في الحياة اليومية والسائرة، آن - صوفي مساعدة ادارية، تامة الأناقة. ولكنها ما أن تعتلي الحلبة حتى تضع على رأسها شعراً مستعاراً أحمر وكثاً، وتتزنر بحزام تخرج منه رؤوس مسامير مدببة. واسمها المستعار هو فيتال ستورمي. وعلى الحلبة تأخذ فيتال في الصراخ والزعيق، وتؤدي دور المرأة التي تتآكلها الغيرة. وزوجها، مارك، 27 عاماً، هو رفيق المصارعة كذلك. وفي أثناء الأسبوع، يتولى مارك تدبير مخزن جملة. فإذا أزفت نهاية الأسبوع، صعد الى الحلبة، وبدل اسمه بماركو بانديداس، وأدى دور راعي بقر مكسور القلب يقفز في الهواء، ويطير من حبل الى حبل. ويقول الزوجان:"المصارعة الحرة أداة تعبيرنا عما ليس في مقدورنا أن نكونه في الحياة". ويلجأ اليها ناس من كل الأصناف: المراهق الذي لم يطو مراهقته، ومؤدي أدوار الممثلين الخطرة محلهم، والمهندس النحيل. ويوم السبت من كل أسبوع يقصد نحو مئة منهم ضاحية باريسية، نانتير، ويتدربون في حلبة الأليزيه ? مونمارتر القديمة، أحد هياكل المصارعة الحرة في الستينات المنصرمة. فالمصارعة الحرة تبعث من جديد. وفي أنحاء فرنسا كلها تفتتح نوادي المصارعة، وتنظم حفلات ومنازلات. وكان الفن الرياضي هذا رائجاً في الستينات قبل أن ينطفئ تدريجاً مع محطة التلفزيونية الرسمية الأولى، وصورة المعلق الشعبي روجيه كوديرك، وها هو اليوم ينبعث على الشبكات في أجواء عابقة بالدخان والموسيقى العنيفة. وفي 2007، ملأ اتحاد"وورلد ويستلينغ انتيرتايمنت"، وهو أكبر رابطة مصارعة في العالم وتتداول البورصة أسهمه، قصر الرياضة ببيرسي وملعب زينيت بباريس، بالمشاهدين. وعهد بالمشاهد، وصوغها على شاكلة لوحات روائية، الى محترفين وكتّاب سيناريو. فرووا حكايات خيانات ومكائد ومؤامرات، على ما يراها الأميركيون. وفي أثناء حرب العراق، كان الأشرار فرنسيين. وأما اليوم فالعدو هو الشاب الذي يحاول قتل من هم أكبر منه سناً لكي لا يتولى تسديد رواتبهم التقاعدية، وعندما يرمي جون سينا، موسيقي الراب، الهندي غريث كالي، خارج الحلبة، يصرخ الجمهور بالأجنبي الغريب أن يعود من حيث أتى. وبطل شارل، البالغ من العمر 9 أعوام ونصف العام، هو أوندير تايكر. وطول العملاق"الوحش"هذا 2.10 متران، ويسدل على كتفيه وظهره شعراً طويلاً، ويرتدي اللون الأسود وحده. ويعرف شارل بطله ضاحكاً: انه حفار قبور خصومه. وشارل هذا واحد من عشرات الآلاف من الفتيان والبالغين لتوهم الذين يحتالون ويشاهدون مساء السبت قنال ان تي وان، وبرنامجه"كاتش أتاك". وأنصار الرياضة والبرنامج لا تفوتهم موقعة من مواقع أبطالهم، ويحصون انتصاراتهم في الدورات كلها، وريستيل مانيا، وسورفايفور سيريز... وفي الفرص المدرسية بين الدروس، حلت المصارعة الحرة محل كرة القدم. وطردت صور المصارعين صور"الكرويين"، ولا يبعد أن تتحول الأسرة حلبات موقتة. ويلح المئات من الفتيان الذين لم يتخطوا سن الپ12 على"رابطة محترفي المصارعة الحرة"بنانتير، وهي أنشئت قبل 4 أعوام، في قبولهم مصارعين. ولكن رئيس الرابطة، فوستو كونستانتيو، ثابت على رأيه:"حد السن الأدنى هو 14 عاماً، وإلا فالخطر الذي يتهدد المصارع الصغير كبير وغير مقبول". وفوستو كونستانتينو، وهو ملاكم سابق عمل في السينما، توقع إحياء المصارعة منذ بعض الوقت. وهو يصف المصارعة فيقول:"المصارعة 50 في المئة منها رياضة، و50 في المئة مسرح كوميديا، و100 في المئة استعراض ولعب فلا غرابة إذا مال الفتيان اليها". وتبهر المصارعة الحرة الفنانين. فبعد مدينة ليل، نظمت مدينة سيت البحرية الفرنسية معرضاً وسمته بپ"كيتش كاتش". وجمع المعرض أعمال 45 فناناً من أنحاء العالم، من المصورة الفوتوغرافية لورد غروبيه الى الناقد الفيلسوف رولان بارت وبينهما الرسام هيرفيه دي روسا. ويرى بارنابيه مونْس، مفوض المعرض، أن المصارعة الحرة هي"مرآة الوجه الخفي في الفن: المراوغة والخاسرون والألم الجسدي". وهي تحرف النظام الرياضي عن غايته القويمة، وتتوسل به الى رواية قصة، والتمثيل على صراع الخير والشر على نحو ما تجسدهما المصارعون، والجمهور الفني في نانتير استقى ثقافته من ألعاب الأقنعة ورسوم المانغا. وتتفق الألعاب والرسوم اتفاقاً تاماً مع المصارعة الحرة. ولا ينكر ماركو بانديداس ان السينما تلابس المصارعة الحرة ملابسة حميمة. ولكن الأداء السينمائي لا يطعن في الرياضة ولا في مؤهلات من يزاولونها، وكفاءتهم الجسدية والفنية. وبعض الأهل يرون الى مزاولة أبنائهم أو بناتهم الرياضة هذه بعين الريبة، ولكن الأصحاب والأصدقاء غالباً ما ينخرطون في الجمهور، وينتصرون لبطلهم أو بطلتهم. وبعض الهواة لا يكتمون حلمهم بالاحتراف، شأن آن ? صوفي ? وبلغ عدد العروض بفرنسا، العام الفائت، 400. وهذا يصنع سوقاً يتنازعها أنصار المصارعة الأميركية وأنصار المصارعة الفرنسية. وعاد الى الحلبة بعض وجوه المصارعة الفرنسية، مثل ميشال سولينيه، لينافس وجوه المصارعة الأميركية. ويجهر الفرنسيون تحفظهم عن الاستعراض الأميركي، وينعون عليها ضعف تقنيتها ومسرحها الفاقع والمسلي، ويستعيدون أمجاد أبطالهم"شيري بيبي، اندريه لوجييان، بورو دوببتوم، وغيرهم ممن لم يسمع بهم الأنصار الفتيان. عن جان - ميشال ديكوجيس، "لوبون" الفرنسية، 12 /2/ 2009 نشر في العدد: 16756 ت.م: 18-02-2009 ص: 25 ط: الرياض