فيصل بن فرحان يلتقي وزير الخارجية المصري على هامش الاجتماع الوزاري الرباعي    الندوة العالمية تفتتح مدرسة ابتدائية تُنهي معاناة طلاب "أوزغين" في قيرغيزيا    «موانئ» تمدد إعفاء الحاويات الفارغة بمينائي الملك عبد العزيز والجبيل    نائب أمير نجران يلتقي مديري الجهات الرقابية والشرعية بالمنطقة    أمير جازان يستقبل قائد قوة أمن المنشآت بالمنطقة    الأمم المتحدة تشيد بدور المملكة الريادي في استعادة النظم البيئية وتعزيز العمل الجماعي لاستدامة الموارد الطبيعية    الاتحاد الآسيوي يحسم الجدل بشأن مصير نونيز    جامعة الإمام عبدالرحمن تسجّل حضورًا عالميًا في تصنيفات QS للتخصصات لعام 2026    فواز بن سلطان يدشّن النسخة الثانية من الملتقى العالمي للورد والنباتات العطرية بجامعة الطائف    السجل العقاري يبدأ تسجيل 14,750 قطعة عقارية في منطقة مكة    وزير الخارجية يصل إلى إسلام آباد للمشاركة في الاجتماع الوزاري الرباعي    البحرين:اعتراض وتدمير 174 صاروخا و 391 مسيرة منذ بدء الاعتداء الإيراني    الاحتلال الإسرائيلي يواصل إغلاق المسجد الأقصى لليوم الثلاثين على التوالي    برعاية محافظ القطيف..انطلاق مهرجان النباتات والزهور في الرامس    سوريا تتصدى لهجوم بمسيرات على قاعدة التنف    أسلوب رفض الخاطب يؤثر على تقبل القرار    بلاغات الحماية الأسرية تظهر مشكلات نفسية وسلوكية وتربوية    دفع 50 ألفا ولم يستعد حسابه    معدن سام في الخبز والكروسان    عصير الكرز يحسن النوم    صيدلية حية تحت الجلد    وزير الصحة يثمن جهود الهلال الأحمر    مطر الخير يعم المملكة    أرقام جديدة تكشف.. تحول العمل التطوعي بالمملكة إلى قوة مجتمعية    أمن وأمان وعقيدة واطمئنان    بعد البيعة.. عصر جديد في ظل ولي العهد    رحلة في أفياء الشعر والشعراء    العيد ومفهوم السعادة في الماضي والحاضر    "الثقافة" تطلق الزمالات السعودية البريطانية للأبحاث الثقافية    الأخضر (B) يخسر ودية السودان    خطيب المسجد الحرام: احذروا آفات اللسان    إمام المسجد النبوي: لا تبطلوا الأعمال الصالحة بالمعاصي    حسام حسن: لم أتوقع الرباعية    الذهب يرتفع 3 % وسط ترقب المستثمرين لتطورات التوتر في الشرق الأوسط    غاب الجسد وبقي الأثر    "سدن" توقّع مع مستشفى الملك خالد الجامعي    نجاح استخراج «سماعة جوال» من معدة رجل بمجمع الدكتور سليمان الحبيب الطبي بالعليا    المنتخب السعودي (B) يخسر لقاء السودان الودي في معسكر جدة    جامعة الإمام عبدالرحمن تعايد منسوبيها    1.7 تريليون أصولاً احتياطية للمركزي السعودي    موجز    ختام ناجح لقمة ميامي..الرميان: الوضع الاقتصادي والمالي للسعودية قوي ومستقر    الاتحاد يعين نور والمنتشري مستشارين لشؤون كرة القدم    إنتر ميامي كرمه بمدرج يحمل اسمه.. ميسي يحارب استغلاله في المنتجات المقلدة    بيتارش يرفض دعوة بونو لتمثيل المغرب    عراقجي يشكك في جدية واشنطن: تناقضات أمريكية تعقد مسار الاتفاق    توسع محتمل للصراع.. غارات إسرائيلية تستهدف منشآت نووية إيرانية    عبر المنصات الرقمية في رمضان.. 366 مليون مشاهدة لمحتوى الشؤون الدينية بالحرمين    وصفه ب«الصديق الرائع» و«الرجل العظيم».. ترمب: ولي العهد.. قائد حازم وشجاع يحمى بلاده    وزارة الدفاع ونظيرتها الأوكرانية توقِّعان مذكرة ترتيبات في مجال المشتريات الدفاعية    رئيس جمهورية أوكرانيا يغادر جدة    «ثار» تسجل أعلى كمية ب 27,4 ملم.. 24 محطة ترصد هطول أمطار في 6 مناطق    ديوانية خوجه تقيم حفل معايدة    نائب أمير منطقة تبوك يعزي وكيل إمارة المنطقة في وفاة شقيقته        انطلاق مهرجان الشعوب في الجامعة الإسلامية بالمدينة    رئاسة الشؤون الدينية تصدر جدول البرنامج العلمي الدائم بالمسجد الحرام لشهر شوال 1447ه    بلدية الظهران تحتفي بعيد الفطر بفعاليات ترفيهية مميزة    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الاسلام لا يمثله حزب ولا جماعة أو تيارپ. نداء من فكر بن نبي إلى "الربيع العربي"
نشر في الحياة يوم 14 - 01 - 2012

في أزمتنا الحاضرة يفتح الحديث عن فكر مالك بن نبي أفقاً لمستقبل العالم الإسلامي والعالم كله على سواء. شاء الله لبن نبي أن يصاحب القرن العشرين في بدايته فيشهد ذروة الاتصال بين الشرق والغرب ويرقب انبلاج النهضة العربية الإسلامية وهي تواجه التحدي الاستعماري في وجهيه السياسي والثقافي. تفاعل بن نبي بفضل منهجه العلمي مع مشكلة التحدي هذه، فإذا عين له في مقتبل العمر على كتاب يقرأه في تعليمه المدرسي وعين له أخرى على ركود المجتمع الرازح تحت الاستعمار الفرنسي ووسائله المدمرة.
ولد في قسطنطينية الجزائر عام 1905 واجتاز مراحله الثانوية فيها ثم انتقل إلى باريس يدرس الهندسة حتى تخرج عام 1936 مهندساً في الكهرباء.
لكن القضية جذبته إلى حلبتها، فإذا به يبحث عن سبل في الفعالية تنتظم في إطارها الوسائل والإمكانات. فالجزائر والعالم الإسلامي لا يحتاجان إلى مهندس يمنح خبرته في إطار الأشياء، بل إلى حركة في إطار الفكر تبدل المجتمع.
كانت هذه منطلقات بن نبي، ورافق تخصصه الهندسي بحث عن وسائل نهوض العالم الإسلامي من كبوته.
انطلقت أفكار بن نبي تعيد الثقة بتراث هذه الأمة بعدما كادت الحضارة الغربية تأتي على جذوته في النفوس.
فقد استطاع الفكر المنهجي للغرب أن يكبل المبادرات الفكرية لمسلمي القرن العشرين وأن يضع النظرات الإصلاحية في قوالب التجربة الغربية، فإذا المسلم أمام فيض هذه الحضارة بين رجلين، إما مُتهم منها أو مُتهم لها كما يقول بن نبي.
وفي إطار الأزمة النفسية هذه، دارت التجربة الإصلاحية في فراغ عقيم ملأ مكتبتها الحديثة بالمؤلفات، لكن المشكلة لا تزال تراوح مكانها وفي كل يوم تتناقض مقترحات الحلول فتضع جيلنا الصاعد أمام استحالات الخروج من الأزمة.
بدأ بن نبي البحث في الجذور.
فهذه الحضارة الحديثة ما كان لها أن تحتوي مسيرة العالم لولا التآلف بين أبنائها أوسعت له روح مسيحية أوقدت حماسة شرلمان. واستقطبت التعاون الاجتماعي في سائر الحقول. والذين يمعنون النظر في ذلك العهد الكارولنجي في بواكير القرن العاشر يرون ما كان للكنيسة من دور في توحيد المبادرات الفردية في مسيرة واحدة ثم بعثت الطاقات الروحية لتطبع سائر مظاهر الحياة، فنية كانت أو اجتماعية.
بدأ المجتمع منذ ذلك العهد يمتد خارج حدوده والاتصال مع المرحلة العباسية في بغداد بما توافر له من روابط نفسية أسست في ما بعد روح ثقافته على صفحة الأرض ما قبل عهد ديكارت ثم بدأ التطور يعيد التوازن إلى مسيرته، فإذا الإنتاج الأدبي والعلمي والفني يرفد طاقاته بما يصحح مسيرته في كل طور. وما منهجية ديكارت ولا الثورة الفردية ولا العلمانية ولا الماركسية التي توالت بعد ذلك إلا مراجعة جماعية لذلك النسق الاجتماعي المترابط وقد امتلك العالم بثقافته.
تبدو هذه المراجعات يناقض بعضها بعضاً في إطار التحليل، إلا أنها تظل وليدة النمو المتطور لذلك النسق الاجتماعي المسيحي تمنحه زخم المسيرة بوسائل جديدة. من هنا لم تكن مشكلتنا في التباعد بيننا وبين التجربة الغربية عبر القرون. ولا هي كذلك في ما أورثتنا الأجيال من عقيدة وتاريخ حضاري. مشكلتنا إذاً مشكلة حضارة يجب أن تمارس وظيفتها.
"فهي مجموع الشروط الأخلاقية والمادية التي تتيح لمجتمع معين أن يقدم لكل فرد من أفراده في كل طور من أطوار وجوده منذ الطفولة إلى الشيخوخة المساعدة الضرورية له في هذا الطور أو ذاك من أطوار نموه".
على أننا إذا حددنا الحضارة في صورتها الوظيفية تحتم علينا أن ندخل إلى أعماق تجربتها فنبحث في مكوناتها الأساسية والتي تبدو سنة ثابتة لا تتبدل في سائر المجتمعات. فالمشكلة ليست في استيراد الرفاهية ولا هي في نمو اقتصادي بعيد عن دور الإنسان وفعاليته، فهذه دول البترول تكتظ بمنتجات الحضارة الغربية بينما الإنسان فيها منعزل عن كل دور يمنح لهذا الازدهار دوامه.
"ولهذا فنحن عندما نريد أن نضع أصل النمو الاقتصادي للحضارة موضعه لا يتعين علينا أن نضع هذا الاختراع أو ذاك من مثل الآلة البخارية ونول"جيكار"والبوصلة وآلة الطباعة باعتبار هذه الآلات مصدراً لتلك الأعمال، ولكن جميع الظروف التاريخية التي تخلقت فيها بذور الأفكار ضروب الإبداع والإنشاء وكل ما انتجت هذه الحضارة". لا بدّ إذاً من أن نفرق بين تكديس المنتجات الحضارية وبناء الوظيفة الحضارية في مجتمعنا. فالتفكير في مشكلة الإنسان هو في النهاية تفكير في مشكلة الحضارة.
وقعت الحركة الإصلاحية الإسلامية الحديثة في منزلق السهولة حينما أهملت عمق البناء الاجتماعي فاتخذت لها مستحدثات الحضارة الغربية وسيلة تعبير عن حاجاتها، فإذا هي"زبون مُقَلّد من دون أصالة، فالحضارة الغربية فتحت لنا أبواب متاجرها أكثر مما فتحنا لها أبواب مدارسنا لنقتبس منها سبيل بناء جديد مستمد من أصالة تاريخنا".
الحركة الإسلامية
الحركة الإسلامية الحديثة ليس لها في الواقع نظرية محددة، لا في وسائلها ولا في أهدافها، وهي في سائر ما نشهد اليوم من ربيع واعد، لكن الحركة الإسلامية في ليبيا ومصر واليمن وسورية جميعها تحتاج إلى أيديولوجية الوعدين كما يقول بن نبي، الوعد الأعلى وهو الإسلام كما أنزل وهو لا يتبدل، والوعد الأدنى وهو القدرة على تحديد مناهج متطورة في الدخول إلى العصر الحديث في محورية الوعد الأعلى. انطلق رجال الإصلاح الأول من عقدة اتهام الحضارة الغربية لتسوغ الإسلام والتاريخ كما وصل إلينا مكتوباً في مجرى العصر الحديث بينما كانت القضية تحتاج إلى خطة في بناء الإنسان المسلم تسوغ دوره في مصير العالم.
"فبدل أن تترجم الحركة الإسلامية الجهود الذهنية عن نفسها في صورة مذهب دقيق للنهضة ومنهاج منسجم، كانت تنطلق في صورة شعلات دفاعية أو جدالية وكان المؤلف المنهجي الوحيد الذي خلفه جمال الدين يتمثل في مجادلة ضد المادية أو الناشورية وفق تعبير كاتبه، وهو الكتاب الذي يتعين علينا أن نقرن به المجادلة المدرسية لتلميذه"محمد عبده"ضد الفيلسوف الفرنسي رينان، ولكي نتمثل ما ينقص جميع هذه الجهود يجب أن نتصور أحد أعمال ماركس أو أنجلز أو لينين في اقتصاره على مجرد نقد المجتمع الرأسمالي دونما نظر إلى نواقص الطبقة العمالية أو انفتاح على بناء الاشتراكية".
لقد كانت الحركة الإصلاحية بحاجة إلى منهج يطرح العوامل السلبية التي كبلت المجتمع الإسلامي عبر القرون وأسلمته إلى قابلية اجتماعية للاستعمار. لكنها عالجت المشكلة بصورة جزئية ومتفرقة من دون أن تمس الثوابت النفسية والاجتماعية التي أورثت المسلم تخلفه.
"فبدل تناول الموضوع بطريقة"جبرية"تمكن من الإشارة إلى حلّ قابل للتطبيق على مستوى مجتمع تقوم فيه المشكلة نفسها كالمجتمع الغربي طوال عصر النهضة تم تبني طريقة سير حسابية تعالج كل حالة على حدة: فعوض معالجة وضعية تاريخية عامة، تمت معالجة قضايا سياسية مختلفة بينما العوامل التي أثرت منذ قرون في وضعية البلدان الإسلامية لم تتشكل داخل الحدود الوطنية لبلاد معينة ولكن داخل المجال الذي تكتنفه رقعة الحضارة الإسلامية، أي الرقعة التي يطلق عليها توينبي"حقل الدراسة".
لقد انزلقت نهضتنا في متاهات صوفية، فإذا أولئك الذين انحرفوا نحو الفكر"التقدمي"قد وجدوا أنفسهم يحملون ثقافة منعزلة عن المجتمع لأنها لم تكن نابعة من ضرورات المجتمع، بل من انتقال فيض الحضارة العربية إلى الشرق.
لقد كانت السلفية منطلقاً ثورياً في نظرة الرواد الأول للنهضة، إلا أنها جمدت في خطوتها الأولى. فلم تمنح المسلمين زخم المبادرة في العصر الحديث.
وهذا قرن من الزمان يطوي صفحة جمال الدين كأنما هي في وادٍ سحيق، فقد مسّت النهضة سطح المجتمع من دون أن تبعث منهجاً فاعلاً في بناء الإنسان. انطلق بن نبي من هذه الزاوية يطرح المشكلة فيدخل إلى أعماق السنن الإلهية، وهي أيضاً سبيل الغد المتطور في كل أمة.
"فلكل نشاط عملي علاقة مباشرة بالفكر، فمتى انعدمت هذه العلاقة اختل النشاط واضطرب وأصبح جهداً بلا دافع. وكذلك الأمر حين ينعدم الفكر يختل النشاط ويستحيل الإنتاج وعندئذٍ يكون تقديرنا للأشياء تقديراً ذاتياً، هو في عرف الحقيقة خيانة لطبيعتها، وغمطاً لأهميتها سواء كان غلواً في تقويمها أم نجساً لقيمتها. وهذان الشكلان من أشكال الخيانة يتمثلان في العالم الإسلامي الحديث في صورة نوعين من الذهان، فإما أن يتمثل في صورة النظر إلى الأشياء على أنها سهلة وهو قائد ولا شك إلى نشاط أعمى كما كانت الحال في قضية فلسطين وإما أن يأخذ صورة النظر إليها على أنها مستحيلة فيصاب بالشلل".
ذلك شكل أورث الركود الاجتماعي في سائر الحقول. فقد وجد المسلم نفسه أمام استحالات نفسية عزلته عن التصرف بإمكاناته، فإذا هو قابل لاحتلال كل أمة ولاجتياح كل قوة والقابلية للاستعمار هذه قد وطأت للاجتياح الاستعماري في تاريخنا الحديث.
"إن هنالك نتيجة منطقية علمية تفرض نفسها هي أنه لكي نتحرر من"أثر"هو الاستعمار يجب أن نتحرر أولاً من سببه وهو القابلية للاستعمار. فكون المسلم غير حائز جميع الوسائل التي يريدها لتنمية شخصيته، وتحقيق مواهبه: ذلك هو الاستعمار في صورته الخفية، وأما ألا يفكر في استخدام ما تحت يده من وسائل استخداماً مؤثراً ويتخلف عن بذل أقصى الجهد ليرفع من مستوى حياته بما توافر له من وسائل، وأما ألا يستخدم وقته في هذا السبيل فيستسلم على العكس لمصيره كما مهملاً فتلك هي القابلية للاستعمار".
فالقابلية للاستعمار وجه آخر للتخلف والأمر يتطلب انتصاراً على تلك المعوقات لنواجه المستقبل بقوة ذاتية من أنفسنا.
فالمجتمع ليس مجرد جمع بل اجتماع بين الأفراد حين تربط بينهم قيم مشتركة وهذه القيم المشتركة لا بدّ من أن تؤدي إلى نشاط مشترك في عالم الأشياء المحيطة به. ولكي يكون النشاط المشترك فاعلاً في عالم الأشياء لا بدّ من أن يمر في عالم من الأفكار بما تعطي لهذا النشاط فاعلية خلاقة.
ذلك تبسيط لمفهوم الحضارة يطرحه بن نبي على أنها صنعة إنسان أحسن استخدام الأرض من حوله في إطار الوقت الضروري ولذا فهي في عناصرها الأولية: الإنسان + التراب + الوقت. هذا المفهوم الأولي للحضارة يضع الإنسان في المنطلق الأساسي نحوها بعد أن تكون قد تجردت أمامه عن كل بناء ماثل يأخذ بالأبصار كذلك البناء الغربي للحضارة الذي أدهش الشرق وأوقعه في عقدة النقص.
وإذا كان الإنسان هو الذي يصنع العلاقة الفاعلة بين العناصر الأساسية لكل حضارة، فلا بدّ من أن يكون صاحب قدرة على ذلك كله. وهذه القدرة ليست قدرة ذاتية شخصية بل هي قدرة الجماعة حين تدفعها يد الله. فلا بدّ إذاً من عالم للأشخاص يحسن الترابط بينه والتآلف الذي يتجاوز المصلحة الذاتية إلى المصلحة الاجتماعية. ولا بدّ إذاً من عالم للأفكار يحسن استخدام الوسائل. ولا بدّ أخيراً من عالم للأشياء يمنح الأفكار إبداع ما يصنع الإنسان من حضوره ورفاهيته.
والإنسان في عالم الأشخاص المترابط وفي عالم الأفكار القائم على المنهج وفي عالم الأشياء المنقاد إلى حاجته هو ذلك الإنسان المتحضر وهي الحضارة تنتسب إليه وينتسب إليها.
وما أمرنا في مشرق الدعوة الإسلامية إلا تآلفٌ في عالم الأشخاص وقيم تمنح الإنسان حرارة الإيمان وما فكرنا إلا ذلك الذي استخدم عالم الأشياء من حوله فأحسن النتيجة حين قدّم لها أسبابها وكانت لديه مقاييس النقد والتصحيح.
تلك كانت حضارة دمشق وبغداد والأندلس تطبع قيمها وروحها على صفحة الحضارة الإنسانية.
وما أمرنا في مغرب حضارتنا اليوم إلا اختلال في عالم الأشخاص أورث التفسخ في المجتمع والانغلاق في عالم الأفكار أجدب من خلاله عالم الأشياء وتلك الأيام نداولها بين الناس.
هذه السنة الاجتماعية تلزمنا بنظرة ثاقبة في عمقنا الاجتماعي. هذا الذي لا يزال مختل العلاقة في عالم أشخاصه تقوم فيه الفوضى على كل صعيد وتأخذ أفراده الأثرة فلا يستقيم فيه أمر. وهو الذي اختل فيه عالم الأفكار فجنح إلى تبديد أمنياته وثروته وعجزت نظراته عن كل تحليل ذاتي، فإذا هو الفكر الناقل في سائر الميادين العلمية وقد تخلى عن كل جهد مشترك يمتاز به ويؤهله في صنع العالم الحديث. فعالمنا الإسلامي اختل فيه عالم الأشياء فلا انسجام بينه وبين عالم أشخاصه وإذا نحن غرباء عن احتواء ثروتنا.
فلا بدّ إذاً من أن نعيد بنيتنا في هذه العوالم الثلاثة عالم الأشياء والأشخاص والأفكار لترتفع عليها حضارتنا. ولكي نعيد هذه البنية لا بدّ من أن تتوافر فيها إرادة حضارية. والإرادة الحضارية هذه نقلة بالإنسان إلى مرتبة متقدمة، إنها تربية، ولذلك فهي علاقة اجتماعية سليمة، وهي مثل أعلى تشد الإنسان إلى بلوغه، فهي إذاً عقيدة في إطار المجتمع، وهي صلة مستمرة في عالم الأشخاص والأفكار والأشياء، فهي إذاً تعطي لهذه الصلة أسلوبها الفاعل المنسق والمنظم فتأخذ العوالم هذه صورتها المتقدمة المتطورة وتمنح جوّها ولونها وذوقها وجمالها على رقعتها.
ولئن شئنا أن نميز مجتمعاً عن سواه لامتاز في أسلوب ثقافته فهذه غربية وتلك صينية. وهذه يونانية وأخرى رومانية وثالثة إسلامية قد تميزت كل منها في الأسلوب والذوق والقيم الموحية لأن عوالمها الثلاثة تفاعلت في ما بينها تفاعلاً منح العبقرية للعالِم والفنان والمُبدع ولولا ذلك الإطار العام من الصلات لما وجد هؤلاء شروط تأثيرهم في منعطفات العلم والتاريخ. فثقافة كل مجتمع تشتمل على فصول أساسية لا بدّ منها.
إنها المبدأ الأخلاقي والذوق الجمالي والمنطق العملي والتكنولوجيا الفنية.
العوالم الثلاثة
فهذه العوالم الثلاثة الأشخاص والأفكار ? والأشياء تجد تفاعلها في العناصر الأربعة هذه. وحين يختل أو ينسحب واحد من هذه العناصر تنسحب الثقافة من دورها الفاعل في بناء الحضارة. فمن دون المبدأ الأخلاقي تتفجر الصلات في عالم الأشخاص ويفقد أساسه التعاون في كل صعيد. ومن دون المنطق العملي تتعقد الصلات وقد تتعارض نشاطاتها فتصبح حينئذٍ عمياء غير هادفة. ومن دون التقنية لا سبيل لاحتواء عالم الأشياء. فليست الثقافة سوى تعلم الحضارة أعني استخدام جميع ملكاتنا الضميرية والفعلية في عالم الأشخاص.
وليس العلم سوى بعض نتائج الحضارة، أي أنه مجرد جهد تبذله عقولنا حين تستخدم في عالم الأشياء. فالأولى تحركنا وتقحمنا كلية في موضوعها وأما الثاني فإنه يقحمنا في مجاله جزئياً. والأولى تخلق علاقات بيننا وبين النظام الإنساني والآخر يخلق علاقات بيننا وبين نظام الأشياء".
من هنا لا بدّ من تفريق جوهري بين الثقافة والعمل. فالأولى تقحم الإنسان في مجالها على اختلاف درجات تحصيله العلمي. إنها تمسّ العالم والفلاح والعامل على سواء لأنها تطبع وجودها على هؤلاء جميعاً لتسلكهم في إطار واحد من الصلات الاجتماعية القائمة على المبدأ الأخلاقي والذوق الجمالي الذي يضبط السلوك العام للأفراد. ولربما كان العالم أكثر إدراكاً لطبيعة المجتمع وحركته.
ولربما كان العامل والفلاح أبعد ما يكون عن فهم دقائق هذه الحركة، لكنهما بإلزام من الثقافة الاجتماعية العامة يختار هذا وذاك غطاء واحداً من السلوك يمنح العمل اليومي فعاليته المؤثرة في التاريخ.
وكان الإسلام من قبل ثقافة المجتمع في صورتها الباعثة تطبع روحها وذوقها في آثار ترامت إلينا عبر القرون. وحينما انسحب المسلمون عن وظيفتهم الاجتماعية أوت حقائق التربية الإسلامية إلى متون متوارثة محفوظة، بينما فقد المجتمع الإسلامي كل إشعاع خارجي.
شهدنا في فترات الاجتياح الصليبي للحضارة الإسلامية كثيراً من العلماء ولكن الإرادة الحضارية كانت قد انسحبت في ظلمة ليل. وحينما أفاقت نهضتنا الحديثة على وقع أقدام الاحتلال الاستعماري وجد الرواد أنفسهم أمام حضارة ماثلة في بنائها مترفة برفاهيتها فانزلقوا إلى غرام بتلك المستحدثات يستوردون سيارة هنا وبرلماناً هناك وديموقراطية في تنظيم سياسي وماركسية في ثورة اجتماعية دونما إدراك لطبيعة العوامل التي شلت مجتمعنا عن كل تحرك.
* وزير لبناني سابق


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.