رداً على إخفاق نسبي لوزارة التربية والتعليم في إنجاز الجزء الأول من مهمتها "التربية" في الشكل المرجو، ومواجهة لتقصير عدد من الآباء والأمهات في الألفية الثالثة في القيام بدورهم التقليدي الخاص بتنشئة الأبناء على قيم الحق والخير والفضيلة، وأمام تقلص دور المؤسسات الدينية الواضح في زرع قيم التعفف والحياء في الأجيال الجديدة، تنامت في الآونة الأخيرة ظاهرة شعبية جديدة تحاول ملء الفراغ التربوي وتقويم ما اعوّج من سلوكيات الشباب في السنوات الأخيرة مستخدمة لغتهم وطريقة تفكيرهم. أحدث هذه المحاولات حملة"احترم نفسك: لسه فيك رجالة يا مصر"، التي شنتها مجلة"كلمتنا"الشبابية قبل أيام لمواجهة ظاهرة التحرش الجنسي بالفتيات. وكانت حملات أخرى لمناهضة التحرش بالفتيات نظمت قبل أشهر تحت شعارات على غرار:"أمك عليها الدور"أثارت الكثير من الجدل وپ"لما عاكست استفدت إيه"وغيرهما. وعلى رغم أن نصوص القوانين المصرية فيها ما يجرّم أفعال التحرش المختلفة، فإنها - شأن قوانين أخرى كثيرة - مرفوعة موقتاً من التطبيق. كما أن دور الشارع كقوة رادعة للكثيرين من الشباب المقبلين على مضايقة الفتيات بالقول أو الفعل أو حتى النظر لم تعد فاعلة، فقلما يحدث أن يتكالب المارة للدفاع عن فتاة أو سيدة تعرضت للتحرش، بل باتت الغالبية تميل إلى رفع شعار"وأنا مالي". هذه الصحوة الشبابية الشعبية في مجابهة السلوكيات المتدنية وأخطاء التربية والتنشئة لم تتوقف عند حدود التحرش الجنسي، بل امتدت كذلك إلى حيز الصحة العامة، فمثلاً رفعت"ساقية الصاوي"شعار"الدائرة البيضاء"التي تعني إنساناً أو مكاناً خالياً من التدخين. وتحوي الكثير من الحملات والشعارات والأنشطة - أحياناً العقابية - التي تجد صدى كبيراً بين الشباب مثل ملصق"فخور بأنني غير مدخن"، أو تخصيص عدد من العاملين في الساقية يحملون بطاقات حمراً تحمل عبارة"رجاء مغادرة الساقية فوراً"للتعامل بها مع من يرفض الامتناع عن التدخين. حملة مشابهة، وإن كانت أوسع انتشاراً وأكثر شهرة هي تلك التي تتحدث عن نفسها في شكل واضح هذه الأيام من خلال آلاف الملصقات على جدران النوادي الرياضية والمقاهي والسيارات التي ترفع شعار"أوقف المخدرات غير حياتك". هذه الحملة التي يتزعمها الداعية عمرو خالد - وجدت هي الأخرى صدى كبيراً وتجاوباً بخلاف الحملات الرسمية الأخرى التي تعمل في مجال مناهضة الإدمان والوقاية منه. محاولات الإصلاح الشعبية الشبابية بالطبع عرفت طريقها إلى السياسة، وهو المجال الذي يتسبب عادة في استثارة قرون الاستشعار الرسمية. فقبل فترة أطلقت مجموعة من الشباب التي عرفت نفسها بأنها"شباب جماعة الإخوان المسلمين"المحظورة رسمياً حملة"قوم يا مصري"، وهي مجموعة إلكترونية على موقع"الفيس بوك". المجموعة قالت إن الحملة ستتيح لأعضائها التعبير عن آرائهم ومواقفهم، وفتح باب المناقشة حولها، أملاً في المشاركة في إصلاح أحوال الوطن. وترفع المجموعة شعار"قوم يا مصري"معتبرة إياها"الصرخة اللي نطلقها نحن طلاب مصر من الإخوان المسلمين حتى نوقظ بها أنفسنا، وننادي بها على زملائنا"كمحاولة للاشتراك مع بعضنا بعضاً لإصلاح أحوال البلد". يشار إلى أن"إصلاح أحوال البلد"هي الغاية التي فجرت الحملات الداعية إلى إضرابي 6 نيسان أبريل و4 أيار مايو الماضيين واللذين نبعا من أوساط شبابية نشطة. وكان للشعارات الكثيرة التي تم الترويج لها حينئذ أثر كبير لجذب الشباب مثل"يالله يا محمد ياالله يا مينا مصر مش هتتغير غير بإيدينا"و"مش هنسكت مش هنخاف مش لاقيين العيش الحاف"وغيرهما. وقد أدت هاتان الحملتان الداعيتان إلى الإضراب إضافة إلى حملات الاعتقال وبدء التفات الجهات الأمنية إلى ساحة"الفيس بوك"باعتبارها أرضاً خصبة لپ"زعزعة أمن الوطن"وپ"إثارة البلبلة"وپ"تهييج الرأي العام"إلى حملات شبابية مضادة تتبنى موقف النظام الحاكم. بعضها عبر عن نفسه إلكترونياً، والبعض الآخر عبر لافتات ضخمة في شوارع العاصمة حملت صورة يد تزرع شجرة صغيرة وشعار"الشباب اللي بجد بيبني مش بيهد". ويبدو إن عبارة"الشباب اللي بجد"تحولت إلى عبارة كودية تحمل في طياتها الكثير، إذ لجأت مجموعة أخرى شنت"حملة المليون مصري وعربي لإيقاف تصدير الغاز المصري لإسرائيل"إلى العبارة ذاتها للتعبير عن موقفها وهو"الشباب اللي بجد حر مش عبد". ويبدو أن موضوع الحملات الشبابية - وبعضها إلكتروني المنشأ - صار حلبة للصراع ليس فقط بين الشباب الموالين للنظام وأقرانهم من المتعاطفين مع أطياف المعارضة المختلفة، بل في داخل هذه الأطياف وبعضها البعض. فقبل أيام، شنت مجموعة أطلقت على نفسها اسم"خلايا طلاب الإخوان الإلكترونية"حملة لاعتبار يوم 3 آذار مارس يوماً لاستعادة الخلافة الإسلامية". يشار إلى أن الزعيم التركي كمال أتاتورك ألغى مفهوم الخلافة الإسلامية في تركيا يوم 3 آذار مارس العام 1924. عموماً، الحملات الشبابية لا تخلو كذلك من عنصر الإضحاك، حتى وإن كان من قبيل"شر البلية". فمثلاً انطلقت قبل فترة حملة"جوزونا"عبر موقع"حماسنا"الإلكتروني وجاء فيها"ندعو السادة المحترمين رجال الأعمال إلى المساهمة في حملتنا الموحدة التي تهدف إلى تزويج الشباب وذلك من خلال توفير أحد العناصر الثلاثة الآتية: شقة سكنية للعروسين أو تحمل تكاليف الخشب أو تأجير قاعة للأفراح الجماعية. ومن حملات ناقمة على الحكومة إلى أخرى داعمة لحق الفقراء في وجبة صحية إلى ثالثة مطالبة بتزويج الشباب غير القادر أو تشغيل العاطلين، كلها حملات من الشباب وإليهم، ومعظمها يؤكد أن هناك جهات عدة لم تعد تقوم بما كانت تقوم به من مهمات سواء في التربية أو التنشئة أو التعليم أو تسهيل الزواج أو غيرها من أمور السياسة والاقتصاد والاجتماع، وهي إن دلت على شيء فعلى ان"الشباب اللي بجد"يشن حملات ويحاول أن يكون له دور في التغيير ولا يكتفي بالجلوس مكتوفاً.