مفهوم الطائفية مشتق من جذر متحرك، فهو مأخوذ من طاف يطوف طواف، فهو إذاً طائف. فالبناء اللفظي يحمل معنى تحرك الجزء من الكل من دون أن ينفصل عنه بل يتحرك في إطاره وربما لمصلحته. والمفهوم يشير أيضاً إلى عدد من البشر في حدود الألف من الأفراد وبالتالي فإن المفهوم في حد ذاته يتضمن فكرة الأقلية العددية المتحركة في إطار الكل المشدود إليه بغض النظر عن دينها أو عرقها أو لغتها، لذلك فإنّ المفهوم يُستخدم ليُشير إلى كيانات مختلفة في خصائصها والقاسم المشترك بينها هو القلة العددية، ومن هنا يبرز هذا المفهوم باعتباره إشكالية أو أزمة خصوصاً في القرنين الأخيرين، وذلك تحت تأثير عوامل داخلية وخارجية في ظرف تاريخي معيّن ساعد على إحداث نوع من التفاعل بين العوامل الداخلية والمؤثرات الخارجية. ولقد تم مزج مفهوم"الطائفية"ذات المكون العددي مع مفاهيم أخرى ذات مضمون فكري أو فلسفي أو عرقي أو مذهبي فتحول إلى ما يشبه"المصدر الصناعي"وذلك ليفند معنى الفعالية الخاصة بالأقلية العددية والمنفصلة عن فعالية الأمة، وبذلك أصبح مفهوم الطائفية يستخدم بديلا لمفاهيم"الملّة والعرق والدين"التّي كانت سائدة قبل ذلك. واختلطت في بيئة متزامنة فكرياً وسياسياً فأنتجت مفهوم"الطائفية"باعتباره تعبيراً عن حالة أزمة تعيشها المجتمعات العربية مثل لبنان والعراق، حيث أصبحت الطائفية مذهباً وإيديولوجيات وهوية حلّت محل الهويات الأخرى والانتماءات الأعلى بل وبدأت تتعالى عليها وقد تبدي الاستعداد لتقاطع معها وأخذ موقعها. ليس مجرد الانتماء إلى طائفة أو مذهب يجعل من الإنسان المنتمي إلى تلك الطائفة طائفياً، كما أنّه لا يكون طائفياً إذا عمل لتحسين أوضاع طائفته أو المنطقة التي يعيش فيها من دون الإضرار بحق الآخرين. ولكن الطائفي هو الذي يرفض الطوائف الأخرى ويغمطها حقوقها أو يكسب طائفته تلك الحقوق التي لغيرها تعالياً عليها أو تجاهلاً لها وتعصباً ضدها. فالطائفية في حد ذاتها هي نزاعات بين فئات وطوائف قائمة على أسس دينية أو مذهبية أو عرقية أو لغوية. وقد تتفجر هذه النزاعات بشكل أكثر حدة، وبإمكان هذه النزاعات أن يكون لها طابع الامتداد خارج نطاقها ما يجعلها محل رصد من المتتبعين لا سيما لجهة ما يتعلق بمستقبل المنطقة التي تشهد هذه التطورات، خصوصاً أنها أصبحت بمثابة صراع. والإشكال في الطائفية ليس في كونها بغيضة ومدعاة تفرقة وإنما أيضاً لكون الطائفية لا توجد علانية، أي غير معلنة عن نفسها ولا يمكن لأي جماعة أن تعترف أو أن تقر عن نفسها أنها تتبنى الطائفية وبالتالي فهي فعل لا نبصره ولكنه فاعل مؤثر في نشر ذلك الشك والمخاوف والتوتر والصراع إلى درجة وجود مخطط طائفي لتقويض وجود الآخر والسعي الى تأسيس القوى العسكرية والأمنية والإدارية والسياسية وتشكيلها على أساس طائفي بما يؤدي إلى تقويض أركان الدولة الذي يبدأ بالظهور على شكل نداءات ومطالب بالفيديرالية والذي هو في جوهره مشروع تقسيم طائفي. وقد بات البعد الطائفي أداة ذرائعية سهلة التناول في الجو يستدعيها هذا الطرف أو ذاك بشكل حاد وعنيف لخدمة أغراضه السياسية. شئيم الدرويش - خيزران - لبنان بريد إلكتروني