بعد سنوات قليلة على مغادرته السلطة كرئيس لجمهورية تشيكيا ما بعد الشيوعية، يعود فاكسلاف هافل المسرحي الى عالم المسرح بنص عنوانه"المغادرة"، هو الأول له خلال عقدين من الزمن. النص يقدم الآن على مسرح"اورانج تري ثياتر"اللندني الذي تبنى الكاتب منذ فترة المعارضة التشيكوسلوفاكية وربيع براغ في السبعينات وقيادته للثورة المخملية عام 1989. وتحكي المسرحية الجديدة وقائع الأيام الثلاثة الأخيرة المواكبة لمغادرة رئيس البلاد مكتبه، هذا الخروج الذي تم تحت ضغط"جشع"نائبه في الرئاسة، وتبنيه لنظام الانفتاح على اقتصاد السوق وبيع القطاع العام الى رجال الأعمال. ولا تتوقف الازعاجات عند هذه الحدود، فبطل المسرحية كما حصل لهافل في الواقع، يرغم على التخلي عن الفيلا التي يسكنها ان لم يؤيد النائب القادم علانية. هل يمكن القول إذاً، ان المسرحية هي نوع من تصفية الحساب مع الماضي القريب وعالم السياسة، إذا اعتبرنا ان المسرحية سيرة ذاتية، على رغم تجاهل الإشارة الى البلد الذي تجري فيه؟ أم انها رؤية الكاتب المسرحي لعالم السياسة وانتقاد أجواء النفاق التي تدفع بالبشر المحيطين بالرئاسة الى تغيير مواقفهم بتغير الظروف المحيطة؟ يعد مسرح"اورانج تري ثياتر"الواقع في ضاحية ريتشموند الراقية، المسرح الدائري الوحيد في إنكلترا الذي يقدم عروضه بصورة مستمرة منذ سبعينات القرن الماضي. أسس المخرج سام والترز فرقته وأماكن عرضها في مساحة محدودة شكلت الطابق العلوي لأحد البارات في ضاحية ريتشموند، الى أن تم شراء المبنى كله لاحقاً وبات المسرح على رغم ذلك غير قادر على استيعاب أكثر من 170 متفرجا. مساحة العرض محدودة الفضاء ولا يمكن وضع أي ستارة بينها وبين الجمهور، وضمن هذه المساحة تحديداً التي ترمز الى الحديقة، وضعت طاولة حولها بعض الكراسي ومقعد واحد طويل عند الطرف الآخر، وفي هذه الحديقة تجري المسرحية. يدخل الممثلون ويخرجون من جهات عدة، يجسدون شخصيات مثل ايرينا صديقة الرئيس لفترة طويلة والمهيمنة على سلوكه، صديقتها، والدته، مستشاره، مساعدوه، وهناك صحافيان، وابنتا الرئيس وزوج إحداهما، الخادم، البستاني، الباحثة الشابة التي تريد ان تؤلف كتاباً عن الرئيس المغادر للسلطة، والنائب الذي سيطر على السلطة ويستعد ليكون رئيساً للبلاد. شخصيات تبدو فائضة عن حاجة العرض وبعضها لا يتطور دوره، لكن المؤلف وضعها كما يقول لتعكس مشهدية الفوضى التي تنتج عن مغادرة مسؤول كبير للسلطة، وكيف يتوافد الناس من كل صوب يقدمون النصائح ويعرضون المساعدة. النتيجة جرعة كبيرة من الفوضى تضاف الى بيروقراطية الإدارة، في بلد تزداد فيه يوماً بعد يوم وظائف المستشارين وقوة حضورهم في البلاد التي تتجاوز في أحيان كثيرة قوة الأشخاص القادمين الى السلطة عبر الانتخاب. "المغادرة"نص كوميدي ساخر بل يمكن وصفه بالعبثي، غايته فضح المتملقين بمن فيهم العاملون في الإعلام الذين يلهثون وراء الفضائح في تتبعهم لحياة الشخصيات العامة بدل تركيزهم على سياساتها، فالتصريحات الصحافية تلوى معانيها ويتم اللعب بكلماتها، والمصورون في كل زاوية ينتظرون تحركات المسؤول كي يلتقطوا الصور لصحف الإثارة. وإذا كانت هذه السمات يمكن تعميمها على المجتمعات الحديثة بصورة عامة، فانه يمكن تخصيص المجتمع التشيخي بها أيضاً اعتماداً على مذكرات فاكسلاف هافل التي صدرت أخيراً بترجمتها الإنكليزية، ونشر فصل منها في الكتالوغ المصاحب للعرض. استلهام آباء المسرح كتب المؤلف نصه وفي ذهنه مسرحية"الملك لير"لشكسبير ومسرحية"بستان الكرز"لتشيخوف، وهما تتناولان ثيمة السلطة في لحظة الفقد. في الأولى كانت هناك خسارة الحكم والملك وفي الثانية خسارة سطوة وامتيازات اجتماعية لدى الطبقة الأرستقراطية المنهارة مع صعود طبقات أخرى. وللتأكيد على هذا التأثر يتخلل العرض من وقت الى آخر مؤثرات صوتية هي صهيل خيل وصوت عربات قادمة لنقل الأثاث مع سكان الفيلا الى مكان الإقامة الجديد. كذلك وزع مصمم الديكور شجيرات كرز في الحديقة التي تجري فيها أحداث المسرحية، فسكان الفيلا مثل أبطال تشيخوف مغرمون أيضاً ببساتين كرزهم. وعلى رغم الإشارة الى المسرحيتين السابقتين، إلا أن مسرحية"المغادرة"لم تنجح في التعمق في معنى ان يجد الإنسان نفسه فجأة خارج السلطة فاقداً لامتيازاتها، واكتفى النص بپ"فضح"سلوك من هم حول الرئيس وردود أفعاله الساخرة منها. من ذلك، نائبه الذي يستعد لوضع يده على الفيلا كي يحول المكان الى مجمع تسوق يحوي من بين خدماته كازينو قمار وصالة عرض للتعري، في إشارة الى الانفتاح السلبي على اقتصاد السوق وأخلاقياته. في تلك الأثناء يبدأ مستشار الرئيس بمغازلة النائب الذي سيصبح رئيساً للبلاد في الفترة القادمة ويضمن لنفسه بذلك وظيفة مستشار. والبنت الكبرى ترفض استقبال أبيها وشقيقتها وجدتها في بيتها الواسع قبل ان يخصها والدها بوصيته. أما البنت الصغرى فهي دوماً على الأرجوحة في عالمها الخاص، منفصلة عن عالم أبيها بجهاز الموسيقى النقال على أذنيها أو بالرد على مكالمات الهاتف الجوال، وذهنها مشغول بالعالم الافتراضي الذي تلاحقه على الإنترنت، وتبقى صامتة متجاهلة ما يجري حولها، حتى قرب انتهاء العرض عندها تخبر الأب بدعوة خطيبها رجل الأعمال الفرنسي استضافة العائلة في قصره. يفاجأ الأب بارتباط ابنته بشخص لا يعرفه وبأن الخطيب واحد من رجال الأعمال الذين يستثمرون في البلاد الآن. سار إيقاع المسرحية بصورة مشوشة، فمن مشاهد الحوار المتواصل من غير حدث جديد، الى مشهد رقص مفاجئ على موسيقى نشيد الحرية لبيتهوفن، الى"آكشن"ساخر في مشهد صفعات صحبته إضاءة وصوت شرارة كهربائية ترمز للصفعات. وربما كان أحد أسباب تشوش العرض جلب التفاصيل الواقعية والحكاية الشخصية التي عاشها المؤلف عند مغادرته السلطة في شباط فبراير 2003، الى نص غاب عنه التخيل والإخلاص لقواعد الكتابة المسرحية عند صنع الشخصيات. وهذا الرأي ليس بمبالغة، ففي الفصل المنشور مع المسرحية والمأخوذ من مذكراته كما أشرنا سابقا، يذكر هافل استياءه من بيروقراطية الدولة التي لاحقته على كراس عتيقة في مكتبه، بينما أضاعت في دهاليز البيروقراطية لوحة من ممتلكاته لفنان شهير من غير ان تعوضه. كذلك صادرت الكتب التي أهديت له بحجة ان عليها ختم الدولة وبالتالي فهي ملكية عامة لا يحق له الحصول عليها، بينما منح بعض المنحوتات التي لم يطالب بها، ومن بينها منحوتة لرأس الزعيم الهندي غاندي، فقط لأنها لا تحمل أي ختم للدولة!. وفي المسرحية حضرت منحوتة غاندي والكتب طوال الوقت بصورة مضحكة وهي تحمل الى العرض وتخرج منه بين مشهد وآخر. ربما ما أنقذ المسرحية هو تدخل الكاتب فاكسلاف هافل بصوته الشخصي المسجل بين المشاهد بلغة إنكليزية ذات لكنة أجنبية واضحة، ليعلق أو يبرر أو يسخر، الخ، مما أضفى جواً من الطرافة عندما كان الممثلون يجمدون حركتهم ليشاركوا الجمهور الاستماع الى صوت المؤلف. وأضافت التعليقات في الوقت نفسه حالة من الجدية على النص، باشراك المؤلف جمهوره معه بالأفكار التي كانت تتبادر الى ذهنه لحظة الكتابة. مسرحية"المغادرة"قدمت قبل شهور أيضاً في مدينة براغ بطاقم فني تشيكي، وشهدت إقبالاً بسبب التصاق الجمهور بتفاصيلها. أما في لندن فلم يحصل العرض على الكثير من الثناء، واكتفى بعض النقاد بتقريظ أداء بعض الممثلين في الطاقم البريطاني.