اختار المخرج السينمائي المعروف كين لوواش ستيف إيفيتس، من مانشستر، لأداء الدور الأول في شريط"البحث عن إريك"، وموضوعه أنصار كرة القدم في المدينة البريطانية وهواهم الكروي. والشخصية السينمائية صوتية. فستيف إيفيتس صوت ونبرة في المرتبة الأولى. وهو مدخن منذ 20 سنة، ويدخن 60 لفافة تبغ في اليوم الواحد. وخلّف هذا في صوته"بحة"عميقة، وفي تنفسه جلبة المنفخ في فرن المعادن. وهو يقطع الكلمات التي يتلفظ بها أجزاءً ونتفاً، وتتدحرج الأحرف في حنجرته حجارة يصطك بعضها ببعضها الآخر. وطلب كين لوواش من صاحب الدور ارتجال مشاهد ووقائع من الحياة اليومية، طوال أسابيع. وقدمه على غيره، والسبب في تقديمه البحة وأصداء الصوت المتواري وراءها. ويتعرف السامع في البحة والأصداء الشمال الإنكليزي وألوانه ورياحه وقرميده وقحة أهله وخيبات معاركه الخاسرة، والموسيقى الخافتة والعاطفية التي يحبها صاحب"شتاء الحجارة". وأراد المخرج رجلاً من عامة مانشستر ليؤدي دور عامي محلي. ولكن ما هي خاصية صوت أهل مانشستر وماذا يميزه من الأصوات الإنكليزية والمحلية الأخرى؟ والحق أن ستيف إيفيتس حريص على القول إنه ليس من مانشستر، بل من سالفورد، على ضفة نهر إيرويل الأخرى الذي تجري فيه"مياه بلون الرصاص"، والمدينة عمالية من أدناها الى أقصاها، ولا يسع جارتها العنيدة إلا الصدوع بصفتها التامة هذه. وسالفورد تبعد بالحافلة 5 دقائق عن مانشستر، ولكنها تقع في قلب عالم مختلف، على ما يلح الممثل. ولغة أهلها ليست لغة أهل مانشستر أو بولتون أو فيغان أو ليدز أو ليفربول. وقد يقتضي التنبه الى الفروق بين الأحرف المصمتة، والتلفظ بها هنا وهناك، بعد ظهر كامل وجزء من العشيّة، وتناول الشراب الأشقر المحلي في الأثناء. ففي ضوء هذا، وعلى هدي منه، يستوقف السامع صدور الحرف عن الحلق أو ابتلاع جزءٍ من حرف صائت. وزعمت بنتا ستيف إيفيتس الفتيتان، وهما في سن المراهقة وكانتا تلعبان بجهازي هاتف نقال خلوي، أنهما شبتا على بعد كيلومترات قليلة من أبيهما، ونبرتهما تختلف عن نبرة أبيهما، على ما عجلتا في البرهان متضاحكتين. والتمرين، أو البرهان، سائر ومعتاد. فإذاعة البي بي سي تبث برنامجاً اسمه"فويسيز"أصوات، يأخذ بيد المستمع في دغل النبرات واللهجات المحلية. ويسعف البرنامج المستمع على"التكلم بنبرة أهل مانشستر في عشر دقائق". ويناقش مُعدُّو طرائف التلفظ ب"ماما"، من"موم"الى"مِمْ"في دائرة شعاعها 10كلم. والنبرة والمنبت مدار لعب بين المتخاطبين، على قول ستيف إيفيتس. ووالداه كانا إيرلنديين، ويخدمان في الفنادق. وبعض أقاربه يقيمون بدبلين وكورك. وهناك كذلك تتباين النبرات والعبارات من مدينة الى أخرى، فيرتج عليه الفهم في بعض الأوقات. ويخلص الرجل الى أن اللغة، أي طريقة التكلم، مفخرة ومعيار تمييز ومكانة، وهي علم أو شارة على مدينة أو جماعة مثل عمال الميناء بليفيربول، أو عمال مصانع الصلب في شيفيلد أو مصانع النسيج بمانشستر. ومنذ عمله مع كين لوواش، أدى ستيف إيفيتس دور لندني، ودور واحدٍ من منطقة يوركشاير، وبين هذه وبين لندن منافسة. وهو لا يفعل هذا من غير عناء الإعداد. فإذا أراد أداء دور رجل من ليدز ومنطقتها، قرأ بصوت عالٍ روايات كاملة كتبت حواراتها على طريقة أهل ليدز في التلفظ بالعبارات، على بعد 15 كلم من مانشستر. وعلى رغم هذا، يؤثر المخرجون والمنتجون ممثلاً محلياً، استجابة لداعي الأصالة. وتقول كاثلين كراوفورد، السكوتلندية ومديرة"كاستينغ"شريط كين لوواش، أن الممثلين كانوا يتسترون على لهجاتهم ونبراتهم إذا هاتفهم مخرج من لندن وطلب اليهم العمل معه، وما كان نقيصة تحول في أثناء العشر سنوات المنصرمة الى صفة يُعتد بها. ونصحنا ديفيد بيس، أحد ألمع كتّاب الجيل الجديد وكاتب"رباعية يوركشاير"السوداء، بتمرين سمعنا على اختلاف اللهجات والنبرات بواسطة ركوب حافلة النقل العام بين هادير سفيلد وليدز، والإصاخة الى تغيرها بين محطة وأخرى، ويوم السبت هو موعد مباراة كرة القدم، وفي هادير سفيلد حجر البناء أسود، ويركب رجالاتها سيارات النقل الى ليدز ويلفون رؤوسهم ووجوههم بشالاتهم. وفي مقصف محطة السفر، تخدم الزبائن امرأة مكتهلة، تلبس مريولاً بزرقة البحر، ويعلو رأسها تاج شعر أحمر مستقيم التصفيف. ومع كل كوب قهوة تخاطب الزبون الجالس الى الطاولة ب"يا حبيبي". ويشرب مرتادو المقصف أكواب الجعة قبل الساعة العاشرة، قبل ركوب الحافلات أو القطارات. وفي الطريق الى ليدز تميل المناقشات الى الحدة والتدافع. وتعلو نبرة أهل الشمال. وهي سلاح ذو حدين: الحد الأول يُبعد الأجنبي، والحد الثاني يدعو من ليسوا من الشمال الى ثلب نبرتهم والسخرية منها. فيقول شاعر"البانك"جون كوبر كلارك إنه راح الى بلاد ويلز ليقرأ الشعر أمام الجمهور، ولكنه اضطر الى محاورة المافيا المحلية، وهذه اقترحت عليه اتفاقاً قبله من غير أن يفهم كلمة واحدة من محادثيه. وفي أثناء المباراة أنشأ مناصرو هادير سفيلد نشيدهم:"نحن جيش يوركشاير الجمهوري. لا نهاب شيئاً". وبلغ عديد الجمهور 30 ألفاً. وانقضت المباراة هادئة، قياساً على مباراة طوكيو المكهربة، على قول ديفيد بيس، العائد من العاصمة اليابانية. والطريق من هادير سفيلد الى ليدز، على ما يروي بيس، كانت سفراً عجيباً في سراديب اللغة الشعبية. ولكن المدينة، في الأعوام العشرة المنصرمة، انقلبت من حال الى حال، وغلب عليها التحديث. وحلَّت محال الاستهلاك الفاخر في الحسبات أسواق الخضار القديمة. ولابست لهجات الأجانب القادمين من آسيا وشرق أوروبا لغات المحليين وخالطتها. ولم يضعف هذا تمسك أهل ليدز برطانتهم. فنددوا بإعلان على خط الأوتوبيس 28 يذاع من مكبرات الصوت، وسجل في لغة إنكليزية لا لحن فيها ولا التواء لكي لا يعصى فهمها الأجانب. وحملوا صحة اللغة واستقامتها على ازراء بخصوصيتهم اللغوية. وبعض كتّاب يوركشاير وروائييها يحرصون على تدوين محاورات رواياتهم بنبرة المتحدثين"حفاظاً على الذاكرة". وبعض الشعراء، مثل سايمون أرميتدج وتوني هاريسون، معينهم اللغة المحلية، ولكن نتاج الشعراء والكتّاب الشماليين قليل. ف"ثقافة الشمال ليست فكرية ولا ذهنية، بل هي جسدية وعضوية بالأحرى"، بحسب تعليل ديفيد بيس. ومسالك العبارة عنها وصورها هي السينما والأغنية والشاشة الصغيرة والشارع والملاعب. وكان غناء البيتلز، في أواخر الخمسينات، بلهجة أهل ليفيربول، الإيذان بدخول النبرات واللهجات المحلية دائرة العلانية من غير خجل ولا تستر. وفي الستينات المنصرمة، بثت موسيقى الروك والسينما وكرة القدم طرائق التلفظ بالانكليزية في الحياة العامة بعد أن كان المدرس المبتدئ يضطر الى درس طريقة البي بي سي، والطبقات العليا، بلندن قبل الحصول على إجازة بالتعليم. * صحافي، عن "بانوراما" الفرنسية، 16 / 12 / 2009، إعداد وضاح شرارة نشر في العدد: 17078 ت.م: 2010-01-06 ص: 27 ط: الرياض