في هذا البلد الذي قسم الشعوب إلى ذئاب خاطفة وخراف مستذلة، وفي هذا الزمن الذي خيّر الأمم بين اثنتين، إما التلاشي وإما الحياة، وقفنا على مفترق طرق نرى أيهما نتبع. في بلادنا ضجة تحوم حول نفر ورثوا الزعامة عن السلف ففعلوا بنا كما شاءت أهواؤهم حتى تركونا نرسف في قيد من الشقاء الثقيل. أن للزعامة شروطاً يجب ان تستوفى في الزعيم، وللزعامة اليد الطولى في تخليص الشعوب من ربقة العبودية إذ ما من أمة مستضعفة قامت تذود عن حقوقها فنجحت إلا بواسطة الزعماء القديرين الذين منحتهم الطبيعة قوى عقلية كبيرة يحققون بها آمال الشعب. فأين هؤلاء من زعمائنا الذين أورثهم آباؤهم زعامة الأمة فحفظنا لهم ذلك الحق الوراثي كأننا قطيع غنم ينتقل من مُلك الراعي الشيخ إلى مُلك الراعي الفتى. إن الفرصة هي التي يجب أن نغتنمها ونظهر فيها جرأتنا في حفلاتنا وخطبنا، كحفلات الترحيب والتوديع. فمثلاً في حفلة توديع حاكم قديم تنهال القصائد والخطب ويكون خطباؤنا من أكبر المقاومين لسياسة الحاكم القديم ويأخذون الزفرات على رحيله ويظهرون أسفهم وحزنهم فإذا بهم في الحفلة الترحيبية بالحاكم الجديد يرحبون بالقادم مستبشرين به ومشيدين بأعماله مع انهم لا يعرفون عنه اكثر من اسمه.لو لهؤلاء الخطباء الجرأة الكافية ليظهروا للحاكم الأول - الذي ساءتهم سياسته انه انتهج سياسة خرقاء ويقولوا للثاني إننا لا نعلم عنك شيئاً فسطّر بأفعالك المجيدة على صفحات التاريخ ما ترومه لنفسك من المجد وإلا فالتاريخ لا يجامل ولا يجاري عند كتابة صفحاته، لندم الراحل على سوء سيرته ولاتعظ القادم من هفوات سلفه. تعودنا الشكوى من الحكومة والتذمر من أعمالها، ولكن هل تلام الحكومة إذا رأت الشعب قانعاً بما هو فيه؟ وهل نأمل من ذلك الحاكم الغريب أن يهبط عليه الوحي والإلهام فيصلح الخلل في أنظمتنا من دون أن نخبره عن مواطن الضعف فيها. إن كل حاكم يطوف أنحاء البلاد ليتفقد شؤونها فلا يسمع إلا كلمات"فليحيا، وعاش، وأخواتهما ولكن الشكوى التي تعتمل في النفوس، تظل كامنة في الأفئدة فلا تلفظها الأفواه. فعوضاً عن الحفلات التكريمية والعبارات الرنانة التي نخدر بها حكامنا ونشغلهم بها عن إصلاح أحوالنا، علينا أن نطلعهم على مواطن الخلل في البلد وعلى مطالب الشعب. ريما منذر - بريد إلكتروني