يبدو فيلم "كرة الصوف" للمخرجة الجزائرية فاطمة الزهراء زعموم كما لو أنه يحكي قصتها هي، أو قصة لصيقة بها على أقل تقدير، فالفيلم 14 دقيقة تدور أحداثه في إحدى ضواحي باريس حيث تحل عائلة جزائرية مهاجرة في شقة سكنية تكشف تفاصيلها الهندسية عن اخفاقات كبرى يعيشها هؤلاء المهاجرون وقد نقلوا معهم من بلدانهم انكساراتهم الكثيرة، والأهم أفكارهم المجتزأة عن الآخر الذين لا يريدون محاكاته لأنه لا يقبل بمحاكاتهم هو أيضاً، وفيما يحق للزوج أن يعيش حياته بطريقته، فإنه يغلق على زوجته فتيحة وولديها الصغيرين، وقد بدأت قصتهم للتو في شتاء عام 1974. لم تكن الزوجة في حاجة لأن تكتشف أن زوجها يغلق عليها الباب الخارجي ويوصده بالمفتاح خشية أن تخرج من البيت في غيابه حتى تبدأ بتنقيل مفاهيمها عن هذا الآخر"المخيف"الذي كان يجب أن تخشاه وهي في معقلها الزوجي الحصين. وفيما تضطر لملاعبة ابنها الأكبر سعيد في البيت يحدثان ضجة تزعج جارتها الفرنسية التي تقيم في الطابق السفلي الذي يقع مباشرة تحت بيتها، فتطلب إليها هذه أن تخفف من الضجة المثارة في بيتها عبر الباب الخارجي الذي يفصل بينهما في هذه اللحظة وما من طريقة لاجتياز عتبته. تطلب إليها ذلك من أجل أن ينام طفلها الرضيع. تعجز فتيحة التي يحمل اسمها ربما دلالة ما تناقض فكرة إغلاق الباب عن أن تتواصل مع جارتها إلا عبر"العين السحرية"التي تنشط عادة ضد الغرباء في مثل هذه الحالات، وهي أيضاً ما يصلها بالعالم الخارجي الذي تمثله هذه الجارة الشقراء. ولكن عجز فتيحة يتحول إلى إصرار لاختراق هذا الحاجز الذي صنعه زوجها المشغول بعوالمه الخارجية الكثيرة. ففيما تصنع الحلوى الجزائرية المميزة على شكل أهلّة قمرية، تقرر أن تنزل الى جارتها بعض هذه الحلوى عبر الشرفة وعن طريق حبل سيتحول إلى وسيلة أخرى لتغير الكثير من مفاهيمها ونظرتها إلى العالم المحيط بها كما تعبر مرة أمام زوجها الذي يسألها مندهشاً لماذا تريد الخروج عندما تسأله لماذا يغلق عليها الباب، ويصفعها مطالباً إياها بأن تنسى فكرة الخروج وأنه كان من الأفضل لها أن تظل في قريتها الجزائرية. تعاطف الغريب تتعاطف الجارة الفرنسية مع فتيحة وتبدأ بإرسال بعض الأشياء لها عن طريق الحبل حتى تقرر المهاجرة الجزائرية يوماً أن تصنع لجارتها ثوباً من الصوف من أجل رضيعها وتتبادل صور الأطفال معها، وكذا الحال كرات الصوف التي تلزم لحياكة الثوب، أو الثوبين، لأنها قررت أيضاً أن تتبعه بثوب لصغيرها سعيد. وفيما تنشأ صورة جديدة بين الطابقين، يعود الزوج يوماً ويتمدد في سريره، فيسمع من فوره صراخ طفل رضيع ولا يعود بوسعه أن يعرف ما إذا كان هذا صراخ طفله أم صراخ طفل الجارة الفرنسية وتنبئه فتيحة بأن هذا صراخ طفله هو. ينام الزوج من دون أن يكترث بإجابة فتيحة التي تأخذ عتلة مفاتيحه كلها وترسلها من طريق الحبل إلى جارتها التي تصنع لها نسخة من مفتاح الباب الخارجي. تتغير حال الزوجة من الآن فصاعداً، ففيما هي تقرر أن تتفتح خارج أسوار البيت يعود الزوج يوماً مبكراً إلى منزله ولا يجد أحداً في البيت... هكذا تنهي فتيحة الرواية ببساطة لأنها هي من بدأتها، فلقد غيرت كرة الصوف حياتها واكتشفت أنه ليس الثوب فقط هو ما ينتج عن حياكتها، فثمة مشاعر إنسانية هنا تنمو وتتفتح بين صديقاتها"المخيفات". "كرة الصوف"نال جوائز عدة في مهرجانات مختلفة في اليونان ومونتريال والبرتغال ومهرجان غومون. وفاطمة الزهراء خريجة المعهد العالي للفنون الجميلة في الجزائر عام 1988، وتابعت دراساتها العليا في تاريخ الفن في جامعة السوربون في فرنسا قبل أن تقرر الإقامة فيها عام 1995.