته آسيا فيما يخص الزلزال قد يكون لدى المنابر الدولية والحكومية فرصة ترويج لمآس أخرى بعد مشاهدة حجم العون الكبير الذي أقدمت عليه هذه الدول لنكبة آسيا". إنسانية محضة ومن جهته استبعد رئيس قسم الدراسات الاسلامية بجامعة الملك فهد للبترول والمعادن شرق السعودية الدكتور مسفر القحطاني أن تكون الهبّة العالمية لإغاثة متضرري الزلزال تحمل طابعاً سياسياً مجرداً عن الانساني وقال"هنالك قدركبير من الضمير الإنساني والشفقة والقدرة على المبادرة بالنفس والمال تسكن أعماق الكثير من الناس سواء كانوا مسلمين أوكفاراً, تشهد على هذه اليقظة الإنسانية التنادي والتعاطف العالمي لاحتواء ومعالجة اواغاثة كثير من الكوارث والمجاعات والفاجعات البيئية التي تحصل في العالم، ولعل أقربها حدوثاً زلزال تسونامي، فلا نستطيع أن ننكر أن هذا التعاطف نابع من إنسانية محضة عند قطاع كبير من الناس لا تعكرها مقاصد خفية عند شرائح من أهل الأطماع، أظن أنهم لا يشكلون غالبية تلك الشعوب". وحذر من نظرة التعميم إلى نشاطات الغربيين والنظر إليها"على أنها مكائد وخطط سياسية... والنظر الى شعوب الغرب أو الكفار ككتلة واحدة واعتبارهم نمطاً واحداً من الشر نظرة فيها إجحاف وظلم... وربما ترسخت هذه النظرة نتيجة المواقف السياسية السلبية او الوجود العسكري الواقع على بعض بلادنا الإسلامية". ورأى أن تلك المواقف"شكّلت توتراً من كل مبادرة تحصل منهم... ومع تفهمي لهذه الحالة إلا أنها لا تزال هناك رؤية أحادية تغفل جوانب أخرى وعديدة لهذه المجتمعات... وهذا النوع من الحكم ليس مبدأً شرعياً فهناك الآيات الكثيرة الآمرة بالعدل معهم مهما حصل من المقابل كما قال تعالى"ولا يجرمنكم شنآن قوم على الا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى"وبالتسامح والبر أحياناً:"لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين" فالبر والاحسان قضية كبرى في الاسلام للحديث" إن الله كتب الإحسان في كل شيء". ودعا القحطاني لتجاوز الشك في المبادرات الانسانية إلى"إبراز مشروع المسلمين الحضاري في امثال هذه الأزمات التي يتحقق فيه جانب مهم من مدنية هذا الدين، واعتباره الكامل لحقوق الناس بل والحيوان كذلك... خذ مثلاً الآداب والتعاليم الإسلامية التي تجاوزت الإنسان إلى الإحسان والتعاطف مع الحيوان ورحمته وعدم إيذائه كما جاء في الحديث ما مضمونه أن امرأة عذبت في هرّة سجنتها حتى ماتت فدخلت فيها النار، لا هي أطعمتها وسقتها إذ حبستها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض. ويقول ابن مسعود:"كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمر عليه حمار قد وُسِم في وجهه، فقال:"لعن الله الذي وسمه". واعتبر القيم والمبادئ مهما سمت لن تحقق قيمة على الأرض"بتلاوتها في كل محفل وترديدها في المناسبات وتدبيجها في الكتب والمؤلفات، حتى يتم ترجمتها على الواقع وطرحها كمشاريع حية تنبض بالأمن الحقيقي للإنسان." عقوبة إلهية ومن الناحية الشرعية أيضاً نفى الشيخ عبد القادر شيبة الحمد أن يكون تفسير زلزال آسيا المهول"بغضب من الله وعقوبته، شماتة بالمتضررين، فنحن المسلمين لدينا تعليمات إلهية نصت على أن أي مصيبة في هذه الأرض إنما حلت بسبب ما كسبته أيدينا من خطايا وآثام، ولذلك على العلماء والدعاة التنبيه إلى قدرة الله في هذه الكارثة غير المسبوقة في التاريخ، وإرشاد الناس ليصححوا علاقتهم بربهم، ولا نقول سوى: قدر الله وماشاء فعل" وحذر شيبة الحمد المدرس بالمسجد الحرام من تفسير ما جرى بالكارثة الطبيعية، واعتبر ذلك"كفراً بالله، فلا يحدث شيء في الكون إلا بإرادة الله وتقديره". القحطاني: تعاطف الغرب مع الكارثة دافعه إنساني محض هنالك قدر كبير من الضمير الانساني والشفقة والقدرة على المبادرة بالنفس والمال تسكن أعماق الكثيرين، سواء كانوا مسلمين أو كفاراً. تشهد عليها اليقظة الانسانية والتعاطف العالمي لاحتواء ومعالجة كثير من الكوارث. عضو مجلس الشورى الشبيلي ل"الحياة": كارثة آسيا ستظهر لأميركا موقعها الحقيقي في نفوس شعوب العالم ومن جهة أخرى أكد الدكتور عبد الرحمن الشبيلي الكاتب وعضو مجلس الشورى السعودي، أن تفاعل الدول مع الكارثة الآسيوية كشف أن"أميركا التي طالما تغنت بعظمتها هي أبعد ما تكون عن فهم موقعها الحقيقي في نفوس شعوب العالم". ورأى أنه"من حسن حظ الدول الست المتضررة بكارثة تسونامي أنها أتت في فترة اختلت فيها الموازين والأحكام، وانكشف فيها زيف دعاوى القوة العظمى بأنها الراعية لخير البشرية والساهرة على العدل والمساواة بين شعوبها. كما كشفت الكارثة كيف أن أميركا لا يمكن أن تكون بديلاً للأمم المتحدة، ولا أن تبقى دائماً القوة الأوحد المقبولة والمستساغة عند شعوب الأرض كافة". وأضاف"زلزال آسيا سيكون نقطة لإعادة صياغة العلاقات الدولية في زمن الكوارث والأزمات، لكنني ما زلت أتذكر في حالة زلزال إيران كم كان العزوف عن قبول أي دور لأميركا، حتى ولو كانت الدول في أمس الحاجة الظرفية إليها، فالزلزال أثبت مثلاً أن دولاً كألمانيا واليابان، تخصص مساعدات مجزية للكوارث الطبيعية وللأهداف الإنسانية عامة من دون منّة أو انتظار مردود سياسي، أو لغرض وصاية لاحقة هي أنفع للبشرية من تلك التي تربط مساعداتها بمقاصد وأهداف تخدم أعراضها"