عندما ظهر آرثر وينغ بينيرو (1855-1934) كاتباً مسرحياً في مدينة لندن، كانت أوروبا تنتقل من القرن التاسع عشر الى بداية القرن العشرين وتشهد متغيرات اجتماعية وسياسية مهمة، وكانت مسارح تلك القارة تقدم أعمال مؤلفين معاصرين عكسوا تلك المتغيرات من خلال ثورتهم على الميلودراما التي هيمنت طويلاً في عالم المسرح. من تلك الأسماء: سترندبيرغ، إبسن، تشيخوف، ستانسلافسكي، وأوسكار وايلد. وعندما قدم بينيرو بنجاح مسرحية «الصاعقة» في عام 1908، كان جورج برنارد شو علماً في عالم المسرح أثبت نفسه في موسم من ثلاث سنوات على مسرح رويال كورت. وعلى رغم أن بينيرو عاصر تلك الأسماء، إلا أن اسمه عانى الغبن بعد ذلك، وبالكاد كانت تقدم له مسرحية في كل عقد من الزمن. من هنا تأتي أهمية قرار المخرج البريطاني المسرحي سام وولترز ردّ الاعتبار إليه، بتقديمه عرضاً مميزاً يليق بالنص الجميل وبالمؤلف نفسه. على رغم أنه انكليزي المولد، ينتمي بينيرو لعائلة هاجرت من البرتغال في القرن الثامن عشر واستقرت في لندن وهي من أصول يهودية. عندما كان في العاشرة، أخرجه أبوه المحامي من المدرسة ووضع في خدمة مكتبه. لكن بعد وفاته، وكان الابن في السادسة عشرة تقريباً، اتجه نحو التمثيل لعدة سنوات. في عام 1884 كتب بينيرو مسرحية قصيرة بعنوان «200 جنيه في السنة»، وقرر بعدها انه سيكون كاتباً مسرحياً، فترك التمثيل وكل ما يمكن أن يشغله عن الكتابة. لفت الأنظار إليه بمسرحيات الكوميديا الفاقعة «الفارس»، مثل مسرحية «النائب العام» 1887، و «مديرة المدرسة» التي نشرت في العام التالي. إلا أنه قرر لاحقاً كتابة الدراما الجادة بعد تأثره بكتاب أوروبا المسرحيين، فقدم عام 1889 مسرحية «المبذر» التي حققت نجاحاً مختلفاً عن أعماله السابقة، فقد كتب فيها عن دور المرأة في المتغيرات الاجتماعية الجديدة في العالم، تماماً مثل إبسن، وألحقها بثلاث مسرحيات أخرى من النمط نفسه. تفتتح مسرحية «الصاعقة» بوفاة الأخ إدوارد، كبير عائلة مورتيمور، وقد كان مرضه ووفاته السريع مفاجئاً لأخوته الذين اجتمعوا بحجة أن يكونوا بالقرب منه وهو على فراش الموت، لكن عيونهم كانت على الثروة التي تركها أخوهم العازب، الذي لديه ابنة من علاقة خارج الزواج ولم يترك لها شيئاً لأنه لم يترك وصية محددة. العائلة تنتمي للطبقة المتوسطة في العمق الانكليزي، أو ما يعرف بمنطقة «الميدلاند»، في محاولة جريئة لابتعاد كاتب مسرحي عن أجواء مدينة لندن. وتتكون العائلة من ثلاثة أخوة وزوجاتهم وأخت مع زوجها. في هذه العائلة نقرأ علامات الانتهازية والغرور والعنجهية، مغلفة بأجواء كاذبة من الحزن والعزاء على الفقيد الراحل. هناك رجلا قانون تستند إليهما العائلة يحاولان أن يعطيا المشورة القانونية، لا الأخلاقية بالطبع، يقفان على الحياد أمام نقاش الأخوة وحسابهم لمجمل ما سيأخذ كل منهم من الإرث. الأخ المقاول يخطط في ذهنه مشاريع سكنية جديدة في المنطقة، الناشر صاحب الصحيفة المحلية يحلم بتكبير مشروعه الى دار نشر، الأخت التي تعيش في لندن ولها علاقات مع مجتمعها المخملي هي وزوجها تتباهى بمزيد من الثروة تتباهى بها أمام الآخرين. يبقى الأخ الأصغر الموسيقي وزوجته المرهفة الحس التي تنظر لها بقية العائلة بتعال كونها ابنة بائع جوال. وعندما تصل هيلين، البنت غير الشرعية من باريس حيث تدرس الفن لتكون رسامة، تقابلها العائلة ببعض عبارات المجاملة، باستثناء العم الموسيقي وزوجته اللذين يقترحان اقتسام نصيبهم من الإرث معها، لكنها ترفض بإباء، وتقول إن كل ما كان يهمها من أمر الوصية إن وجدت، التأكد من أن والدها كان يحبها وفكر بها وبمستقبلها، ولكنه لم يفعل. وتقول إنها تستطيع أن تعتمد على نفسها والعيش من فنها، ليذكرنا من خلال هيلين أن المرأة في المجتمع باتت قادرة على الاستقلالية، وما عادت تعتمد على أموال الرجل لتعتاش منها. زوجة الموسيقي الحساسة عاطفياً وأخلاقياً تنهار أمام زوجها بسبب وخز الضمير، وتعترف انها عندما كانت في مهمة رعاية الأخ أثناء احتضاره، فتحت خزنته بحسب طلبه لإحضار قطعة مجوهرات أراد أن يهديها مكافأة لها على رعايتها له، وهناك وجدت وصيته التي هي باسم الابنة ولم تكن تعرفها لأنها تحمل اسماً مختلفاً عن أبيها، لذا فقد بادرت ومزقت الوصية، اعتقاداً منها أن إخوته أحق بثروته من امرأة غريبة. أما بعد أن التقت الفتاة، فتعتقد أنها الأحق بالثروة منهم جميعاً. يحاول الزوج أن ينسب الفعل لنفسه ويواجه أخوته بحقيقة وجود الوصية ليعيد الحق لهيلين ويحمي زوجته من المساءلة، وهي معلومة لا تلاقي ترحيباً عند بقية الأخوة، ويبدأ التشكيك بالرواية وبحقيقة وجود الوصية في الأساس. لكن باعتراف زوجة الأخ الأصغر وقسمها على كلامها، يقر المحاميان أنها صاحبة الإرث ويطلبان منها التقدم للمحكمة لإثبات ذلك. إلا أن الابنة هيلين تفاجئ العائلة بأنها لا تحتاج لكل تلك الثروة، وأنها ستقتسمها معهم، وهي سعيدة بحقيقة معرفتها أن أباها فكر بها قبل أن يموت. فجأة يتحول الأعمام الجشعون ومعهم العمة، من أشخاص متنمّرين الى مخلوقات وضيعة تريد أن تقبل يدي الفتاة امتناناً. يضيف اخراج سام وولترز حيوية شديدة للعرض الذي يظهر فيه ممثلون مميزون، وهو عرف كيف يستغل المسرح الدائري الصغير في حركة الشخصيات والديكور وتغيير مشاهده بخفة وسرعة، إضافة الى حسن استخدام الإضاءة في تلك المساحة المحدودة. بعض الحركات الساخرة مثل مسارعة الإخوة والصهر الى إعادة حساب نصيب كل منهم من الميراث كلما تغيرت المعلومات، أثار ضحك الجمهور وكشف جشع الإخوة وزيف حزنهم على الميت. يقول وولترز في الكتيّب المصاحب للعرض (هو مدير مسرح «أورانج تري ثياتر» أيضاً الذي يتميز بالنبش في تاريخ المسرح الأوروبي ومسح الغبار عن أسماء أصابها النسيان)، إن اختياره هذه المسرحية لبينيرو قائم على حقيقة أنه سيّد الكتابة في الأنواع المسرحية المختلفة، فقد تنوعت كتاباته بين الفارس، الكوميديا الاجتماعية، والكتابة الجادة المعنية بقضايا المجتمع. وتتسم مسرحية «الصاعقة» بأنها ساخرة من نوع خاص، بتهكمها على النفاق الاجتماعي، وهي أكثر كوميدياته قوة. هذا إضافة الى مسحتها الإنسانية العالمية، وهي تبحث في ثيمات مثل الحسد، الجشع، الشعور بالكرامة مقابل امتهان النفس بسبب المال، الشعور بالذنب، الحساسية لمبدأ العدالة مقابل التمسك بالقانون الجامد، وكلها ثيمات تصلح لكل زمان ولكل مجتمع. ومع ذلك فقد قدمت هذه المسرحية مرتين فقط بعد عروضها الأولى، في عام 1945 ثم في عام 1966. آرثر وينغ بينيرو كتب نحو 59 نصاً مسرحياً، وكانت مسرحية «الصاعقة» من أواخر المسرحيات التي لاقت اهتماماً واضحاً عند عرضها في عام 1908.