رئيسة وزراء جمهورية إيطاليا تغادر جدة    رئيسة وزراء إيطاليا تصل إلى جدة    موظفو فندق «عائلة بديلة» لطفل تركته أمه    الوكالة الدولية للطاقة الذرية: لا زيادة في الإشعاع بمحطة بوشهر النووية    أكدت موقفها الثابت الداعي للحفاظ على وحدة السودان.. السعودية: قصف «الدعم السريع» لمستشفى الجبلين عمل مشين    نيوم يتغلّب على الفيحاء بهدف في دوري روشن للمحترفين    الهلال يُحقق لقب كأس النخبة للكرة الطائرة 2026    أبو مكة يقود القادسية للتتويج بالدوري السعودي الإلكتروني للمحترفين    الأهلي يكسب ضمك بثلاثية في دوري روشن للمحترفين    قبل المدرب.. من نحن؟    منتخب العراق يحتفل بتأهله للمونديال بحافلة مكشوفة    «زاتكا»: 748 حالة تهريب ممنوعات بالمنافذ    120 ألف يورو غرامة تجاوز السرعة في فنلندا    "الأرصاد": أمطار متوسطة ورياح شديدة على منطقة حائل    "أفلام السعودية" يؤجل دورته ال12 إلى يونيو المقبل    «إرشاد الحافلات» يستقطب الكفاءات لموسم الحج    برشلونة يقهر أتلتيكو مدريد في معقله ويوسع الفارق مع ريال مدريد إلى 7 نقاط    السعودية الخضراء.. رؤية مستدامة    ترامب: قُضي على العديد من القادة العسكريين الإيرانيين    اختتام معرض "بيدلكس" بإقبال يتجاوز 50 ألف زائر وتوقيع أكثر من 150 عقد شراكة    القبض على (5) مخالفين في جازان لتهريبهم (100) كجم "قات"    إقبال متزايد يتجاوز 30 ألف زائر في اليوم الثالث لمعرض بيدلكس وسط تغطية إعلامية واسعة    العمارة وثقافتها المهنية    تحوّل أدوار الإعلام خلال الأزمات    ساوثهامبتون يهزم أرسنال ويقصيه من كأس الاتحاد الإنجليزي    ثمرة النبق.. الكنز الطبيعي    6375 يتلقون خدمات الرعاية في التأهيل الشامل    هل إشاراتنا المرورية ذكية؟    البرتقالي ينقذ رواد مهمة Artemis II    علامات التوحد عند البالغين    مهرجان الفنون التقليدية يعزز الهوية الوطنية    لقاح الإنفلونزا يحمي الدماغ    نهاية قريبة لحقن الأنسولين    النسوية و السياسية في مسز دالوي    جهود حكومية لتعزيز تربية النحل بعسير    12 قصرا طينيا تروي حكايات 300 عام بقرية المشكاة    إطلاق أول قمر صناعي سعودي لمدار فضائي مرتفع    المملكة تدين استهداف الدعم السريع لمستشفى    "المنافذ الجمركية" تسجل 748 حالة ضبط خلال أسبوع    شراكة سعودية تركية لبناء 1014 منتجا عقاريا بضاحية فاخرة بمكة    المملكة توزع (23,880) وجبة غذائية ساخنة في قطاع غزة    انتعاش الغطاء النباتي يُعيد «البختري» إلى الحدود الشمالية    مدارس الهيئة الملكية بالجبيل تحقق المركز الثاني في تحدي الروبوت الوطني    الرياض تحتضن مستقبل "الاكسوزومات" في الطب التجديدي    معرض بيلدكس يكرم تندرنس كافيه لرعايته الفضية ومساهمته في إنجاح المعرض    ضبط 14 ألف مخالف لأنظمة الإقامة والعمل وأمن الحدود خلال أسبوع    رئيسة وزراء جمهورية إيطاليا تغادر جدة    المدينة المنورة تستضيف المؤتمر الدولي الثالث للفنون والتصاميم    صحفيو الطائف يحتفون بالعيد في جو الورد    وزارة الحج: ضيوف الرحمن المنتهية تأشيراتهم 8 رمضان يمكنهم المغادرة قبل 18 أبريل    خطبة الجمعة من المسجد النبوي الشريف    خطبة الجمعة من المسجد الحرام    إمارة نجران تنظم ورشة عمل لاستراتيجيتها    تفكر وتأمل    رئيس مركز قوز الجعافرة يكرّم الزميل منصور الجعفري    وزير الدفاع يستعرض مع نظيره اليوناني التعاون العسكري    أمير الرياض يستقبل السلطان    أمير الشرقية ونائبه يعزيان السهلي    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



حداثة عربية لعصر ما بعد "بعد الحداثة" !
نشر في الحياة يوم 11 - 10 - 2009

المثقفون في الغرب منهمكون في البحث عن تسمية مناسبة للعصر الحالي، فهناك شعور بأنه عصر مختلف عن سابقه الذي أطلق عليه عصر"ما بعد الحداثة"، وكان قد شاع قبل ذلك بين المثقفين أنّ عصر الحداثة قد انتهى مع منتصف القرن العشرين. إذن، العالم تخطّى مرحلتين بعد الحداثة، بينما الخطاب العربي يواصل المجادلة عن الحداثة ويبحث في سبل الدخول فيها أو الالتحاق بها أو التخلص من ضغطها عليه.
الاختلاف في التحقيب تقسيم العصور والمراحل التاريخية قضية حاسمة، لأن سؤال المعاصرة يرتبط بتحديد العصر الذي نودّ معاصرته. الأغلبية من المفكرين الغربيين يعتبرون عصر الحداثة وعصر ما بعد الحداثة مختلفين اختلافاً جذرياً. عصر الحداثة هو عصر الإيمان بالغد المشرق الذي تصنعه العلوم والتقنيات، وهو الرفض العنيد للماضي بما فيه من ثقل التراث والعادات، وهو التوسع والامتداد باسم الكونية والعقل المطلق. وقد انتهى هذا العصر عندما ضعف الإيمان بالتطور الخطي للتاريخ وبقابلية العلوم والتقنيات أن تحلّ كل مشاكل البشر، وعندما نشأت ديانات أفقية لم تكن أقل استلاباً للإنسان من الأديان العمودية بما ابتكرته من أنظمة شمولية وإدارات كليانية. انتهت في عصر"ما بعد الحداثة"القناعات القوية لعصر الحداثة، وتم التحول من العصر الصناعي إلى عصر الخدمات والمعلومات، واستقرت تسمية"ما بعد الحداثة"عنواناً لعصر آخر أو مرحلة أخرى غير الحداثة.
العديد من المفكرين الغربيين يرى اليوم أن تحوّلاً آخر هو في صدد الحصول، وأن عصراً ثالثاً أو مرحلة ثالثة، يبحثان عن تسمية. يقترح البعض عبارة"عصر الرخاء"، اقتباساً من مصطلح كان قد أطلقه الاقتصادي الكندي جون كينيث غالبريث عنواناً لأحد كتبه عام 1958. وينبغي أن نفهم جيداً معنى هذا الطرح: ليس معناه أن الرخاء لم يكن موجوداً في العصور السابقة ولا أنّ كل رجال العصر الحالي ونسائه ينعمون بالرخاء، بل معناه أنّ الرخاء الذي كان في السابق حكراً على نخبة في المجتمع أصبح اليوم متاحاً أمام العدد الأكبر من سكان المعمورة، بسبب ظهور طبقة وسطى بين الأغنياء والمعدمين وتمدّد هذه الطبقة لتحتلّ قاعدة واسعة في كل مجتمع وتنتشر بفضل عولمة الاقتصاد الحديث في كل أقاليم العالم. وقد لا يظهر الأمر بوضوح في منطقة الشرق الأوسط حيث الطبقة الوسطى مرتبطة بالحِرف الصغيرة والوظائف الحكومية، بل قد تبدو الحركة عكسية بفعل سياسات الخصخصة وتراجع القطاع العام وتكاثر المؤسسات الأجنبية، لكنه يبرز أكثر جلاء في المركز الاقتصادي الجديد للعالم، أي آسيا. ففي الصين مثلاً، يقدر الاقتصاديون أنّ 300 مليون شخص قد دخلوا جنان الطبقة الوسطى في السنوات العشر الأخيرة فقط.
البعض الآخر يقترح عبارة"الحداثة الفائقة"ويرى أن الخاصية الأساسية للعصر الحالي ليست مواصلة سمات السابق بل تكثيفها بشكل يغيّر جذرياً وظائفها وآلياتها. العصر السابق قام على التواصل والاستهلاك والتحديث والفردانية والرأسمالية الخ، والعصر الحالي هو هذا كله يضاف إليه كلمة"الفائق"hyper، فهو عصر التواصل الفائق والاستهلاك الفائق والتحديث الفائق والفردانية الفائقة والرأسمالية الفائقة، الخ. هكذا يبشرنا الفيلسوف جيل لبوفوتسكي في كتابه"أزمنة الحداثة الفائقة"بأننا دخلنا منذ عشر سنوات هذا العصر"دون آمال مفرطة ودون تبعات كارثية أيضاً"، كما يقول. وحسب هذا الطرح، فإن عصر الحداثة الفائقة ليس تحريفاً للحداثة ولا تحقيقاً لها، ليس تعميقاً لمبادئها ولا خروجاً عنها، إنه ببساطة عصر مختلف عن سابقه، كما أنه مختلف عن عصر"ما بعد الحداثة"الذي كان نيتشوي النزعة شديد التشاؤم، بينما تخلصت"الحداثة الفائقة"من هيغل ونيتشه في الآن نفسه.
وإذا ما طرحت القضية في السياق العربي فإنها تنحرف تماماً عن وضعها الأصلي. فالزمن العربي الراكد يغني عن عمليات التحقيب من الأصل، مكتفياً بالهوية والحضارة وسرديات الثوابت. وإذا ما طرحت مقابلات فهي من نوع المطلق الذي"تجب"فيه كلّ حقبة جاهلية أخرى. والخطاب الحداثي العربي مضطر بدوره لتجاهل التقابل بين الحداثة وما بعد الحداثة والحداثة الفائقة أو مضطر للتخفيف منه، بالادعاء مثلاً أن كل مرحلة هي تعميق لسابقتها، وهذا ما لم يقله أغلب المنظرين الغربيين! والسبب أنّ الخطاب العربي قائم على ثنائية التراث والحداثة، فالتشكيك في الحداثة فضلاً عن التجرؤ بإعلان موتها يؤدي إلى تمجيد الماضي وتفعيل الحنين إليه، ومثل هذا لا يخطر على بال المفكر الغربي الذي يبحث عن"ما بعد"لا"ما قبل"، ولا يريد العودة إلى شيء مستنفد، ولا حتى البقاء في حالة واحدة ولو كانت الحداثة. فهذا الاختلاف في أفق التفكير، بين رؤية تتجه إلى الماضي ورؤية تتجه إلى المستقبل، هو الذي يجعل مقالات الحداثة العربية مضطرة للاحتفاظ بمرجعيات فلسفية وفكرية"قديمة"القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، بينما مقالات تمجيد الماضي تحتجّ وتنافح وتستشهد بآخر ما صدر من النظريات... منتزعة عن سياقها الخاص وموظفة في خدمة أغراض أخرى!
نشر في العدد: 16991 ت.م: 2009-10-11 ص: 25 ط: الرياض


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.