قد يكون من أبرز العلامات الفارقة للقرن العشرين الفائت هي صعود نجم الدراسات اللغوية، وسيطرتها على مجالات العلوم الانسانية، لكونها الجسر الذي عبرته هذه العلوم بهدف الوصول الى العلمية، من هنا كتب الكثير عن علم النفس الألسني، وعلم الاجتماع الألسني والانتربولوجيا الألسنية، وهي كتابات أكدت وما زالت تؤكد مكانة اللغة في التعبير عن الوجود شفاهاً وكتابة. لقد تبين لفقهاء اللغة والفلاسفة في الثلاثينات من القرن الماضي ان قضايا الإنسان الحياتية في السياسة والاجتماع والتربية والمال، لا تُعطى للمعرفة في شكل مباشر بل انها تتوسط باللغة، إذ ان الوعي لا يقوم باستقبال الوجود الا بما يدركه عنه من تعابير وأسماء، ورموز تنقلها اللغة، لذلك كان فهم الوجود مرتبطاً بفهم اللغة، ذلك الكائن الاجتماعي الذي عبر علاقته بالذات الفردية والجماعية يثبت المكتوب والمنسي والمقال والمسكوت عنه، المقدس والمحرم. ان انبناء اللغة هو الضمان الأساسي لوجود الحقيقة، ذلك انها تنوب عن العالم في تعبيريته من خلال ترميزه وتحويله الى"تباينات"على ما يقول مؤسس الألسنية فردينان دوسوسير. لذلك يستبعد بعض العرب وعي قضاياهم من خلال الأبعاد اللغوية لاجتماعهم وعُمرانهم، ففي الكتاب الذي نشره مركز دراسات الوحدة العربية تحت عنوان"اللسان العربي واشكالية التلقي"يتوجه الاهتمام نحو اللغة، ويتوسع باعتبارها المستودع الأمين الذي تصطف فيه ذاكرة التطور، ومقومات الانتماء بالعودة الى المنابع والأصول. وهكذا تغدو اللغة عنوان الوجود والهوية، إذ من الصعب ان يتم استعراض تاريخ أمة او شعب من دون ان نتحدث عن العامل اللغوي الذي يضمن استمرارية وجودها وتطورها، وصياغة هويتها المتميزة عبر الزمن. ان اللغة العربية كما يعبر عنها مؤلفو كتاب"اللسان العربي وإشكالية التلقي"هي كغيرها من اللغات تأثرت بمختلف المراحل التي واكبت المجتمع العربي منذ فجر الإسلام، رافقت الفتوح، وتأثرت بلهجات شعوبها. واتصلت بالعلوم الواحدة من اليونان والهند وفارس ولم تفقد بنيتها في الشكل والمضمون، ويعود الفضل في ذلك الى المرجعية اللغوية والقيمية والدينية التي يمثلها القرآن الكريم، والسنة النبوية، ومجمل التراث، والنشاط اللغوي والاجتماعي المنبثق عن هذه المرجعية. صحيح ان المجتمعات العربية الاسلامية عرفت الازدهار فازدهرت معها اللغة، كما عرفت الخمول فانحطت معها اللغة، وتحولت جزئياً وموقتاً من لغة العلم والفلسفة والأدب الى لغة الشعوذة والخرافات والمقامات، لكنها ما لبثت ان استعادت توازنها وأصبحت لغة النهضة الجديدة التي شهدتها المنطقة العربية ابتداء من أواخر القرن التاسع عشر. كما تحولت اللغة العربية الى أداة تغيير ومواجهة في زمن الحركات الوطنية في منتصف القرن الفائت وما بعد. ثم تعرضت الى هزات ايديولوجية تمثلت بالنظم والمذاهب السياسية العديدة، كالرأسمالية والاشتراكية والقومية والليبرالية. وتم في هذه الحال استدخال الكثير من الألفاظ غير المألوفة او غير الحاضرة في المنطقة العربية على ما يقول احد المشاركين في الكتاب عبدالرحمن عزي، ومنها الاقتصاد الليبرالي، حرية المرأة، الإقطاعية، البورجوازية الامبريالية، صراع الطبقات، الجماهير، العلمانية الديموقراطية، اقتصاد السوق، العولمة الخ... في المرحلة المعاصرة يلاحظ ايضاً تأثر اللغة بمحيطها الاجتماعي في تطورها وتراجعها. فقد استطاعت ان تمتلك ناصية العلوم والمعارف الحديثة وآخر صيحات التكنولوجيا، وتقنيات الحواسيب والانترنت، كما استطاعت ان تتكيف مع تعريب العلوم والمعارف الحديثة، وبخاصة في تدريس الطب والتخصصات العلمية: من هنا فإن أي كلام تبخيسي حول تأخر اللغة العربية في تلك الميادين لا يعود الى طبيعة اللغة العربية نفسها، إنما يرجع الى استبعاد لغة الضاد في الأغلب من القيام بدورها الكامل كلغة وطنية في تسيير شؤون المجتمعات العربية المعاصرة كافة. يوضح أحد المشاركين في الكتاب محمود الذوادي انه على رغم الاعتقاد السائد في الوطن العربي بعد استقلال شعوبه بأن الأنظمة التعليمية العربية الحديثة في المشرق والمغرب العربيين تدرس وتستعمل اللغة العربية الفصحى على كل المستويات التعليمية، فإن حصيلة شهادة هذه الأنظمة التربوية المنعكسة في النهاية في التكوين اللغوي للطالب والطالبة الجامعيين اليوم تفيد انهم على العموم"أميون"، أي انهم غير قادرين لا على الكتابة ولا على التحدث السليم والسهل والمتسلسل بالفصحى. بعبارة أخرى إن تدهور مستوى الفصحى بين المتعلمين العرب اليوم يطرح ما يمكن ان يسمى بقضية"الأمن اللغوي"في الوطن العربي أي الوجه الآخر للأمن الثقافي العربي. ان تراجع الفصحى أمام اللهجات العامية العربية ليس انحرافاً في اعتقادنا بل انه تقسيم للأدوار ففي حين تسيطر الفصحى على ميداني الكتابة والقراءة نرى العامية تستعمل في الأحاديث اليومية كوسيلة تخاطب عفوية وطبيعية جماهيرية. من هنا فإن مشكلة الثنائية اللغوية في اللغة العربية ليست من منظور تحليلي انحطاطاً إنما تحولاً ترافق مع تحولات المجتمعات العربية وتعدديتها. ذلك ان اللغة في بعديها الفصيح والعامي هي كائن اجتماعي يستمد حياته ونموه ونضجه الكامل من ظروف وعوامل مجتمعه الإيجابية. ويتمثل بكل بساطة هذا الطريق الطبيعي لمصلحة اللغة العربية ? كمؤسسة ? في الاستعمال الكامل والشامل الرسمي وغير الرسمي في حياة المجتمعات العربية. تبعاً لما تقدم يمكن القول ان التعاطي مع اللغة العربية يقع على ما يقول احد المشاركين في الكتاب عبدالحميد عبدالواحد"في قلب كل القضايا"الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والعلمية والفنية، وهي صورة تعكس حقيقة الواقع الاجتماعي والنفسي للأفراد، كما تعكس درجة الوعي والخلفيات الايديولوجية، والأذواق الفنية والمعتقدات الدينية. ان اللغة العربية هي كغيرها من اللغات أداة للتعبير، وأداة للتفكير، وهي أداة لمحاربة الجوع او الفقر او لتكريسهما، وهي أداة لمواجهة الغرب ووسائله في الهيمنة والعولمة وهذا ما يظهر واضحاً في مجالي الإعلام وعالم المعلومات، كما يوضح رياض زكي قاسم:"وتكمن خطورة المضمون عبر وسائط الإعلام من مصدر منتج غربي، الى دول العالم الثالث في مقصد هذا المضمون وموقفه وظروف تكثيفه". والجدير ذكره هنا ان تأثيرات الإعلام المسموع والمرئي بلغت حداً فاعلاً في الانتقال من ثقافة اللغة أي الحرف والكلمة والجملة، الى ثقافة الصورة، وهذا الطغيان للصورة في التلفزيون والإعلان والفيديو، ومجلات الأزياء والديكور والرسومات والمعارض، أضعف العديد من المفاهيم الثقافية والقيمية المرتبطة بما هو رمزي أو مجرد من الرمزية في المجتمعات العربية. في نص من نصوص"المقدمة"كتب ابن خلدون فصلاً سماه"في لغات أهل الامصار"يربط فيه اللغة بروابط القوة. فاللغة المهيمنة التي تحتكر القول، وتفرض شرعيتها هي لغة المجتمع المهيمن بدينه. وبذلك كما يتحصل من قول ابن خلدون اللغة المهيمنة هي لغة الدولة المهيمنة، تقوى بقوتها وتضعف بضعفها، فحينما كانت روابط القوة لفائدة الدولة الاسلامية، وصار استعمال اللسان العربي من شعائر الاسلام وطاعة العرب على ما يقول أحد المشاركين في الكتاب محسن بوعزيزي، أسندت شرعية احتكار السلطة لفائدة اللغة العربية، ونُهي عن غيرها من اللغات الأعجمية. اما حينما أخضعت الدول الاسلامية وفقدت سلطانها فسدت اللغة العربية على الاطلاق. يلتقي ابن خلدون هنا في اعتقادنا باثنين من كبار محللي السلطة انطلاقاً من اللغة وهما ميشال فوكو وبيار بورديو. وهو بذلك يؤسس لبناء العلاقة بين اللغة والعمران، أو ما نقول اليوم بين اللغة والاجتماع الانساني. اختتاماً إذا كان وضع اللغة العربية اليوم يشكل مؤشراً الى مقدار تخلفنا او تقدمنا فإن اللغة عند الشعوب المتقدمة هي الطريق الى الهيمنة، وهي البوابة التي تدخل منها الأطماع، وبسط النفوذ على الشعوب الفقيرة. والنفوذ والحال هذه ليس نفوذاً اقتصادياً او سياسياً فحسب، إنما ثقافياً وفكرياً بالأساس. باختصار اللغة الأقوى هي لغة الأقوى. وهذه القوة هي التي تعمل على رواج هذه اللغة او تلك، والتقليل من شأن بقية اللغات.