لا تزال منطقة الخليج العربي تتعرض لأزمات فكرية ومجتمعية تعصف بعلاقات المجتمع، ودورات الحوار التي عقدت في بعض الدول لم تغير الحالة الوطنية والسياسية، وإن ساهمت في نشر ثقافة الحوار التي لا يزال البعض يشكك في جدواها، على رغم أنها قاعدة معرفة أولى للبشرية قررها الإسلام. ما نعنيه أن الحوار ليس استثناء في التواصل الإنساني الطبيعي، بل هو في أصل الرسالة الإسلامية عملاً وثقافة وحراكاً مقصوداً لذاته، ولا نستطيع إحصاء كثرة دلائل هذا المعنى في مفاهيم آيات الكتاب العزيز وما ورد في سنة المصطفى صلى الله عليه وسلم، فكثرتها وانتشارها في كل مراحل الخطاب الإسلامي الأول تعطي هذه الدلالة القطعية. لكن الإشكال أن المتلقي للمفهوم ينطلق في الأصل من حالة انطباعية تسيطر على تفكيره، وهي أن الحوار استدراج لتقديم تنازلات في مواقفه المبدئية، لذا يعامل الأصل المحسوم في التأصيل الشرعي والوعي الإنساني المعرفي بالانطباع الاستثنائي في تصوره، هذا الانطباع قد يكون له ما يبرره في حالات محددة من طرف المحاور حين يفرض روحه الفلسفية وهيمنته القائمة وموقفه، ويجدول الحوار ويختار الطرف المقابل. حينها تبدو القضية واضحة، لكن من الخطأ أن يُعمم هذا الأنموذج على الحوار كثقافة لازمة مع المخالف أكان داخلياً كطرف ثقافي من أبناء الوطن أو خارجياً. الإشكال الثاني هو الاعتقاد بأن للحوار صورة واحدة وحسب، وهي قضية الجدل الإيماني الذي نصّ عليه القرآن الكريم، بمعنى أن المحاور يفترض في نهاية الأمر أن ينتهي به الحوار إلى تسليم الطرف الآخر، وهذه قضية تنسف ثقافة الحوار من الأصل. والمواقف الإسلامية الثابتة، وأولها نصوص الكتاب العزيز، تحسم هذا المعنى، إذ وردت قضايا الحوار في مدارات عدة لدى الأنبياء والمصلحين، منها ما يقوم على المحاجة الفلسفية والإيمانية ومنها غير ذلك. وفي نموذج الحوار الذي تبناه الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم في الحديبية دليل قاطع على التواصل المتعدد في الحوار، من هنا يفترض بالساحة الثقافية الإسلامية والوطنية أن تعتبر هذه القواعد منطلقاً منفتحاً للتواصل لتجسيد المشتركات الإسلامية والوطنية، وتحقيق المصلحة النسبية أو العليا للرسالة الإسلامية والانتماء الوطني. وحتى تكون ثقافة الحوار سائدة ومعممة على قواعد الشباب والمثقفين والعامة، يجب أن تُفتح لها الأجواء كعمل مشروع لثقافة المجتمع المدني، وليس مواسم تُتبنى من خلال مؤسسات فينتهي الموسم والمجتمع لم يتغير ولم يحسن تواصل أطرافه الاجتماعية. ولتحقيق ذلك لا بد من أن تُزال الشكوك والحواجز، وأن يتجاوز صاحب الشأن حائط عدم الثقة في تواصل الأطياف الثقافية ذاتياً، وبجدول وخطاب هم يختارونه حتى يثبت الوطن أنه كما يخاطب العالم بإنسانيته فهو يمارس أقل درجات هذه الإنسانية داخلياً وهي الحوار المباشر لقضايا المجتمع بين أطرافه، وإلا سيلتفت العالم إليه ويقول: هلاّ لنفسك كان ذا التعليم..؟ هنا سيبرز الاتجاه الثاني، وهو حوار المجتمع مع الدولة، أو حوار المثقفين أو الإصلاحيين مع النظام السياسي، فالتبشير بالحوار من دون القبول بقواعده في علاقة الحاكم والمحكوم يُلقي شكوكاً على صدق التوجه ولا يخدم الثقة بين الدولة والمجتمع، إذ إن التبشير به كقيمة وبرنامج لمعالجة للأزمات بين أطياف المجتمع، يحتاج في نهاية الأمر إلى برنامج موازٍ لحاجة هذا المجتمع، وللقوى الأهلية إلى طرح رؤاها مع الحكم والقيادة السياسية، لتستمع جيداً الى تطلعاتها وتحقق معادلة التنمية الأساسية في الدولة، سواءً تطور الحياة السياسية، أم معالجة المصادمات الأمنية أم تفاقم قضايا الفساد وأزمات البيروقراطية، فمثل هذه القضايا لن تُحل ولن تعالج ولن ينخفض الاحتقان في المجتمع من دون الجنوح الى معالجة سياسية حوارية، وهي في هذه المرحلة وكل مرحلة حاجة أساسية متواصلة لتثبيت الاستقرار والتطور. وغياب الحوار السياسي المباشر بين الدولة والقوى الأهلية لا يخدم ضرورات الاستقرار الوطني الذي بات ملحاً لمنطقة الخليج العربي. إنّ تدوير الصراع بين أطياف المجتمع أو اتجاهاته أو دفع قضايا فرعية أو فوضوية الى سدة الاهتمام والتغطية الإعلامية، بدلاً من التكثيف والمصارحة في قضايا الإصلاح، لن يخدم الدولة، خصوصاً حين تندفع الأمور وقد اندفعت في بعض دول المنطقة، إلى مصادمات عنيفة، وظواهر احتجاجات جماعية، وهي مؤشر مؤكّد لأزمة سياسية متفاقمة، ففتح الباب مع النشطاء أو الحقوقيين للحوار الوطني المسؤول بروح إيجابية وعزيمة تصحيح، سيُعطي رسالة فورية لتهدئة المجتمع، ويحمل الناس على متابعة مسار مدني يحقق لهم ولو نسبياً ما يصبون إليه، لكن عبر تدرج واضح المعالم ومستوى تصحيح يظهر للناس ولا يظهر في وسائل الإعلام فقط. وحين تتخذ الدولة المسار المركزي بعد تأمل جاد، سيتضح لها أن ما يسمى تنازلاً للقوى الأهلية هو حقوق عامة للشعب تضمن للدولة ذاتها استقراراً سياسياً، إذ يُشارك المجتمع عبر ممثليه في تحديد مكامن الخلل ورؤى التصحيح في أجواء حوار شامل وصريح، وهذه الصراحة والشفافية هي سر نجاح أي حوار حين يقرر الحكم أن هناك مساحة لا بد أن يتقدم لها من الإصلاح وليس الاحتواء وحسب، وتعزيز الشراكة بحسب متطلبات الإصلاح في كل دولة خليجية. حينها سيؤهل العقد السياسي بين دول الخليج لوحدة كونفيديرالية عبر مباركة شعبية حقيقية تكفل حمل المشروع الاتحادي إلى خطوات تنفيذية باستقرار وطني شامل لكل دولة، في حين يبقى أي مشروع وحدوي هشاً، وهو ما عكسته التجربة السابقة بل مقلقاً لأطراف عدة لو أعلن مفرغاً من المباركة الشعبية القائمة على الشراكة السياسية والعقد الاجتماعي الدستوري المتفق عليه، وما لم يتفق الداخل على تعزيز وحدته الوطنية لن تحميه مشاريع خارجية. * كاتب سعودي