هل يصلح الأديب لأن يكون سياسياً؟ هناك من ينكر على الأديب الخروج من عالمه الكتابي إلى عالم النشاط العام، ذلك أن الأديب يطوف في فضاء الفن والخيال والأحلام مكتفياً بقلمه والورقة البيضاء التي أمامه. أما السياسي، فإنه ينشغل بمجريات المجتمع الواسع ومشكلاته وعلاقاته بالاعتماد على مؤسسات وقوانين ومظاهر متداخلة ومعقدة. ولكن الأديب ليس كائناً خارج المجتمع والتاريخ. إنه يشاطر الناس العيش ويشاركهم الهموم ويتقاسم معهم المتاعب. فلمَ لا يحق له أن يصعد إلى المكان الذي يمكنه من خلاله أن يؤثر في المحيط العام ويدير شؤونه: السلطة. إذا اقتحم الأديب عالم السياسة بالفعل، هل ينجح في نقل تصوراته إلى أرض الواقع من طريق الديبلوماسية المملة والاهتمام بالقضايا العملية اليومية التي تتكدس على طاولته كرجل سلطة بيروقراطي؟ نعم، يقول التشيخي فاكسلاف هافل. لا، يقول البيروفي ماريو فارغاس يوسا. نجح فاكسلاف هافل حيث فشل فارغاس يوسا. تسربت السياسة إلى الأدب الذي يكتبه يوسا على الدوام. كانت الرواية المكان الخيالي الذي يمارس فيه السلطة. من هناك عاين المجتمع والناس وراقب التصادمات الحتمية التي يزخر بها الواقع اليومي. روايته الكبيرة "حرب نهاية العالم" التي أصدرها عام 1980 تقارب موضوعة التبشير الثوري والنزعة التي يحملها بعض الأفراد لتغيير الواقع القائم، في العالم كله ربما، من طريق العنف والتدخل القسري. ورواية "حفلة التيس" تدور حول الديكتاتور الدومينيكاني رافائيل تروخيلو. وهو كان، أي الديكتاتور، صديقاً للولايات المتحدة وكان فاسداً للغاية حتى أن ال"سي آي إي" أرادت أن تتخلص منه. ورواية "حوار في الكاتدرائية" تتناول السلطة والسياسة في البيرو في بداية الخمسينات. والرواية في معظمها حوار متداخل تغيب فيه المعالم بين السارد، المؤلف، والشخصيات. وتتناثر المواضيع والمقولات السياسية والحوادث في ثنايا تلك الحوارات. وكانت الأكاديمية العسكرية أحرقت روايته "زمن البطل" لأنها، أي الرواية، كانت تصويراً فاضحاً للأكاديمية ذاتها. ولقيت رواية "البيت الأزرق" مصيراً مشابهاً، إذ تم حظرها، هي التي سلطت الضوء على الجريمة والبغاء في العاصمة البيروفية ليما. بدأ فارغاس يوسا حياته الأدبية والسياسية، يسارياً متطرفاً. وهو انشغل بحركات العنف وحرب العصابات التي عمت العالم وتكثفت، على وجه الخصوص، في أميركا اللاتينية. وقد جذبته أعمال تشي غيفارا وفيدل كاسترو فصار من المتحمسين لهما. غير أن هذا الأمر لم يطل كثيراً، لأنه سرعان ما استفاق من الأوهام وتحرر من عقدة الارتماء في حضن السذاجة القاتلة، أي الركض وراء الثوريين المزعومين الذين سرعان ما يتحولون إلى أيقونات مستبدة ويتمرغون في ديكتاتوريات قاتلة. شجب يوسا ديكتاتورية فيدل كاسترو التي أيقظت فيه نزعة الاشمئزاز من التيارات اليسارية. وهو رأى أن هذه التيارات التي تتقنع بالمثل والنقاء تغوص في الدسائس والمؤامرات والخيانات والصفقات ولا تتورع عن ارتكاب جرائم القتل والتصفيات. خسر يوسا الانتخابات الرئاسية أمام ألبرتو فوجيمورو. فأدار ظهره للسياسة ولبلاده وسافر إلى إسبانيا فأخذ الجنسية الإسبانية ومنذ ذلك الحين يعيش متنقلاً بين مدريد وبرلين ولندن وباريس. في كتابه "حقيقة الأكاذيب" يعبر يوسا عن آرائه بوضوح. كان الكتاب ظهر للمرة الأولى عام 1990 أثناء حملته الانتخابية. في طبعة جديدة صدرت حديثاً أضاف يوسا مقالات جديدة إلى الكتاب. يقول ما فحواه أن في وسع المرء أن يرى الحقيقة من خلال كومة الأكاذيب التي تنتشر من حوله. فالأكاذيب بنفسها تدل إلى الحقيقة. شعر يوسا بالنفور من السياسة في بلده، وقال ان الأدب والسياسة لا يلتقيان. "فالكاتب شخص يعمل وحيداً وهو يحتاج إلى استقلال كامل وعزلة أكيدة، أما السياسي فهو شخص يعمل كتابع. إنه مستعد للقيام بكل التنازلات التي لا يمكن الكاتب أن يقوم بها أبداً". ليس هذا رأي فاكسلاف هافل. أصبح هافل رمزاً لمناهضة الاستبداد والدفاع عن حقوق الإنسان حين كانت الشيوعية تهيمن على بلده تشيكوسلوفاكيا وعلى جزء كبير من العالم. حدث ذلك حين تخلت عنه الأوهام، أو تخلى هو عنها، بعد الغزو السوفياتي لتشيكوسلوفاكيا، في 21 آب أغسطس 1968. تعفف هافل عن كل ما له صلة بالإيديولوجيات الطوباوية والعقائد الخلاصية التي تزرع أملاً مزيفاً في نفوس الكثيرين. الشيوعية والفاشية والفساد وسوء استغلال السلطة، هي أسوأ ما يمكن أن يصيب المجتمعات البشرية. وليست أقل سوءاً النزعة الشعبوية والديماغوجية المضللة والأكاذيب القومية والانتفاخ الشوفيني. في شبابه انخرط مع مجموعة من المثقفين لمناقشة قضايا السياسة والأدب. المخرج الشهير ميلوش فورمان كان صديقه المقرب، كذلك كان الشاعر ياروسلاف سيغرت الحاصل على جائزة نوبل. هو أراد أن يدرس الأدب والمسرح ولكنه منع من ذلك. خدم سنتين في الجيش وهناك أسس فرقة مسرحية. كتب مسرحيات نالت الشهرة داخل تشيكوسلوفاكيا وخارجها. وتعرض إلى الملاحقة ومنعت كتبه من الصدور واضطر إلى أن يعمل في مصنع للبيرة. بروزه في الأدب والكتابة أصبح بمثابة ثقل يفيده في عالم السياسة. كتب رسالة طويلة إلى الرئيس التشيكوسلوفاكي يان هوساك عام 1975 حثه فيها على الانفتاح والتخلي عن الصرامة الشيوعية واحترام حقوق الإنسان. وفي عام 1977 أصدر مع مجموعة من المثقفين ميثاق 1977. كان ذلك بداية انتشار اسمه في أوساط الأدباء والمثقفين في الخارج. صار العالم يحتفي به رمزاً نقياً للمعارضة التشيكوسلوفاكية فيما كان هو يقبع في السجن. اعتقل ثلاث مرات وبقي في السجن أكثر من خمس سنوات. في عام 1978 كتب مقالته الشهيرة "السلطة والذين لا سلطة لهم" تناول فيها الطابع الشمولي الاستبدادي للشيوعية ووصف الميكانيزمات التي تلجأ إليها السلطة الشيوعية لخلق مجتمع من المحرومين الذين لا سلطة لهم وحيث ينتعش فقط المتملقون المنافقون وأسياد الفساد. في مقالته أشار إلى القوة الأخلاقية للمقاومة المدنية والعيش بعيداً من الأكاذيب. كان لمقالته صدى كبير في الخارج وهي أثرت في الحركات المعارضة في البلدان الاشتراكية. في 1989 أسس هافل مع آخرين "المنتدى المدني" ولم يمر وقت طويل حتى قامت "الثورة المخملية" على يد هؤلاء. وبعد شهر واحد فقط انتخب هافل رئيساً لجمهورية تشيكوسلوفاكيا. لم تبدل السلطة قناعات هافل وأفكاره. ولم تبدل سلوكه أيضاً. بقي ذلك الشخص الهادئ، الصادق، الذي يواجه الآخرين من دون أقنعة. لم تكن السياسة، بالنسبة اليه، نشاطاً رديئاً. الرداءة تأتي من الأشخاص لا من السياسة نفسها. هناك من يجعل السياسة ردهة لسلوك أنيق، ولكن هناك أيضاً من يجعل منها ميداناً للأكاذيب والغش والحيل. في مقالة بعنوان "العيش مع الحقيقة"، يرى هافل أن على المرء أن يتشبث بالحقيقة ويعرف كيف يدافع عنها في كل الظروف. من أجل هذا ينبغي التحلي بالصبر واتباع سلوك تفاوضي هادئ من شأنه أن يخلق جواً من المودة والصداقة ويشجع على الحوار والتناقش من دون تبجح أو ادعاء "من المهم أن يكون السياسي حاصلاً على شهادات دراسية. ولكن الأهم في السياسة الكياسة والتواضع والقدرة على التفاهم وامتلاك حس الاعتدال". صفات شخصية لا تتوافر في كل شخص بالتأكيد.